Announcement

Collapse
No announcement yet.

... علمنة القوى الإسلامية ؟

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • ... علمنة القوى الإسلامية ؟

    ... علمنة القوى الإسلامية ؟


    أخيراً أصبحت خيرُ النساء (زوجة عبد الله غول) المحجَّبَة سيدةَ تركيا الأولى، بعدما أُقصِي مثيلاتُها المحجبات عن الجامعات والبرلمان وأكثر الأماكن العامة. وأخيرا سقط معقل العلمانية الأخير وأصبحت مفاصل الدولة التركية، الرئاسة والحكومة والبرلمان، بيد "الإسلاميين" الأتراك في حزب "العدالة والتنمية"، وسط غياب إحتجاجي لحزب الشعب الجمهوري (الحزب الذي أسسه أتاتورك)، وإرتباك جلي للمؤسسة العسكرية في تقدير الموقف وتوقع مآلات الأمور. خاصة وأن الذي حصل جاء بغطاء شعبي كاسح، يجعل من تدخل المؤسسة العسكرية بحجة حماية العلمانية من "خطط الأشرار" على حد تعبير قائد الأركان، بمثابة مواجهة غير ذكية مع المجتمع التركي نفسه، الذي اكد في أكثر من مناسبة انتخابية تأييده لمسار الحدث السياسي الراهن.

    وحين يرصد بعض العرب المناضلين بحماسة ما يجري ويرى فيه عودة للشعب التركي الى "روحه التاريخية الحبيسة" في معركة تحقيق الذات بعد فترة اغتراب أتاتوركية قسرية، يبدأ عبد الله غول "الإسلامي" المنتخب رئيسا لتركيا، خطابه الرئاسي بتعهد الحفاظ على العلمانية في تركيا باعتبارها «مشروع سلام ضرورياً لكل المجتمعات”. وهذا يجعلنا نتساءل عن حقيقة المتغيرات الحاصلة في تركيا: هل نحن أمام رصيد متراكم من الزحف الإسلاموي البطيء على معاقل العلمانية بغرض تقويضها واستعادة الهوية المستلبة، أم أننا أمام لحظة نضج تاريخي للنظام السياسي في تركيا، استعاد أو ابتكر فيه أبعاداً جديدة ومُغَيَّبة، يضع العلمانية على سكة الديموقراطية، ويحول الهوية من جوهر ضائع في التاريخ إلى استراتيجية خيارات مستقبلية، ويجعل المجتمع الضمانة النهائية لقيم النظام التعددي بدلا من نظام تحميه فوهة المدفع.

    من المؤكد أن تركيا، ممثلة بقيادتها السياسية، قامت بعد الحرب العالمية الأولى بخطوات تاريخية، لا تقتصر على تحديد معالم نظام جديد، بل تعدته إلى خلق ثقافة جديدة وإعادة بنية المؤسسات الإجتماعية، في خطوة تسهل على المجتمع تكيفه مع المتغير الجيوبولوتيكي الجديد، واستيعاب معنى مختلفاً للسلطة ولطرق ممارستها وتداولها. وبقدر ما كان وقع وآثار هزيمة الخلافة العثمانية وتفككها، بقدر ما كان الإجراء الأتاتوركي حاسما وجذريا في التموضع داخل العالم الجديد حينها، الذي لم يعد فيه مكان لخلافة جامعة أو دولة حاضنة لكل المسلمين.
    سعى أتاتورك إلى القطيعة مع الماضي بطريقة تتناسب مع تفكك ذلك الماضي وتداعيه وفقدان الأمل بعودته، والتهيؤ لاستقبال الحاضر الزاحف كالطوفان والتكيف مع جديده وتحديه. ورغم ما يعتري الأداء الأتاتوركي من التباسات أو مخالفات أخلاقية وحقوقية ودينية، فقد كان هذا الأداء مواكباً للحظة والمشهد، محاولا استباق تدفقات الجديد السياسي والمتغير العالمي، بترتيب داخلي وطرق وعي وأنماط سلوك، تزيل جميعها معوقات التكيف، وتخفف صدمة تلقي الجديد، وتسمح بتموضع سهل داخل ترتيب العالم الحديث ونظام قواه.

    اللافت، أنه في الوقت الذي أدارت تركيا ظهرها للخلافة، ملقية بها في منسيات الذاكرة، مُؤثرةً مواجهة الإستحقاق التاريخي باستراتيجية وأدوات مختلفين، بقي مشروع استعادة الخلافة هاجس الإسلاميين العرب، باحثين في كل منعطف عن أصل تاريخي يتترسون به، وعن كلمة مجد قديمة تغذي أحلامهم وتعفيهم من جرأة أو شجاعة أو مغامرة اقتحام المستقبل المُقلق.
    وإذا كنا نُقدِّرُ جرأة الإقتحام التركية في مواكبة متغيرات العالم بعد الحرب الأولى، إلا أن الترتيب السياسي والثقافي الجديد، جاء بلا ذاكرة، وبدون ولادة طبيعية، جاء قيصريا، يصارع الوجود، متعثر الخطى. فالماضي يذهب ولكنه لا يموت، والجديد لكي يتموضع يحتاج إلى أن يصبح فيه شيء من الماضوية كي يأخذ مكانه في الذاكرة والعادة والألفة والعرف.
    جاءت علمانية تركيا لتقطع مع ماضيها، فكانت خارج السياق وبدون تاريخ، أي بدون مُحرِّك اجتماعي وتضامنات داخلية دافعة، بل بدون جدل فكري أو احتجاج اجتماعي مُمهِّدين. فكانت نتاج متغير خارجي انعكس بثقله على واقع ومصير الدولة العثمانية التي ستصبح تركيا العلمانية. مع علمانية يتيمة من حاضن اجتماعي وموتورة الصلة بالذاكرة الدافئة، كان طبيعيا أن تتحول العلمانية إلى إيديولوجيا نخبة حاكمة وعقيدة جيش يحميها ويصونها من التِفَافَات الترتيب السياسي القديم وارتدادات الصدمة التي سيُحدثها الفكر الجديد في تكوين المجتمع ووعيه.

    ورغم أن العلمانية في تركيا لم تنطلق كواقع اجتماعي بل كسِمة للنظام الحاكم الذي تحميه الآلة العسكرية، إلا أنه من الإنصاف القول، إن النظام العلماني في تركيا، سهَّل عليها اتخاذ الخيارات التاريخية في تجاوز تصدعات الدولة العثمانية، وفي إحداث نهضة اقتصادية لافتة بعد الحرب الأولى، والأهم من ذلك أنه رسخ ولو ببطء واقعا تعدديا سياسيا سمح في بداية الخمسينيات بظهور نخب سياسية جديدة تنتزع السلطة بطريق الإنتخاب من نخب الدولة الكمالية التأسيسية.
    ما يهمنا هنا، أنه رغم التدخل القاسي للجيش والذي يصعب تبريره أو الدفاع عنه - في محطات سياسية متعددة من تاريخ تركيا، إلا أن تزايد القوى السياسية المشاركة والإئتلافات المتنوعة، عكس انخراط المجتمع بالكامل في المسألة السياسية، وأدى إلى نوع من التعاكس الشفاف بين خريطة الواقع السياسي ومزاج المجتمع العام وميوله وأهوائه.

    صعود إسلاميي تركيا الأخير، وحيازتهم مفاصل السلطة الثلاث، يعني أن اختبار العلمانية وصل إلى نقطة الذروة، لجهة قدرتها على استيعاب نقيضها المنطقي وخصمها التاريخي، وتحولها من إيديولوجيا أو هيكل سلطة أو عقيدة نخبة حاكمة تحميها القوة العسكرية من تقلبات المجتمع، إلى ناظم إجتماعي وطريقة وعي عام في إظهار التباينات والخلافات وإدارتها في آن. فإذا كان المعنى الجوهري للعلمانية هو أن الإنسان أصبح راشدا بما فيه الكفاية ليكون مسؤولا عن نفسه وعن العالم، فإنها –أي العلمانية- لن تكتسي مضمونها الحقيقي طالما أن القوة العسكرية بوصلتها وضمانتها، وطالما أن الحركية المجتمعية مقيدة باعتبارات خارجية تعيقها عن إظهار وإخراج كامل مكنوناتها وإمكاناتها.

    وكما بدأت العلمانية في الغرب –فرنسا بالتحديد- إقصائية، وبزخم وادعاء معرفي ضد المؤسسات الدينية، والذي تطور لاحقا إلى إقصاء كل تصورات الغيب، فإنها انتهت آخر أمرها إلى مصالحة مع الفكرة الدينية بعدما اكتشف العقل الحداثوي نفسه أن المقدس ضرورة للإجتماع كما أكد دوركهايم، وأنه –كما يرى جورج بالانديه- كامن في فكرة السلطة نفسها التي تستعير منه الكثير من طقوسه وآلياته. بل يمكن للدين كما لاحظ توكفيل أن يساهم في تشكيل وتعزيز الديموقراطية، وأن بإمكانه أن يساهم في دفع الديموقراطية إلى الأمام بدلا من إعاقتها وإلغائها. بدأت العلمانية في الطرف النقيض للدين، وانتهت لاحقا حليفة للمؤسسة الدينية - الكنيسة - بل وضرورة لها، بعدما تبين للكنيسة حجم الفعالية التي تكتسبها وتوفرها فكرة نزع الوصايات عن الفرد والمجتمع.

    اكتمال التجربة العلمانية في تركيا، لا تكون أيضا، إلا حين يصل الوعي الديني الإسلامي، في مسار جدل سياسي وإجتماعي، إلى الذروة التي يطل بها على عوالم تفكير جديدة، تقِلُّ فيها الإدعاءات المنظومية، والوصفات السحرية في تغيير العالم والإنسان، والإنتقال به من محور تحالف منافس للقوى الدولية الكبرى - مشروع أربكان -، ومن مشروع تغيير للعالم، إلى باطن أخلاقي وروحي يصاحب السلوك السياسي والممارسة السلطوية ليخلق فيهما روادع وكوابح ذاتية ضد صور الإنتهاك كافة، وإلى تصور راسخ بأن السياسة والحكم ليسا سعيا للتطابق مع نموذج ناجز، بل هما تمظهر خارجي لسيرورات إجتماعية لا تتوقف ولا يمكن توقع مآلاتها ومستقراتها.

    لعله من المبكر تقدير جدية انخراط حزب العدالة والتنمية في تجربة العلمانية، ومدى عمق السؤال المعرفي والجرأة الإجرائية، اللذين صاحبا صعود الحزب السياسي، أو كون الأمر مقتصرا على التكتيك، أي البراغماتية، للوصول إلى السلطة. إلا أن المؤكد هنا، أن نفس تجربة الوصول الى السلطة واعتماد تقنيات خطاب وتعبئة متناغمة بالكامل مع البيئة العلمانية، يشيران إلى متغير عميق في القواعد المنتخِبَة والمنتَخَبَة. فالأداة والمضمون في حقيقتهما أمر واحد. وقبول "الإسلاميين" ممارسة السلطة بشروط وقواعد علمانية، معناه حشد مبررات دينية كافية تسوغ للقواعد المتدينة أن تدعم الحزب الحاكم، ومعناه أيضاً تسرب العلمانية إلى منتديات الوعي الديني كنظام توزيع جديد لمجالات الحياة، تجعله كما فعلت الكنيسة من قبل، يستيقظ على رهانات جديدة للفعالية أو الوظيفة الدينية لم تكن مدركة أو متاحة من قبل.


    بالمناسبة، لا معنى للقول الذي ينفي عن حزب "العدالة والتنمية" صفة الإسلامية، لمجرد أنه لا يماثل خطاب وبرامج الحركات الإسلامية في باقي الدول الإسلامية، أو لكونه لا يتبنى مشروع تطبيق الشريعة الإسلامية، أو لكونه تجاوز مقاربات أربكان في حزب الرفاه للمسألة السياسية، أو حتى لإقراره بالعلمانية كإطار ضروري للحياة السياسية، فنحن بكل بساطة أمام ذهنية إسلامية مختلفة، اختبرت خياراتها الدينية في مجال الشأن العام، على أساس صور المستقبل الآتي لا الماضي المُنجز الذي لا أمل بعودته.

    الغرابة هنا، أن كلا من العلمانية في تركيا المستقوية بجيشها، والخطاب الإسلاموي التقليدي مطالبان بشيء واحد، ألا وهو رفع الوصاية عن الفرد والإنسان، فكما أن العلمانية لا تتحقق إلا عندما تنتقل إلى حضن المجتمع لتصير شرطا مجتمعيا لكل صور الحياة السياسية، كذلك فإن الإنسان لن تنضج علاقته بالله إلا حين يرتقي بها (أو نجعله كذلك) من دائرة الضرورة والقانون إلى دائرة الحرية الكفيلة أن يطل من خلالها على حقيقة اللامتناهي.

    وجيه قانصو
    (كاتب لبناني)
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X