إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مؤشرات عراقية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مؤشرات عراقية

    مؤشرات عراقية

    ناصيف حتي



    أحداث خمسة تحمل دلالات مهمة على منحى تطوّر ما صار يعرف بـ"المسألة العراقية":

    أولاً، الزيارة الخاطفة والمفاجأة للرئيس الأميركي إلى العراق وهي زيارة تأتي لهدفين أولهما خارجي إعلامي ونفسي للتأكيد على استمرار الإلتزام الأميركي وتواصل السياسة العراقية لواشنطن وتحديداً استراتيجية الاندفاع الجديدة وذلك عشية صدور التقرير التقويمي حول هذه الاستراتيجية والذي صارت نتائجه معروفة بما تحمله من تقويم سلبي لإدارة الملف العراقي، وأيضاً لمعالجة الارتباك والاضطراب على المستوى الرسمي بعد الكلام الأميركي الرئاسي السلبي عن رئيس الوزراء العراقي. والهدف الثاني والذي لا يقل أهمية عن الأول داخلي انتخابي إذ يبدو ان المسألة العراقية استحوذت بشكل شبه كلي على الانتخابات الرئاسية ويريد الرئيس من هذه الزيارة التعبئة الوطنية للرأي العام الأميركي واستنهاضه وراء سلطته التي هي في الخط الأول في المعركة.

    وللتذكير فلقد اثار تشبيه الرئيس بوش خيار الانسحاب المباشر والسريع من العراق وكأنه فيتنام جديدة، الكثير من السجال حول أوجه الشبه والاختلاف بين الحالتين وبين تداعياتهما على المصالح الأميركية وعلى صورة واشنطن وعلى الأوضاع الإقليمية المحيطة بكل منهما، وبالطبع مع التركيز بشكل خاص على أن حجم المخاطر والتعقيدات والإنعكاسات السلبية للعراق تفوق بكثير شبيهتها في الحالة الفيتنامية.

    ثانياً، انسحاب القوات البريطانية من البصرة ورغم الترحيب بهذا الانسحاب عراقياً على المستوى الشعبي وعدم الارتياح الأميركي الظاهر لهذا القرار وكأنه جاء دون التنسيق الكلي مع واشنطن، تبقى المخاوف قائمة ومشروعة حول الاحتمالات المتزايدة لحصول صراع بين مختلف القوى والميليشيات للسيطرة على "قالب الحلوى" البصراوي في إطار اشتداد الصراع السياسي والمادي. وقد شاهدنا منذ فترة قريبة هذا الصراع الذي اتخذ طابعاً دموياً بين ميليشيات الطرف الواحد، مع التذكير بأن إنتاج البصرة من النفط التي يراد لها ان تكون يوماً دبي العراق، هذا الإنتاج يشكل أكثر من تسعين في المئة من إيرادات الحكومة العراقية.
    فبقدر ما يحدث فراغ من خلال انسحاب القوة المحتلة أو إضعاف وجودها، بقدر ما يشتد صراع الإمساك بالأرض بين القوى المتنازعة والتي تنتمي إلى الطرف الواحد.

    ثالثاً، ازدياد الانتقاد الأميركي العلني والمباشر والمتكرر لـ"الاتفاق الرباعي" باعتباره ناقصاً والدعوة لاستكماله من خلال اتفاق ثلاثي أوسع هو أكبر في علم الحساب العراقي باعتبار ان الاتفاق الرباعي هو اتفاق شيعي كردي في قوته وصوغه وصنعه في حين ان الاتفاق الثلاثي المطلوب أوسع تمثيلاً إذ يضم السنّة إليه. ويدخل هذا في صلب التأكيد على توسيع قاعدة المشاركة في مؤسسات القرار العراقي من خلال تمثيل كافة أطياف الشعب العراقي، ما يعبّر عن بداية تحول بطيء ومحدود وخجول تحت عنوان تعديل المسار في السياسة الأميركية بغية احتواء التمدّد الإيراني أساساً في العراق وهو ما اثار ويثير حفيظة الأصدقاء والحلفاء التقليديين لواشنطن في العراق.

    رابعاً، في السياق ذاته واستكمالاً لاستراتيجية تعديل المسار السياسي أو إعادة التصويب، نشطت واشنطن بشكل كبير وواسع في عملية تسليح قوى سنّية تقليدية ومنها عشائرية بشكل خاص، تحت عنوان محاربة القاعدة وضمن سياسة تلزيم الأمن محلياً خاصة في منطقة "مثلث الموت" وذلك في سياق إعادة إحداث بعض التوازن الردعي بين أطياف المجتمع العراقي وتشجيع السنّة على الدخول الواسع في العملية السياسية، ذلك كله كشرط ضروري وفعّال وضاغط لتوسيع المشاركة المطلوبة لمصالحة وطنية فعلية.

    خامساً، تصريحات الرئيس الإيراني حول استعداد إيران لملء الفراغ الذي قد يحدث في حال انسحبت واشنطن كلياً أو جزئياً، ودعوة المملكة العربية السعودية وبعض العرب للتعاون والتنسيق في هذا الإطار. تعكس هذه الرسالة الإيرانية عنوانين: واقع الهيمنة ومحاولات الطمأنة: الهيمنة أو الشعور تحديداً بالقدرة على الهيمنة التي مردها التغييرات الهيكلية في ميزان القوى في الخليج والشرق الأوسط بعد حرب العراق وما آل إليه هذا البلد إلى جانب الاستفادة من أخطاء السياسة الأميركية في الملفات الأساسية في المنطقة وذلك بشكل غير مباشر حيناً وبشكل مباشر أحياناً، بحيث تكرس الشعور الإيراني من خلال إعادة تموضع إيران في ملفات أساسية عدة في المنطقة بأنها صارت قوة إقليمية أساسية ان لم تكن القوة الإقليمية الرئيسية في المنطقة، لكن خوفاً من استثارة قلق ومخاوف الآخرين تحاول من خلال هذه الدعوة إقامة جسور التعاون مباشرة مع القوى الأخرى في المنطقة.

    هذه الأحداث الخمس تعكس من جهة مسار التطوّرات في العراق وحوله، كما تحمل من جهة أخرى مؤشرات مهمة على العوامل المؤثرة الجديدة والمتجدّدة والتي تحكم بشكل كبير ديبلوماسية المسألة العراقية التي تشهد أيضاً بروز عناصر التفتت ضمن كل طرف أساسي في العراق واشتداد الصراع المباشر الأميركي الإيراني في العراق وعبر البوابة العراقية.

    وتبقى نقاط أساسية ثلاث يحكم تطوّرها عملية الخروج من المأساة العراقية

    أولاً، مدى استعداد واشنطن للإعلان عن جدول زمني لسحب قواتها من العراق باعتبار ان الانسحاب على الطريقة الفيتنامية كما يعترف الجميع ان لم يكن علناً فضمنياً قد يجعل من العراق فيتناماً لجميع قوى المنطقة ويؤسس لموجات من العرقنة في أوقات مختلفة تضرب الاستقرار الشرق أوسطي الهش أساساً.

    وثانياً، ان المدخل لإطلاق عملية الخروج من النفق العراقي تستدعي قبول من هم في السلطة بأن هنالك نقصا حادا في التمثيل لأحد الأطياف الرئيسية ولأن الحل هو سياسي في نهاية الأمر وليس عسكرياً أو أمنياً فان المطلوب تعزيز المصالحة الوطنية كمدخل لإنجاح العملية السياسية في العراق. الأمر الذي يستدعي أيضاً في ظل تأجج المنطق الطوائفي المبشر دائماً بمزيد من الانسدادات على طريق المستقبل، ولبنان نموذج حي لذلك، العمل للخروج التدريجي من أسر المنطق الطوائفي قبل ان يستقر نهائياً كمنطق حاكم ومنظم ومهيمن على الحياة السياسية في العراق. ويدفع في احتمال إنجاح هذا الخروج التدريجي وجود قطاعات واسعة غير طائفية من الشعب العراقي مهمّشة مباشرة أو بشكل غير مباشر في ظل غياب أي أفق غير طوائفي للدخول والمشاركة بفعالية في العملية السياسية العراقية وإعادة بناء المؤسسات الوطنية.

    وثالثة هذه النقاط ان هناك فرصة مرة أخرى وقد لا تتكرر، والعديد من الفرص قد ضاعت، لدور سياسي واسع ومواكب وليس فقط وظيفياً محاصراً، للأمم المتحدة من أجل الإمساك الخارجي بعملية إعادة البناء العراقي. فدون توافق الحد الأدنى الممكن ولكن الفعّال من محيط العراق المباشر والأبعد حول القناعة بان إنقاذ العراق واستقراره هو مصلحة حيوية للجميع وان ذلك لا يمكن ان يتم من خلال التنافس والصراع حول الورقة العراقية ومحاولة تسجيل نقاط على حساب الآخر عبر العراق، لا يمكن ان يتم أو يترجم إلا من خلال دور سياسي شامل وفاعل للأمم المتحدة، دون ذلك ستبقى المسألة العراقية بتداعياتها السلبية على العراقيين أولاً وعلى المنطقة ثانياً حاكمة للتطوّرات الإقليمية ومولّدة وحاضنة لمزيد من الاضطرابات والصراعات والمآسي.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X