إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

أفغانستان.. النصر المستحيل !

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أفغانستان.. النصر المستحيل !

    أفغانستان.. النصر المستحيل !

    ديفيد رود

    أفغانستان.... كانت المحطة الأولى التي رسا فيها قطار الاحتلال في رحلته الدموية التي خاضها تحت ستار ما يُعرف بـ "الحرب على الإرهاب"، حين دخلت أمريكا أفغانستان عام 2001 مدعومة بقوات التحالف، وقامت بتوجيه ضربة جوية مركزة، في الوقت الذي لم تُسجّل فيه أي مقاومة من جانب طالبان في هذه المرحلة، وفي نوفمبر من نفس العام دخلت القوات الأمريكية مدعومة بقوات برية من تحالف الشمال إلى مدينة كابل. وانسحبت طالبان إلى قندهار، وقبل انتهاء العام كان لا يوجد جزء من أفغانستان تحت سيطرة طالبان، وسقط عشرات الآلاف من أعضاء طالبان في هذه العملية الخاطفة، وتحدثت تقارير عدة عن عمليات قتل جماعي لأعضاء من طالبان بعد أسرهم، ومن بقي من طالبان تحصنوا بالجبال الشرقية كجبال (تورا بورا)، و(ميلوه).

    لذلك... خُيِّل للاحتلال أن الأرض أضحت خالصة له، وظنت قوات التحالف أنها قادرة عليها، حتى إن الكثيرين من المؤيدين لطالبان فقدوا الأمل في ظهورها مرة أخرى، وظنوها ذهبت بلا عودة.... ووسط هذا "الوهم بالنصر" وجد الاحتلال شيئًا ما قد تغير، وجدوا نصرهم يتحول إلى هزيمة، وكأنه لم يكن إلاّ سحابة صيف عابرة، حلَّت ولم تمكث طويلاً...... فما الذي حدث لينقلب الوضع رأسًا على عقب، على عكس توقعات الكثيرين؟!

    إنه السؤال الذي طرحته صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية وأفردت للإجابة عنه عدة صفحات كاملة ضمن تقرير أعده كلٌّ من (ديفيد رود)، و(ديفيد سانجر) لتبرز وقائع هذا التحول منذ دخول قوات الاحتلال وحتى الآن.

    نصر خاطف

    تقول الصحيفة: إنه بعد سقوط حركة طالبان ووقوع أفغانستان بيد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أرسل الناتو بعضًا من ممثليه ليستكشفوا الوضع، وليقدروا النتائج الأولية لتلك الضربة العسكرية، وبعد أن هبطوا في كابل بدا لهم الوضع "ظفرًا خالصًا"، وهي بداية اعتبروها "منعشة"، وعزز هذا الشعور ما أوجزته القيادة الوسطى للجيش الأمريكي من أن طالبان قد أصبحت "قوة مستهلكة".

    ونتيجة لذلك أخذت الطائرات المروحية من طراز "بلاك هوك" - وهي من أهم المروحيات القتالية لدى الجيش الأمريكي- تسبح في سماء أفغانستان، وتجول الجنود في شوارع قندهار الهادئة، لكن بحذر فالخوف على سلامة الجنود كان الهاجس الحاضر ، وأخذوا في رشف أكواب الشاي مع زعماء العشائر.

    وأضافت الصحيفة أن الموقف حينها لم يخلُ من صيحات التحذير القائلة بعدم التسرع، مشيرة إلى مقولة (نيكولاس بيرنز)، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية: "إن بعضنا يقول: ليس بتلك السرعة... فطالبان ليست من السهولة والضعف بحيث تتبخر سياسيًا وعسكريًا فجأة وبتلك الصورة"، لكن أيًّا من تلك التحذيرات لم تلق آذانًا صاغية في واشنطن، خاصة بعد ما نشرته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية من تقارير، لخصها مسؤولان رفيعا المستوى بالوكالة أكّدا فيها أن طالبان قد "أُهلكت" وأنها لم تعد تمثل أدنى تهديد.

    وتشير الصحيفة إلى أن زهو الأمريكيين بـ"انتصارهم" بلغ مداه بعد أن وجدوا خبراء الـ(سي آي إيه)، والقوات الخاصة يعبئون أسلحتهم، ويستعدون للمحطة التالية لقطار "الحرب على الإرهاب" وهي "العراق"، معتبرين أن أفغانستان قد أخذت زخرفها وازّينت وأصبحوا قادرين عليها، وترى الصحيفة أن تلك الأخطاء الجسيمة في عملية تقييم الوضع في أفغانستان هي التي جعلت الجيش الأمريكي يطلق على عدوانه "حربًا من أجل الخير"، فيما بدا كذب ادعاءاته بعد ذلك، وظهرت أنها "حرب سيئة".

    طالبان ترتب صفوفها
    وتضيف الصحيفة أنه في الوقت الذي كانت فيه قوات الاحتلال تحتفل بـ"النصر" وتسوّقه، كانت طالبان تعيد ترتيب صفوفها بعدما وجدت دعمًا لها داخل باكستان، وهو الأمر الذي اعترف به مؤخرًا الرئيس الباكستاني "برويز مشرف". ولم تستيقظ أمريكا إلاّ على هجمات طالبان التي تسربت من الحدود، وبدأت في تنفيذ خطة لاستعادة قرى أفغانستان قرية بعد قرية، وكذلك أجبرت قوات حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، والجيش الأمريكي على خوض معركة شرسة في الجنوب، بعد "شهر عسل لم يدم طويلاً".

    ومنذ ذلك الحين والاحتلال في أفغانستان لم يغمض له جفن، بدليل ما صرح به رئيس أفغانستان "حامد كرزاي" أثناء زيارته لواشنطن الأسبوع الماضي أن "الأمن في بلاده قد انتكس بشكل لا جدال فيه"، فيما اعتبر المحللون السياسيون هذا التصريح أخف من الواقع، بل وصفه أحد المسؤولين السابقين بوكالة الأمن القومي بأنه "تصريح سياسي مكبوح".

    الطين يزداد بلة

    وأشارت الصحيفة أن نُقّاد الرئيس الأمريكي بوش ردّدوا مرارًا أن الحرب على العراق أضعفت جهود أمريكا أكثر في أفغانستان، الأمر الذي أنكرته الإدارة الأمريكية بشدة، إلاّ أن الاختبارات المتتالية التي يواجهها الاحتلال كشفت انقسامًا كبيرًا داخل الإدارة الأمريكية حول كيفية المضي قدمًا في أفغانستان، بالإضافة لقرارات عديدة أخرى. فتصريحات بوش - على ما بدت عليه من التصميم والعزم الشديد - كانت تخفي وراءها تردّدًا، وفي بعض الأوقات كانت تخرج تعهدات على مضض بحل مشكلات أفغانستان التي أصبحت لا حصر لها، ولا طاقة – حتى لأمريكا – بها.

    وأضافت الصحيفة أنه على الرغم من الانتقادات، وفي الوقت الذي كانت قوات الاحتلال تعيش أوقاتًا حرجة في أفغانستان، زاد بوش الطين بلة حين قرر توجيه قطار "الحرب على الإرهاب" إلى بلاد الرافدين، وبعد أن كان وزير الدفاع الأمريكي (دونالد رامسفيلد) يتعهد بالإطاحة بطالبان بنزر يسير من القوات وفي لمح البصر- وكأنه كان يظنها حربًا في أحد أفلام الكارتون - أصبح يتملق حلفاءه من الأوروبيين من أجل إرسال قواتهم للمساعدة في تلك "الـورطة".

    وعلى الرغم من الدمار الذي حاق بأفغانستان جراء العدوان الغربي، وعلى الرغم من تعهدات قوات الاحتلال بإصلاح ما أفسدوه، ظلت أفغانستان أقل الدول التي لقيت دعمًا حتى من سابقاتها البوسنة وكوسوفو، حتى "هايتي" الفقيرة كانت أوفر حظًّا منها، وفق دراسات أعدها خبراء بمعهد (راند كوربوريشن) الأمريكي، حتى المشروع الذي أقره الكونجرس الأمريكي لإنشاء مشروعات صغيرة في أفغانستان بتكلفة قُدّرت بـ (300) مليون دولار، لم يُموّل من قبل الإدارة الأمريكية التي نكصت على أعقابها وارتدت عن تعهداتها السابقة.

    وذكرت الصحيفة أن نهاية العام الماضي شهد زيادة ملحوظة في عدد القوات الأمريكية في أفغانستان لتصل إلى (23,500) جندي، الأمر الذي استغربه حتى كبار القادة العسكريين الأمريكيين.

    وكان لدى المسؤولين الأمريكيين فكرة خاطئة حول الواقع الذي سيقابلهم على الأرض، فأصابوا في جانب وأخطؤوا في آخر؛ أصابوا حين توقعوا رفضًا لوجودهم من الشعب الأفغاني الذي يكره الغرباء، خاصة الذين جاؤوا لاحتلال أرضه وتدنيس ترابها، لكنهم أخطؤوا حين توقعوا من العراقيين ترحيبًا ليس له مثيل.

    ونقلت الصحيفة انتقادات واسعة للسياسة الأمريكية، وتقديراتها المضللة من قبل ثلاثة من السفراء الأمريكيين السابقين لأفغانستان أثناء لقاءات صحفية عُقدت معهم؛ إذ قال (روبرت فين)، 2002-2003 : "لقد قلت من البداية إننا لا نملك لا المال ولا الجنود الكافيين لدخول تلك الحرب، وظللت أكرر ذلك طيلة السنوات الست الماضية". فيما أعرب (زلماي خليل زاد) – السفير الذي خلف (فين) – عن تردّده وقت ذهاب القوات لأفغانستان قائلاً: "لقد جئنا هنا على مضض".

    كما قال السفير (رونالد نيومان) الذي حل مكان (خليل زاد) في كابل : "المشكلة الكبرى أننا انشغلنا بملاحقة المسلحين، ولم يعد أمامنا وقت لإقامة دولة أو إعادة إعمار أفغانستان التي بقيت وحيدة".

    وعود كبيرة ... لم تتحقق

    بعد أشهر من الجدل الدائر حول الجهود الفاشلة في أفغانستان، تلقى السيد (دوبينز) اتصالاً لم يكن متوقعًا في إبريل عام 2002، من كُتّاب التصريحات في البيت الأبيض يخبرونه بأنهم يعكفون على صياغة خطاب للرئيس بوش لإعلان تعهد أمريكا بإعادة إعمار أفغانستان، فيما لم ير (وبيز) حرجًا من ذلك، وتم وضع ذلك في تصريح الرئيس.

    وفي 17 إبريل سافر الرئيس بوش إلى معهد فرجينيا العسكري حيث أكد تعهداته التي وجدها غير كافية لتسويق حملته الانتخابية الأخيرة، لكنه كان يوقن بأن الأفغان يشعرون بالخيانة من قبل إدارة أبيه حين تركتهم بعد رحيل السوفييت عام 1989، وحاول الهروب من مثل هذه الخيانة للشعب الأفغاني مرة أخرى، قائلاً: "سنبقى حتى نكمل مهمتنا".

    هذا التصريح والتعهد من قبل الرئيس بوش أذهل الأمريكيين، وعزز توقعات الشعب الأفغاني، ودعم كرزاي حتى قبل وصوله لسدة الرئاسة في يونيو 2002. في الوقت الذي كان يرى كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية، وعلى رأسهم رامسفيلد، أن أمريكا لديها القليل لتقدمه لأفغانستان التي تحولت إلى "مستنقع".

    وعقّبت الصحيفة قائلة: لكن المساعدات الأمريكية تباطأت، على الرغم من تعهدات بوش في "فرجينيا" عقب تصريحه الشهير - الذي تحدثنا عنه سلفًا - بشهور، بل لم تقدم أمريكا أي خطة مفصلة حول عملية الإعمار التي تعهدت بها، ووقعت أمريكا في ورطة لم تعرف كيفية الخروج منها. فبعيد سقوط كابل عام 2001 ناقشت السيدة "رايس" والسيد "باول" بالإضافة إلى مستشاري مجلس الأمن القومي في جلسات خاصة أن أمريكا إذا خسرت الحرب في أفغانستان الآن فسيؤدي ذلك إلى تدمير صورة أمريكا في العالم.

    وفي لقاء آخر لـ(باول) في البيت الأبيض في فبراير 2002، اقترح انضمام القوات الأمريكية لقوات حفظ السلام الموجودة في "كابل"، ومساعدة الرئيس كرزاي لبسط نفوذه خارج العاصمة، مشيرًا إلى أن ذلك هو نفس أسلوب اجتياح بنما عام 1989، حيث انتشرت القوات الأمريكية في أنحاء البلاد بعد الإطاحة بالحكومة البنمية، فيما كان من الواجب فرض السيطرة على البلاد بالقوة العسكرية.

    وأفادت الصحيفة أن كل تلك المآزق واجهت أمريكا في وقت كانت تواجه أزمة أخرى في عدد القوات التي تريدها في أفغانستان، فبدأت "بالاتصال بصديق" لكن الصديق – الدول الأوروبية – لم يكن لديه الجواب. كما أبدى بعض المراقبين تخوّفهم من التشوّش في الأهداف لدى القوات العاملة في أفغانستان، فبينما كانت القوات الأوروبية ترى مهمتها "حفظ السلام"، كانت القوات الأمريكية ترى هدفها "ملاحقة الإرهابيين"، وليس الإعمار أو السلام. الأمر الذي جعل "رايس" تدلي بتصريح حذر قالت فيه: "أشعر أننا بحاجة إلى المزيد من القوات، لكن هناك مشكلة حقيقية تواجهنا، إنها مشكلة ثنائية الأدوار". ومات اقتراح "باول" .

    من جانبه قال مدير التخطيط السياسي بالخارجية الأمريكية (ريتشارد هاس): "كان الجميع، بمن فيهم بوش ونائبه ووزير دفاعه، حتى مسؤولي الأمن القومي - متشككين في إمكانية نجاح مشروعهم الطموح"، الشعور الذي عزّزه (دوبينز) بقوله: "لقد بدا السيد (باول) وكأنه قدم استقالته". وبعد مرور (60) شهرًا على خطاب 2002 للرئيس بوش ذهبت كل الوعود أدراج الرياح.

    تهديد يتسلل.... ببطء وثبات

    وقبل رحيله من أفغانستان خاض (خليل زاد) غمار معركته الأخيرة داخل الإدارة، الأمر الذي ألقى الضوء على الانقسام داخل الحكومة الأمريكية حول دور باكستان في مد يد العون لطالبان، وهي قضية شائكة لدى الإدارة الأمريكية. وفي حوار متلفز أكد (خليل زاد) فيه أن صحفيين باكستانيين التقوا بقادة من طالبان، وأجروا معهم حديثًا صحفيًا في باكستان، واستفسر عن موقف باكستان الذي ينفي علمه بأماكن تواجد هؤلاء القادة، وتساءل: "إذا كانت محطة تليفزيونية استطاعت الوصول إليهم، فكيف لم تستطع أجهزة استخبارات باكستان، التي تمتلك القنبلة النووية، والعديد من قوات الأمن والجيش"، مما أثار الشكوك في واشنطن حول دور "مشرَّف" الذي كانت تراه يفعل كل ما باستطاعته للمساعدة.

    من جانبها أدانت الحكومة الباكستانية تصريحات (خليل زاد)، ونفت أن تكون أراضيها ملجأً لطالبان. وأفقدت هجمات طالبان أمريكا صوابها؛ إذ كانت الحركة تقوم بهجمات ضد القوات الأمريكية و(الناتو) باستخدام تكتيكات عسكرية جديدة، مثل تفجير العبوات الناسفة على جوانب الطرق أثناء مرور الدوريات، والقيام بعمليات استشهادية. واستمر الحال كذلك حتى أواخر 2005، إذ كان الطالبانيون يتحيّنون الفرص للتسلسل من الحدود بين أفغانستان وباكستان للقيام بهجمات خاطفة وموجعة ضد قوات التحالف.

    وفي سبتمبر 2005 اجتمع وزراء دفاع (الناتو) في برلين لمناقشة إمساك قواتهم بزمام الأمن في جنوب أفغانستان المشتعل، وفي فبراير 2006 تلقى (الناتو) تحذيرات من أنه سيواجه "صيفًا ساخنًا" من قبل طالبان، فيما كانت الصورة وردية في واشنطن، على عكس الواقع. وكانت التحذيرات حقيقية، ففي صيف 2006 شنت طالبان أقوى هجماتها على قوات الاحتلال منذ دخولها أفغانستان عام 2001، وقاموا بهجوم شامل على القوات البريطانية والكندية والهولندية، واحتشد المئات من الحركة في جنوب أفغانستان، وأقاموا نقاط تفتيش، ونفّذوا عمليات اغتيال ضد مسؤولي قوات الاحتلال، وتضاعفت أعداد التفجيرات والعمليات العسكرية ضد العدو. وأصبح من الواضح إحصائيًا أن الخطر أصبح واقعًا لا يمكن الهروب منه في أفغانستان كما هو الحال في العراق.

    وأعرب الجميع من قادة (الناتو)، وحتى (ورايس)، عن دهشتهم من إعادة توحيد طالبان لصفوفها، وصمودها بعد تلك الضربات المتتالية، وعودتها بأعداد غفيرة وبشكل منظم.

    انقسامات.... حتى حول الإستراتيجيات

    تولى (الناتو) رسميًا مسؤولية الأمن بأفغانستان في يوليو 2006، فبالنسبة للأمريكيين والأوروبيين كان (الناتو) هو المنتصر في الحرب الباردة، وقد يؤدي نفس النتيجة في أفغانستان، لكن كانت هناك مشكلة فالإستراتيجيات بين الحلفاء كانت مختلفة. والشكاوى بين الأوروبيين من أن أمريكا لا تنوي إعادة إعمار أفغانستان كانت في تزايد، بل واتهموا أمريكا بالسعي وراء أجندة أخرى وضعتها لنفسها في إطار "من سيربح أفغانستان؟"، بالإضافة إلى التهمة الكبرى بأنها تستهدف المدنيين خلال حملاتها المكثفة على طالبان، الأمر الذي يستعدي الشعب الأفغاني على الغرب كله. بينما كانت أمريكا ترى أن قوات (الناتو) غير مستعدة لمواجهة طالبان والقيام بتضحيات ستتطلبها تلك المواجهة، وأنهم لا يُعتمد عليهم في تحقيق مآرب أمريكا.

    وهكذا أصبحت الإجابة عن السؤال القائل: كيف تحوّل نصر 2001 إلى هزيمة ساحقة؟ بدأت تتضح؛ فلم تقدر قوات التحالف على تعقّب فلول طالبان وتدميرها في ملاجئها كما وعدت، على حد قول أعلى مسؤول بمجلس الأمن القومي (روبرت بلاك ويل)، ولم تفِ بوعودها في إعادة الإعمار، ولم تستطع حتى تجفيف منابع إمدادات طالبان في باكستان.... فأي نصر تحقق؟ لا شيء.

    كل هذا الإخفاق اعتبره (هنري كرامبتون)، منسق مكافحة الإرهاب في الخارجية الأمريكية، كفيلاً بإسقاط أي نصر تم تحقيقه في بداية الغزو عام 2001، مشددًا على أن الاحتلال ما زال "يعيش في زهو الانتصار الذي حققه في الماضي". وظهر شبه إجماع بين المسؤولين السابقين والحاليين على أن عدم تعهد أمريكا بالوفاء بوعودها في أفغانستان زاد من وقع إخفاقها هناك.

    وقال القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) الجنرال (جيمس جونز): إن العراق جعلت أمريكا تذهب بنظرها بعيدًا عن أفغانستان، وحذّر من إخفاق نتيجة لذلك في كلا البلدين إذا لم يتم الأمر بجدية في الجبهتين على السواء. مضيفًا: "إذا لم ننجح في أفغانستان فكأننا نبعث برسالة واضحة لمن أسماهم الإرهابيين بأن أمريكا والأمم المتحدة و (37) دولة أخرى لها قوات في أفغانستان من الممكن هزيمتها".

    وصلت الرسالة...

    تلك الرسالة التي تحدث عنها (جونز) "أن أمريكا، والأمم المتحدة، وقوات (37) دولة من أعتى قوات العالم يمكن هزيمتها" تلقاها الكثيرون بعد سقوط أمريكا في أفغانستان وترنُّحها في العراق، وكذلك تلقتها المقاومة، فنزعت وهم القوة الأمريكية من صدورها، وصاروا يكيلون لقوات الاحتلال الصاع صاعين، وتلقاها حزب الله، فأسر جنديين لإسرائيل ودك عمق فلسطين المحتلة، بل وحذر أمينه العام مؤخرًا من "مفاجأة كبرى" تنتظر المعتدين إذا فكروا في الحرب، قائلاً: "وإن تعودوا نعد"، وتلقتها حماس فأسرت "شاليط"، وأعادت الأمن لغزة، ووقفت أمام العالم تعلن أنها قادرة على المواجهة، ولن تستسلم، بل ولن "تعترف بإسرائيل".

    تلك الرسالة تلقتها كذلك الشعوب العربية والإسلامية فنزعت الوهن من قلوبها، وطرحت عنها ثوب الخوف والرعب الذي لازمها منذ سنوات، فصاروا يتحدثون عن النصر والتمكين، بعدما كان اليأس شعارًا لهم... أضاء الأمل لهم طريقًا فصاروا يتكلمون عن تحرير البلاد والعباد، بعدما ظنوا أن هذا قدرهم الذي لا يستطيعون تغييره.

    إنها رسالة من العدو أرسلها عن طريق الخطأ، أو بالأحرى أُرسلت بدون إرادته ورغمًا عنه، رسالة بسيطة وسهله، لكننا لم نكن نصدقها، رسالة مفادها أن (العدو يمكن هزيمته، مهما بلغت قوته).





    النفس راغبةٌ إذا رغَّبتَها***** وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقنَعُ
يعمل...
X