Announcement

Collapse
No announcement yet.

إيران تغيرت في الأيام القليلة الماضية...

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • إيران تغيرت في الأيام القليلة الماضية...

    إيران تغيرت في الأيام القليلة الماضية...

    مصطفى اللباد - القاهرة


    عاد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بعد شهور طويلة من الانقطاع ليحتل مكانه المفضل؛ خلف الميكروفون وأمام عدسات الكاميرات. في هذا المكان المفضل عاد -كما عود إيران والمنطقة- ليهدر بتحقيق "إنجازات نووية" جديدة تمثلت بتنصيب ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم. وسرعان ما أعادت تصريحاته إيران إلى بؤرة المشهدين الإقليمي والدولي على خلفية ملفها النووي، الذي يختصر طموحات إيران الإقليمية ويشكل عنوان مواجهتها للغرب عموماً والولايات المتحدة الأميركية خصوصاً.

    اللافت هذه المرة أن تصريحات نجاد الأخيرة ليست جديدة في الواقع، فهو قد أعلن في شهر نيسان الماضي أن إيران بلغت مستوى التخصيب الصناعي، وهو المستوى الذي يتطلب وجود هذا العدد من الأجهزة كحد أدنى. كما أن وزير الداخلية الإيراني مصطفى بور محمدي أعلن في شهر حزيران أن إيران نجحت في تركيب ثلاثة آلاف جهاز، ولكن الجديد في تصريحات الرئيس الإيراني أنها جاءت بعد ساعات من إعلان مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي تعيين محمد علي جعفري قائداً جديداً للحرس الثوري الإيراني بدلاً من الجنرال يحي رحيم صفوي الذي قاد الحرس طوال عشر سنوات كاملة.

    تغيرت إيران في الأيام القليلة الماضية بالفعل، ومرد ذلك ليس عدد أجهزة الطرد المركزي ولكن التغير الذي شهده النظام السياسي الإيراني وتوزيع الحصص داخله. وانعكس هذا التغير في استبعاد رموز لها دلالتها داخل السلطة الإيرانية، بدءاً من وزيري الصناعة والنفط ومروراً بمحافظ البنك المركزي وانتهاء بقائد الحرس الثوري الإيراني "الباسدران". ويعكس هذا الاستبعاد الجماعي نجاح التحالف الذي ينتمي إليه الرئيس الإيراني نجاد، أي تحالف تيار المحافظين الأصوليين مع التيار المؤيد لعسكرة إيران في تبديل توازنات النظام لصالحه. وإذ يعتبر الحرس مؤسسة عسكرية نافذة في إيران تملك قوات بحرية وجوية وبرية يبلغ عديد قواتها 125 ألف عسكري، فإنه يتصرف بميزانية مالية ضخمة؛ وتتعهد بالابتكارات العسكرية الإيرانية، وهي الحاضنة الرئيسية لأنظمة إيران من الصواريخ الباليستية، ناهيك عن أنها الجهة العسكرية الرئيسية التي تبرم اتفاقات المشتريات العسكرية والتسليحية لإيران.

    كان الحرس الثوري ومازال مجسداً لطموح النظام الإيراني في بناء جيشه الإيديولوجي الخاص، على غرار الجيش الصيني الثوري والجيش السوفياتي الأحمر، بسبب عدم ثقة النظام الإيراني في الجيش النظامي الذي والى الشاه قبل أكثر من ربع قرن. الجنرال المستبعد صفوي لم يكن أقل ولاء لنظام "جمهورية إيران الإسلامية"، ولكنه حافظ باستمرار على علاقات طيبة مع الأجنحة الإيرانية المختلفة من المحافظين التقليديين إلى البازار ممثلاً للبورجوازية التجارية ومروراً بتيار رفسنجاني المتواجد حتى الآن في مفاصل الدولة الإيرانية.

    والجنرال صفوي لم يكن من المعترضين على التأثير المتنامي للحرس الثوري في المشهد السياسي، بل متحفظاً على الانخراط المتنامي لمؤسسة الحرس في الأنشطة الاقتصادية الإيرانية باعتبار ذلك ليس من واجباته الأساسية. وبالرغم من ذلك يسيطر الحرس الآن على شركات ضخمة ويدير أنشطة متفاوتة تبدأ من مزارع الدواجن وتمر بامتلاك توكيلات السلع الترفيهية الفاخرة مثل سيارات المرسيدس ولا تنتهي عند شركات هندسية كبرى تتولى الإشراف على حقول نفطية وغازية في إيران مثل شركة "خاتم الأنبياء" أكبر الشركات الهندسية في إيران على الإطلاق. أما القائد الجديد للحرس الجنرال جعفري فقد شغل منصب رئيس وحدة الأبحاث الإستراتيجية في الحرس الثوري خلال الفترة الممتدة من عام 2005 إلى قبل أيام، أي منذ انتخاب نجاد في الواقع. كما نسق جعفري وأدار عمليات الحرس في العراق منذ احتلاله وحتى بداية العام، عندما نجح في الإفلات من الأسر في عملية أخذت خمسة من مساعديه أسرى في أربيل وما زالوا محتجزين حتى الآن.

    تكمن أهمية تصريحات نجاد - المنتمي هو الآخر للحرس الثوري الإيراني- في أنها تأتي على خلفية تغيير التوازنات داخل النظام الإيراني وليس لأنها تدشن اختراقاً تقنياً جديداً. ويقود إحكام التيار المؤيد لعسكرة المجتمع الإيراني قبضته على مقاليد السلطة في إيران، عبر تسلم المزيد من المواقع والصلاحيات إلى رموزه، إلى تبدل للحصص داخل إطار النظام. كانت التركيبة الحاكمة منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 وحتى انتخاب نجاد رئيساً عام 2005، مجسدة لتحالف سياسي-اقتصادي بين مؤسسة رجال الدين كطرف أول والبازار والبورجوازية التجارية الإيرانية كطرف ثان. وعلى قمة هذا التحالف تربع مرشد الثورة السيد علي خامنئي، الذي يمتلك بخلاف الصلاحيات الدستورية الواسعة أيضاً أداة رئيسية للإمساك بمقاليد الحكم وهي الأذرع العسكرية للنظام ممثلة في الحرس الثوري والجيش النظامي والمتطوعين.

    والحضور المتزايد لرموز الحرس من مؤيدي عسكرة الدولة سيغير من الوضعية الحالية للتشكيلات العسكرية المتنافرة باتجاه مؤسسة عسكرية موحدة خلف الحرس الثوري، ذائبة فيه ومطبوعة بطابعه. ومن شأن هذا التبدل في الرموز العسكرية والسياسية أن يرتقي منتقلاً إلى كامل البناء الفوقي للنظام لتغيير قسماته ورموزه في المرحلة المقبلة، قبل أن يستدير منحدراً إلى بنيته التحتية مستقطعاً بذلك، لأول مرة منذ قيام الثورة جزءاً من حصة البازار والبورجوازية التجارية.

    ووفقاً لهذا التطور لن يعود المرشد حاكماً أوحدَ لإيران بوصفه رأس المؤسسة الدينية المحافظة المتحالفة مع البازار في حين تكون المؤسسة العسكرية أحد أدواته، بل ربما تسير الأمور في إيران باتجاه حكم ثلاثي الأبعاد بين مؤسسة رجال الدين والبازار والمؤسسة العسكرية. لذلك فالأرجح أن تكون التغييرات غير الاعتيادية في المواقع الإيرانية العسكرية والاقتصادية والنفطية تدشيناً لمرحلة نوعية جديدة في تاريخ النظام الإيراني، وهي المرحلة الانتقالية بين إيديولوجيتين؛ إيديولوجيا "تديين المجتمع" إلى إيديولوجيا "عسكرة المجتمع". على هذه الخلفية يمكن القول بكثير من الاطمئنان إن إيران تغيرت بالفعل في الأيام القليلة الماضية.




    (كاتب مصري - رئيس تحرير مجلة "شرق نامة" الصادرة في القاهرة والمتابعة للشؤون الايرانية والتركية. صاحب كتاب "حدائق الاحزان" عن الجمهورية الاسلامية الايرانية)
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X