إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

المواطنة الغائبة في العراق وبلاد العرب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • المواطنة الغائبة في العراق وبلاد العرب

    المواطنة الغائبة في العراق وبلاد العرب


    عدنان السيّد حسين


    في حديث معبّر عن مأساة العراق، أفصح نائب الرئيس طارق الهاشمي عن مخاوف المجموعات العراقية المختلفة طائفياً وعرقياً. فبعد تأكيده على فشل حكومة نوري المالكي في تحقيق الاستقرار، أشار الى ان "السنّة يتخوفون من الشيعة بسبب أداء حكومتين متعاقبتين، وإدارتهما للملف الأمني. والأكراد يشفقون على تجربتهم الفريدة والمتميزة في كردستان. والشيعة يتخوفون من العرب السنة، ومن اتصالاتهم وتحالفاتهم مع الدول العربية لتقويض العملية السياسية".

    ودعا الهاشمي الى "وضع نهاية لهذه المخاوف بصورة عاجلة ونهائية، واستبدال المخاوف بالثقة. وهذا حجر الزاوية للاصلاح"...

    ماذا يعني هذا التصريح الصريح؟ وكيف تتحقق الثقة وتتبدّد المخاوف؟.

    الثقة لا تتحقق بلقاء مصالحة على أهميته، ولا هي نتاج بيان مشترك قد ينجح في تسوية أمنية لبضعة أيام. انها ليست عملية (تبويس لحى) كما يُقال في لغة الشارع.

    الثقة لا تتحقق، ولا تتأكد، الا من خلال المواطنة عندما يشعر جميع المواطنين بالمساواة في حقوقهم وواجباتهم، بدون تمييز أو محاباة أو تعصب ظاهر ومخفيّ. فهل يوجد أساس موضوعي لفكرة المواطنة في العراق؟

    نعم، ثمة أساس موضوعي منذ تشكل كيان العراق كدولة بعيد الحرب العالمية الأولى. وجاءت ثورة العشرين لتبلور الشعور بالمواطنة في مواجهة الانتداب البريطاني. بيد ان عملية بناء الدولة ظلت متعثرة، كما هي الحال في سائر بلاد العرب.

    التعثّر لا يتأتى فقط من سيطرة الدكتاتورية، وحكم الفرد، أو الفئة. وانما ناتج في أصله وأساسه عن تخلف واضح في فهم فكرة الدولة، في طبيعتها وفي وظائفها وفي سلطاتها المختلفة. هذا ما ينبطق على الدول العربية كافة ولو بنسب متفاوتة.

    على سبيل المثال لا الحصر، يمكن ملاحظة مجموعة كتابات مغلوطة تبحث في الاجتماع العراقي، سنة وشيعة وأكراد وتركمان وأشوريين وكلدان ويزيديين وصابئة... فتنطلق من أوهام مفادها ان الشيعة من أصل فارسي، وعروبتهم محل شك واتهام، عدا عن كتابات الفتنة التي تكفّرهم!

    أما السنة فهم أتباع هذه الدولة العربية أو الاسلامية أو تلك، وهم مزيج غير متجانس.. هذا في المقلب الآخر. والأكراد ليسوا ولن يكونوا عراقيين، ولن يتخلوا عن حلمهم في كردستان الكبرى التي تشمل اجزاء من العراق وتركيا (شرق الأناضول) وايران... كل هذا غير دقيق، ولا يستند الى حقائق علمية.. انه مجرد اتهامات باطلة لإبقاء العراق في دائرة الانقسام، دون أن يفطن كثيرون من قادة المجموعات العراقية الى ان الاستئثار بالمال والسلطة لا يصنع دولة، ولا يؤمن استقرار وطن، فكيف بالمواطنة؟


    الخطيئة الأولى التي وقع فيها الاحتلال الأميركي، وكثيرون من القادة العراقيين بعد احتلال بغداد سنة 2003، هي اعتماد طريقة المحاصصة الطائفية والعرقية في الحكم والادارة. هذه طريقة مفخخة لن تبني دولة، بل هي مدعاة للتناحر والحرب الأهلية المتنقلة، حسبنا في هذا المضمار تأمّل الحالة اللبنانية منذ وضع المادة 95 في الدستور اللبناني سنة 1926، التي اعتمدت التوزيع الطائفي في الوظائف العامة (التماساً للعدل)!.

    أي عدل هذا الذي حققه اللبنانيون منذ اكثر من ثمانين سنة؟ ولا يزالون يتناطحون على تعيين مدير عام أو قائد عسكري أو مدني. وأي عدل سيحققه أبناء الرافدين مع اختلافهم حتى على تحديد لجنة لتعديل الدستور؟

    وحدها المواطنة كفيلة بالنهوض من هذا البؤس. انها تقوم على قاعدة المساواة، وهي تنسجم بالقطع مع حقوق الانسان، كل انسان. انها أساس الدولة المدنية، لا دولة المحاصصة الطائفية. وهي ركيزة المجتمع المدني لا المجتمع المنقسم على ذاته بالطائفية والمذهبية والعشائرية والعرقية والاقليمية الجهوية..

    من السهل تبرير هذه الحالة العراقية، أو الحالة العربية العامة، بالتدخل الخارجي. ومتى توقف التدخل الخارجي في حياة الدول؟

    صحيح هناك تدخل خارجي، بل تدخلات خارجية، أميركية وبريطانية وايرانية وتركية وسورية وكويتية وأردنية... ناهيك عن تدخل تنظيم القاعدة الارهابي بامتياز، بيد ان الصحيح كذلك هو اضطراب البيئة الداخلية. بمعزل من العامل الخارجي. انها بيئة مأزومة بالعصبية، وبالجهل السياسي لفكرة الدولة كمؤسسة.

    ثمة مشاهد متقاطعة مع التجربة العراقية المريرة، من الصومال الى فلسطين الى السودان الى لبنان... فالاجتماع السياسي العربي لم يكن مهدداً في عصره الحديث كما هو مهدّد اليوم! هذا ليس تشريعاً في السياسة، بعدما بتنا نسمع ونقرأ عن التكفير والتخوين، اضافة الى تقسيم الثروة بين قبائل وطوائف وبطون وأفخاذ.. ماذا يبقى من فكرة الدولة والحال هذه؟

    نحن جميعاً مدعوون للعودة الى المواطنة كأساس موضوعي لبناء الدولة الحديثة.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X