إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

البريطانيون انحسبوا ... لم ينسحبوا!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • البريطانيون انحسبوا ... لم ينسحبوا!

    البريطانيون انحسبوا ... لم ينسحبوا!

    الياس حرفوش


    سواء كان انسحاب الجنود البريطانيين الخمسمئة من آخر قاعدة لهم في مدينة البصرة انسحاباً سياسياً، ليؤكد رئيس الوزراء غوردون براون من خلاله على الخلاف في موقفه من غزو العراق عن موقف سلفه توني بلير، أو مجرد «انسحاب رمزي» كما وصفته صحيفة «ذي تايمز» البريطانية، فإن النتيجة هي ذاتها: شوارع المدينة الثانية في العراق لم تعد تحت سلطة قوات الاحتلال واستعادها اهلها، مثلما كانوا يطالبون طوال السنوات الأربع منذ الغزو.

    لكن هذه ليست نهاية القصة. فانسحاب القوات البريطانية من شوارع البصرة يحصل قبل أن يكون الجيش العراقي قد اصبح قادراً على الامساك بالوضع الأمني بشكل كامل. ويقول الضباط البريطانيون ان الفرقة العاشرة من الجيش العراقي ستحتاج الى اسابيع قبل ان تستطيع فرض سيطرتها، مما يعني ان القوات البريطانية تبقى مسؤولة عن امن المدينة التي انسحبت منها، وانها ستضطر الى العودة الى شوارعها اذ حصلت فيها مشاكل.

    وهذا يستدعي السؤال: ماذا سيفعل ابناء البصرة بهذا «الانتصار» على القوات البريطانية؟ هناك اصوات مرتفعة تقول ان انسحاب هذه القوات يشكل هزيمة مدوية للدولة المستعمِرة القديمة، وهناك من يعتبر هذا الانسحاب سابقة لا بد أن يستتبعها انسحاب القوات الاميركية التي لا تزال الذراع الاساسية للاحتلال. لكن كل هذا يجب أن لا يكون شاغلاً للعراقيين من وجهة نظر مصلحتهم المباشرة، فآخر ما يفترض أن يعنيهم هو الدخول في تحليل خلفيات الانسحاب وذيوله السياسية في بريطانيا والولايات المتحدة ، بل يفترض أن يتم استثمار الانسحاب في سبيل توفير نموذج مقبول لمدينة خارجة من ضغط الاحتلال، وقادرة على إعادة بناء أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، بعيداً عن صراعات الميليشيات المتنازعة التي عصفت بأجهزتها الامنية وبشوارعها، في الفترة الماضية. فهذا النموذج لو اتيح له أن ينجح يمكن أن يشكل عنصراً ضاغطاً على القوات الاميركية في بغداد وغيرها، ويسحب حجة مهمة من يد ادارة بوش المترنحة، التي تتذرع بالوضع الامني لإطالة أمد الاحتلال.

    فاذا كان القادة البريطانيون انفسهم يعترفون أن 90 بالمئة من العمليات العسكرية كانت تستهدف جنودهم، فإن الانسحاب يجب أن يكون كافياً لاستعادة وضع امني اكثر استقراراً في البصرة. الا ان ردود الفعل من سكان المدينة لا توحي بمثل هذا الاطمئنان. ويقول بعض سكان البصرة، الذين سألتهم الصحف البريطانية عن تعليقهم على الانسحاب: ان عمليات الخطف والقتل كانت تحصل في ظل وجود الجنود البريطانيين، فما بالك الآن بعد انسحابهم؟ هناك قوى كثيرة تتنازع على السلطة ولذلك فلا بد أن يصبح الوضع اكثر سوءاً.

    وتشير التقارير الصحافية الى صراع وتقاسم واضحين لمراكز القوى في المدينة: حزب «الفضيلة» يشرف على القوة المسؤولة عن حماية المرافق النفطية، و «المجلس الاعلى للثورة الاسلامية» (الحكيم) يسيطر على قيادة الشرطة والاستخبارات، بينما اخترق «جيش المهدي» (مقتدى الصدر) عناصر الشرطة المحلية وتمتد سيطرته الى مرفأ المدينة. ومن شأن هذا أن يفتح شهية النزاع على الموارد المالية وعائدات النفط في مدينة هي بين الاغنى في العراق، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي.

    ويبدو من المفارقات أن يكون «جيش المهدي» مستعداً للاعلان عن «حل نفسه» وعن هدنة لستة اشهر، في الوقت الذي تمهد القوات البريطانية لانسحابها، وهو ما اعتبرته جهات قريبة من وزارة الدفاع البريطانية بمثابة «تسهيل» لخروج قواتها من شوارع البصرة وتمركزها في موقعها الرئيسي في مطار المدينة الى جانب 5 آلاف جندي آخرين. واذا كان هذا التقدير صحيحاً فإن المؤمل أن يوفر «جيش المهدي» مثل هذه الفرصة لاستعادة البصرة حياتها الطبيعية، بعد أن عبث المسلحون بأمنها ودمروا نسيجها الاجتماعي الذي حافظت عليه، على رغم السنين الكالحة التي مرت بها في ظل النظام السابق.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X