إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

النظام و«الإخوان» في مصر: معادلة جديدة للصراع

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • النظام و«الإخوان» في مصر: معادلة جديدة للصراع

    النظام و«الإخوان» في مصر: معادلة جديدة للصراع

    خليل العناني

    لئن ظل النظام المصري يتعاطى مع جماعة «الإخوان المسلمين» بوصفها كياناً محظوراً، تجب ملاحقته من دون هوادة، رغم كونها (الجماعة) تحتكر صفة المعارضة الرئيسية في البلاد لأكثر من ثلاثة عقود، فإنه من العبث أن تظل طريقة التعاطي ثابتة لا تتغير، تلك التي لا تتخطى حدود النهج الأمني في معالجة ملف الجماعة «المحظورة» قانوناً.

    ولئن ظلت جماعة «الإخوان المسلمين» تركن لحائط الطرف المغلوب في العلاقة، واحتكار صفة «الضحية»، من دون أن تبارح مكانها باتجاه تغيير لغة ومضمون خطابها السياسي وتطوير بنيتها التنظيمية، فذلك هو «القهر الذاتي» بعينه، الذي لا يفيد الجماعة في البقاء طرفاً أصيلاً في المعادلة السياسية.

    ولئن ظل ميزان العلاقة بين الطرفين قرابة ربع قرن يراوح مكانه بين الشدة واللين، عطفاً على استمرار المعادلة التقليدية للصراع (والتي تلخصت في إبقائه عند أدنى مستوياته طالما أن النظام يشعر بالاستقرار، وما دامت الجماعة تتحرك بحرية دون مستوى الخطر)، فإن ما يحدث على مدار العامين الأخيرين، يبدو كما لو كان محاولة من كلا الطرفين لـ «كسر» تلك المعادلة، والخروج من تحت عباءتها بأي ثمن.

    فالنظام من جهته قرر، منذ فترة، اعتماد استراتيجية «القبضة الحديدية» من أجل إقصاء الجماعة سياسياً ومجتمعياً، وهو في ذلك لم يتورع عن استخدام أوراقه السياسية والدستورية والأمنية كافة. فمن جهة أولى سعى النظام للتقليل من حجم الفوز الذي حققته الجماعة في الانتخابات التشريعية، وذلك من خلال احتكار تسهيل (أو عرقلة) عملية إصدار التشريعات داخل مجلس الشعب، من دون الإنصات لأصوات الكتل البرلمانية للقوى الحزبية المعارضة أو المستقلين ومن بينهم نواب الجماعة.

    ومن جهة ثانية جرى «تفخيخ» الوضع الدستوري للجماعة من خلال تعديل بعض مواد الدستور المصري بهدف إغلاق جميع المنافذ في وجه أي محاولة «إخوانية» للمشاركة السياسية، ووضع نهاية «دستورية» لزحفها السياسي والمجتمعي.

    ومن جهة ثالثة ارتفع سقف الاستخدام «الفجّ» لورقة الحظر القانوني للجماعة، تلك التي توجد في أدراج أنظمة ما بعد الاستقلال منذ أكثر من نصف قرن، ويجري استدعاؤها كلما رغبت الأنظمة في «تهذيب» سلوك الجماعة على غرار ما هو حادث الآن. لذا فلا غرابة أن تعود إلى الأذهان حالياً تلك الأجواء السلبية لخبرة الستينات في العلاقة بين الجماعة والنظام. فلا يكاد يمر يوم واحد من دون حدوث اعتقالات ومطاردات في صفوف الجماعة على مختلف مستوياتها، ومن دون أي خطوط حمراء في استهداف رؤوسها.

    ويبدو أن ثمة سياسات «ممنهجة» يجري تنفيذها بحق الجماعة منذ فوزها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. ولا تبتعد هذه الاجراءات كثيراً عن طبيعة الصراع المكتوم داخل أروقة النخبة الحاكمة بجناحيها (القديم والجديد) حول ترتيب الأوضاع المستقبلية، ومن أهمها كيفية التعاطي مع الجماعة بشكل مغاير، يضمن عدم دخولها طرفاً مؤثراً في هذه الترتيبات. وأغلب الظن أن الكفة تميل لصالح تيار يسعى لإقصاء الجماعة سياسياً ومجتمعياً، باعتبارها التهديد الأبرز لمصالح هذا التيار في هذه المرحلة.

    وبينما يقوم هذا التيار بذلك، لا يتحسب لأي تداعيات يمكن أن تفضي إليها استراتيجيته «الإقصائية» تجاه الجماعة، فمن جهة أولى تكرس هذه الاستراتيجية تلك الصورة النمطية عن العلاقة بين الجماعة والنظام والتي استندت تاريخياً لمنطق «الضحية والجلاد»، وهو بذلك يحقق عكس ما يريد ويمنح الجماعة مزايا مجانية، تبرع في توظيفها لزيادة رصيدها المجتمعي، وهو خطأ ساذج كثيراً ما وقعت فيه الحكومات المصرية المتعاقبة منذ أوائل الثمانينات من القرن المنصرم.

    ومن جهة ثانية، تدفع هذه الاستراتيجية باتجاه ترسيخ هيمنة التيار المحافظ على عملية صنع القرار داخل الجماعة، وهي استراتيجية تضر بالنظام وبالمجتمع في آن واحد. ويخطئ القائمون على الأمر إذا اعتقدوا أن مثل هذا التيار يعبأ باستمرار المواجهة مع النظام، أو أن هذه الاستراتيجية قد تؤدي إلي تراجع الجماعة أمام قوة الضربات الأمنية. ذلك أن هذا التيار تمرس كثيراً على مثل هذه الممارسات طيلة العهدين الماضييَن (عبد الناصر والسادات)، سواء من خلال اعتماد نهج «التقية» السياسية استناداً لفسلفة «المحن» التاريخية، أو عبر استراتيجية الكرّ والفرّ «الحركية» التي يجيد شيوخ الجماعة فنونها، بينما تضر مثل هذه الاستراتيجية بالمجتمع حين تحرمه من عملية «تدافع» فكري وسياسي، كان لها أن تحدث الجماعة وبقية التيارات السياسية والدينية، فيما تعطّل أيضا مسعى بعض «البراغماتيين» داخل الجماعة من اجل المضي قدماً في سيناريو الإصلاح التدرجي لبنية الجماعة الفكرية والتنظيمية.

    ومن جهة ثالثة، يقوم النظام، ربما من دون قصد، بالتغطية على بعض العورات التي تعتري الخطاب الفكري والسياسي للجماعة، والتي كان لها أن تتكشف إذا ما شعرت الجماعة بنوع من الاطمئنان والهدوء «الأمني». وهو بذلك يفوّت على الجميع، خصوصاً القوى السياسية والنخب الفكرية، فرصة تقييم المحتوى الحقيقي لهذا الخطاب، بعيداً عن شعاراته الفضفاضة.

    ومن جهة أخيرة، فمن شأن اعتماد هذه الاستراتيجية «الخشنة» كأساس وحيد للعلاقة مع جماعة «الإخوان المسلمين»، أن يرفع درجة الاحتقان المجتمعي الملتهبة بطبيعتها لدوافع كثيرة تتراوح ما بين انخفاض مستوى الأداء الحكومي، وانهيار معايير العدالة الاجتماعية، ناهيك عن التوتر الطائفي، وهو ما قد يمثل تهديداً جدياً لحال الاستقرار السياسي في البلاد بوجه عام. وهو في استراتيجيته تلك يقف وحيداً من دون سند من بقية أطراف اللعبة السياسية، التي قُطعت أوصالها بسبب سياسات الحزب الحاكم.

    معضلة التيار الجديد مع الجماعة، ليست فقط بسبب عدم قدرته على تحمل وطأة الوضع اللافت للجماعة كقوة معارضة ذات بأس فحسب، وإنما لافتقاده القدرة على تطوير أدوات «تحكميّة» جديدة تتناسب وحال الحراك السياسي التي تعيشها البلاد منذ عامين.

    بكلمات أخرى ليست ثمة قدرة حقيقية لدى السلطات المعنية بإدارة العلاقة مع جماعة «الإخوان المسلمين»، على إبداع «نمط» جديد للسيطرة على أنشطة الجماعة وملاحقة أعضائها، وهو ما يفقد هذه السلطات قدرتها على تبرير سياستها الفجّة تجاه الجماعة، ولا يفوت في ذلك ترديد النغمة البائدة حول سعي الجماعة «للعمل على قلب نظام الحكم وإثارة الرأي العام».

    الأكثر من ذلك أن يحدد النظام علاقته بالجماعة، ليس فقط بسبب تمددها الداخلي، وإنما أيضاً وفق متغيرات الوضعين الإقليمي والدولي. ويصبح منطقياً أنه كلما ارتفعت أسهم الإسلاميين إقليمياً، كلما زادت وطأة عمليات الضغط والحصار على الجماعة داخلياً في مصر، خوفاً من انتقال العدوى إليها. وبذلك تدفع الجماعة الفاتورة مرتين، الأولى بسبب نشاطها الداخلي، والثانية بحجة تماثلها مع نظيرٍ إقليمي مرجعية ومنهجاً.

    في حين يختص الوجه الآخر لتغيّر المعادلة التقليدية بين النظام المصري وجماعة «الإخوان المسلمين»، بطبيعة التحولات التي طرأت على الحركة الذاتية لجماعة «الإخوان» تنظيمياً وسياسياً، والتي يمكن وضعها ضمن إطار مشروع «للإصلاح وإعادة التأهيل الداخلي»، ترغب الجماعة في تنفيذه على مهل، وإن احتفظت به في سريرتها تخوفاً لتبعاته.

    فمنذ فوزها في الانتخابات التشريعية تحاول الجماعة إعادة تأسيس نفسها وفق أسس مغايرة لما هو معهود عنها. فمن جهة أولى ثمة رغبة «إخوانية»، في إضفاء «مسحة» ديموقراطية على ممارساتها الداخلية، سواء من خلال تفعيل آلية الحوار (الشورى) في اتخاذ القرارات المصيرية، أو عبر تنشيط آلية التداول (تدوير المناصب التنظيمية) كأساس لعمليات الترقي الداخلي في الجماعة.

    ومن جهة ثانية تبذل الجماعة، بمكاتبها الإدارية ولجانها الفنية، جهوداً واضحة من أجل رفع مستوى الوعي السياسي لدى القواعد، بهدف استيعاب (وربما التحكم في) غزارة المدخل السياسي والثقافي للعقل الإخواني، قبل ارتداده على الجماعة بشكل قد يهدد تماسكها الداخلي.

    أما سياسياً فثمة إشارات متعددة تظهرها الجماعة على استعدادها لتغيير محتوى خطابها السياسي، على الأقل شكلياً، وذلك بهدف إذابة الكثير من المخاوف الرئيسية «التقليدية» إزاء عدم حسم بعض القضايا الخلافية كالولاية العامة والاتفاقات الدولية والرؤية الاقتصادية.

    وهي بذلك إنما تسعى لاستبدال استراتيجيتها التقليدية «الدفاعية» مع النظام، بأخرى قوامها «الهجوم الناعم» فكرياً وسياسياً، وذلك عبر جر النظام الى ساحة عراك مفتوحة، لا مكان فيها للقوة «الصلبة»، وإنما للأفكار والبرامج والأداء المنظم.

    وهي إذ تطرح برنامجاً «أولياً» لحزب سياسي، تدرك جيداً مخاطر تلك الخطوة على بنيتها الداخلية، خصوصاً في ظل عدم حسم الخلاف حول هذا الموضوع، بيد أنه لا يعدو كونه إحدى الأدوات الناجعة في الصراع مع التيار «الإقصائي» الذي يستهدف الجماعة.

    ويبقى مستقبل العلاقة بين الطرفين (النظام والإخوان)، رهناً بقدرة كل طرف على تحمل تبعات سعيه لتغيير الصيغة التقليدية للصراع بينهما، واستعداده لدفع فاتورة معادلتها «الجديدة».

    * كاتب مصري.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X