إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

المفاجأة الروسية وألغام الحل السلمي في ليبيا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • المفاجأة الروسية وألغام الحل السلمي في ليبيا

    د . حسن أبو طالب - الشرق الاوسط

    بعد يومين فقط من الرفض المهذب للدعوة الروسية - التركية بوقف إطلاق النار في ليبيا، قبِل الجيش الوطني الدعوة وقرر قبول هدنة، شرط أن يلتزم بها الطرف الآخر؛ ما يجعل مقولات لا تصالح ولا هدنة ولا لوقف إطلاق النار المنسوبة للمشير حفتر أثناء لقائه مع رئيس وزراء إيطاليا في روما قبل يومين في خبر كان. اشتراط التزام الطرف الآخر جاء أيضاً في بيان حكومة السراج الذي توجه بعدها مباشرة إلى أنقرة لبحث الخطوات التالية مع الوصي الإقليمي الساعي إلى التمركز في غرب ليبيا واستنزاف ثروات البلاد باعتبارها حسب زعمه إرثاً تاريخياً له. موقف الجيش ال وطني يعد مفاجأة كبرى، ولا سيما في ضوء تقدمه الميداني على أطراف طرابلس، واقترابه من تحقيق الهدف الاستراتيجي الأهم متمثلاً في تحرير العاصمة من مغتصبيها المسلحين والمرتزقة السوريين والأتراك؛ ما يؤشر إلى أن الضغوط الروسية - الألمانية - التركية - الإيطالية قد أثمرت هدفها الرئيسي متمثلاً في حماية حكومة السراج على حساب مبدأ الدولة الوطنية ومصالح الليبيين وحقهم في الأمن والسيادة.

    وبينما تُفهم بواعث وأهداف التحركات التركية الساعية إلى توفير مظلة أمان للحكومة التي تقبل وصاية أنقرة عليها، وتفتح أبواب ليبيا أمام النفوذ التركي غير المسبوق، فإن الإصرار الروسي على وقف إطلاق النار وممارسة ضغوط على الجيش الوطني يمثل بالفعل تغيراً مفاجئاً لكل من كان يتصور أن هناك موقفاً روسياً مبدئياً داعماً نسبياً للجيش الوطني الليبي، الذي يستهدف تحرير ليبيا من الجماعات المسلحة والإرهابيين والمرتزقة السوريين المدعومين من أنقرة. وجوهر المفاجأة أن روسيا التي تدخلت في سوريا منذ خريف 2015 عللت الأمر بأنه لدحر الجماعات المسلحة التي تستهدف النظام السوري، وهو عين ما يقوم به الجيش الوطني، ومن ثم يعكس طلب وقف إطلاق النار نوعاً من الدعم المباشر لطرف يستند إلى جماعات مسلحة ومرتزقة والاعتراف بهم فاعلاً رئيسياً في الأزمة الليبية رغم عدم مشروعية ذلك وتناقضه التام مع المبررات الروسية للتدخل في سوريا.

    هذه المفاجأة الروسية التي يمكن تفسيرها، وليس قبولها، بأنها انعكاس لمسعى الرئيس بوتين لتمتين علاقاته مع الرئيس إردوغان لأغراض مختلفة، من بينها تعميق الشرخ بين تركيا وبين حلف الأطلسي والأوروبيين بوجه عام، فقام بمجاملته أثناء اللقاء بينهما في أنقرة بالاتفاق معه على الدعوة إلى وقف إطلاق النار في ليبيا، جنباً إلى جنب وقف إطلاق النار في إدلب السورية، في مقايضة سياسية تخفف الضغط على مسلحي إدلب حتى يمكن نقلهم بأمان إلى غرب ليبيا. وهو ما أشار إليه تلميحاً الرئيس بوتين في لقائه الصحافي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في إطار التحضير لعقد مؤتمر برلين برعاية أممية من أجل ليبيا.

    الهدف الظاهر هو عقد مؤتمر للتسوية السلمية، في الوقت الذي يدرك فيه كثيرون، بمن فيهم المتحمسون لهذا المؤتمر، أنه ما زال يفتقد إلى ظروف ملائمة حتى يؤتي ثماره المرجوة في بدء عملية سلام متماسكة تنهي الفوضى الموجودة في غرب ليبيا وتحررها من الجماعات المسلحة والمرتزقة والإرهابيين. وحتى مع قبول هدنة مشروطة، فهذا لا يعني أنها دعوة مكتملة الإركان. وهنا يبدو التساؤل المنطقي لماذا لا تعلن الدول الحريصة على حل سلمي رفضها الصريح لإرسال تركيا مرتزقة سوريين متطرفين باعوا بلدهم ودمروه وساعدوا على احتلال أجزاء منه، وأن يتكاتف الجميع على منع دخول هؤلاء إلى الأراضي الليبية، والتي سوف تكون إن وجد هؤلاء المرتزقة فيها مستقراً بمثابة نقطة انطلاق لتهديد دول الجوار الليبي، ولا سيما جهة الغرب التي سيتمركز فيها هؤلاء؟... والشيء بالشيء يذكر لماذا لا يُبلغ الدكتور غسان سلامة المبعوث الأممي مجلس الأمن بخطورة مثل هذه الخطوة الرعناء على ليبيا ووحدتها وأمنها وسلامتها، ويطلب منه اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية البلد الذي خولته الأمم المتحدة العمل على استعادة سيادته وأمنه واستقراره؟

    هذه مجرد تساؤلات عابرة توضح المنهج الذي تتعامل به قوى إقليمية ودولية مع الأزمة الليبية، وهو منهج يزيد من الأزمة ولا يساعد على حلحلتها مجرد ربع خطوة؛ لأنه ببساطة لا يعالج الأمور كما هي في الواقع، فالكثيرون يرون الأزمة الليبية فرصة لتحقيق منافع نفطية واقتصادية وسياسية ومصالح متعددة ليس من بينها مصلحة ليبيا ووحدتها وسيادتها وأمنها وشعبها. وفي عمق الأزمة وظاهرها هناك جماعات مسلحة ليبية وغير ليبية لا تعترف بمبدأ الدولة الوطنية والمصلحة العليا للمواطنين، وهؤلاء لا يصح أن يكونوا جزءاً من الحل، لأنهم أصل المشكلة وجذرها الأساسي. ومن يتغاضى اليوم عن وجود جماعات إسلاموية وإرهابية في بلد جار، فكيف له أن يحمي أرضه وأمنه؟

    ومن بين العناصر الرئيسية التي يتم التغاضي الدولي وبعض الإقليمي عنها، أن حكومة الوفاق المستندة شرعيتها الدولية إلى اتفاق الصخيرات لم تَعد تُعبر عن هذا الاتفاق أصلاً، فممثلو خمس مناطق في التشكيل الأول للحكومة لم يعودوا موجودين فيها؛ مما يجعلها حكومة انقسام وليست حكومة وفاق. وفي الجانب الآخر، هناك برلمان معترف به دولياً استناداً إلى اتفاق الصخيرات ذاته لم يُقر بشرعية تلك الحكومة ورفض ما وقعته من اتفاقيات تتصادم مع القانون الدولي، ويطالب بنزع الشرعية الدولية عنها، ورغم شرعيته القانونية والدولية التي تفوق شرعية «الوفاق» ورئيسها، فلا تأخذ القوى الدولية والإقليمية المعنية بالأزمة الليبية هذا البرلمان بالدرجة ذاتها من التأييد والمراعاة كما تفعل مع حكومة الوفاق المشكوك في قانونيتها. وهي ازدواجية كبرى تلعب دوراً سلبياً في الإعداد لمؤتمر برلين المزمع، وغالباً ستؤثر على نتائجه التي لن تصمد كثيراً ما دام هناك جماعات مسلحة ومرتزقة ضد الدولة الليبية ويأتمرون بأوامر الخارج.

    إن غياب الأولويات الصحيحة سيؤدي حتماً إلى نتائج غير صحيحة تزيد الأزمة تعقيداً. وهذا هو الحاصل بالفعل، وبدوره يمثل ألغازاً كبرى أمام مؤتمر برلين المنتظر، وإن لم تُعالج هذه الألغاز من جذورها فستظل الأزمة الليبية مشتعلة، ولن تُطفئها إعلانات النوايا الحسنة والازدواجية الصارخة في المواقف. لقد كان الأولى بالداعين إلى حل سلمي حقيقي أن يقفوا وراء حملة الجيش الوطني حتى يستعيد العاصمة من سارقيها، لا أن يقف مع السارقين ويعتبرهم فاعلاً يجب حمايتهم. فمثل هذه الازدواجية لن تفيد ليبيا ولا سيادتها ولا أي جهود أممية أو دولية مهما كانت، ما دامت تتجاهل المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدول الطبيعية غير الفاشلة.
يعمل...
X