إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

توماس فريدمان: مدمن حرب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • توماس فريدمان: مدمن حرب

    توماس فريدمان: مدمن حرب

    نورمان سولومون


    عند قراءة "الرسالة من بغداد" التي كتبها توماس فريدمان في عموده في "نيويورك تايمز" في 5 أيلول [الجاري]، لا تدرك أبداً أنّ لديه تاريخاً من الحماسة للحرب. فهو يشكو الآن من أنّ العراق سيّئ للولايات المتّحدة، "يحبّ الجميع أن يرونا مكبّلين هنا"، عالقين في "الجنون الذي هو العراق". ويخلص إلى القول إنّ العراقيين لن يستحقّوا الأميركيين الجيّدين الذين أُرسِلوا إلى العراق "إذا استمرّوا في كره بعضهم بعضاً أكثر ممّا يحبّون أولادهم".

    يندرج العمود الذي يقع ضمن عنوان بغداد، في إطار الأسلوب الذي اعتدناه من فريدمان: فهو يتضمّن روايات من نوع "أنا هنا" وعلاجات جيوسياسية وهميّة. منذ سنوات، يشير الرجل الذي يُمتدَح على نطاق واسع بأنّه الصحافي الأكثر تأثيراً في أميركا، إلى أنّ صبره قد ينفد قريباً من حرب العراق. لكن على غرار المؤسسة الإعلامية التي يمثّلها، لا يستطيع فريدمان أن يرفض حرباً ساعد على إطلاقها ثم باركها باعتبارها تجسيداً للفضيلة.

    في آخر يوم من تشرين الثاني 2003(نوفمبر) – بعد ثمانية أشهر من الاجتياح – قال فريدمان باندفاع إنّ "هذه الحرب هي أهمّ مشروع أميركي ليبرالي ثوري لبناء الديموقراطية منذ خطة مارشال". وامتدح حرب العراق معتبراً أنّها "من أنبل الأشياء التي حاولت هذه البلاد القيام بها في الخارج".

    لكنّ الافتراضات التي تتضمّنها أعمدة فريدمان ضبابية خارج سياق نظرته العالمية. كتب فريدمان جازماً في أحد كتبه التي يشرح فيها العالم والتي حققت أفضل المبيعات "لن تعمل يد السوق الخفيّة من دون قبضة خفيّة. لا تستطيع "مكدونالد" أن تزدهر من دون دوغلاس مكدونالد، مصمّم المقاتلة الجوية الأميركية "إف-51". والقبضة الخفيّة التي تبقي العالم آمناً كي تزدهر التكنولوجيات في سيليكون فالي اسمها الجيش والقوات الجوية والبحرية والمارينز الأميركية".

    وردت تلك الكلمات في كتاب فريدمان "الليكسوس وشجرة الزيتون"، لكنّ المقطع نُشِر أوّل مرّة (مع بعض التغييرات في تراكيب الجمل) في مجلة "نيويورك تايمز" في 28 آذار 1999 نحو الختام في فقرة طويلة مقتبَسة عن الكتاب. وملأت قبضة حمراء وبيضاء وزرقاء الغلاف الكامل للمجلة تقريباً مع عبارة "ما يحتاج إليه العالم الآن" وتفسير أصغر حجماً "كي تنجح العولمة، يجب ألاّ تخشى أميركا التصرّف انطلاقاً من كونها القوّة العظمى الجبّارة".

    بدا تصميم الغلاف وكأنّه يرمز إلى "القبضة الخفيّة" التي لا تستطيع "اليد الخفية للسوق العمل من دونها". وفي حين كانت القبضة الوطنية في قصة الغلاف رمزاً للحاجة العالمية إلى القوة الأميركية المتعدّدة الوجه، أُطلِق العنان للوجه العسكري مع بدء طباعة المجلّة. وعندما وصل الغلاف المرصَّع بالنجوم إلى موائد الفطور يوم الأحد، كانت هجمات الناتو الجوية قد بدأت في يوغوسلافيا، واستمرّت حملة القصف التي قادتها الولايات المتّحدة 78 يوماً متواصلاً.

    كان فريدمان الذي كتب أعمدة وأطلّ عبر شبكات إخبارية لتقويم الحرب، أقرب إلى الابتهاج. (كان يُعتبَر ليبرالياً على نطاق واسع أياً يكن معنى الكلمة، وقد أمّن "الإعلام الليبرالي" منصّات كثيرة لفريدمان بدا غالباً أنّها تتضاعف). وكان مقدّمو البرامج في محطات "أي بي سي" و"بي بي إس" و"إن بي آر" يتنقّلون بين التقدير والتزلّف بينما يسعون لمعرفة آرائه الحكيمة حول آخر الأخبار من يوغوسلافيا.

    حتّى عندما اشتكى فريدمان من القيود السياسية على الخيارات العسكرية لحلف الناتو المؤلّف من 19 عضواً، كان متفائلاً. فقد كتب بعد سقوط القنابل لأكثر من أربعة أسابيع "في حين أنّ هناك سيّئات كثيرة للحرب عن علو 15 ألف قدم، لديها نقطة قوّة كبيرة – قابليّتها للاستدامة. يستطيع الناتو أن يكمل هذه الحرب الجوّية لوقت طويل جداً جداً. ويجب أن يتذكّر الصرب هذا الأمر".

    وشرح فريدمان "إذا كانت نقطة قوّة الناتو الوحيدة أنّه يستطيع أن يقصف إلى ما لا نهاية، ينبغي عليه أن يفيد منها إلى أقصى حدّ. فلنشنّ على الأقل حرباً جوّية حقيقية. من المثير للغضب أنّ الناس لا يزالون يحيون حفلات روك في بلغراد أو يخرجون في جولات ترفيهية يوم الأحد في حين أنّ أبناء قومهم الصرب "يُطهِّرون" كوسوفو. يجب إطفاء الأنوار في بلغراد: يجب استهداف كل شبكة كهربائية وأنبوب مياه وجسر وطريق ومصنع مائي".

    وأضاف "شئنا أم أبينا، نحن في حالة حرب مع الأمّة الصربية (هذا بالتأكيد ما يظنّه الصرب)، ويجب أن تكون الرهانات واضحة جداً: مقابل كل أسبوع تعيثون فيه دماراً في كوسوفو، سوف نعيد بلدكم عشر سنوات إلى الوراء عبر قصفكم من الجوّ. تريدون 1950؟ يمكننا أن نعيدكم إلى 1950. تريدون 1938؟ يمكننا أن نعيدكم إلى 1938 أيضاً...".

    الوسائل المستخدمة في هذا النقد روتينية جداً إلى درجة أنّه نادراً ما تخلّف وقعاً. فعلى سبيل المثال العبارة المبتهجة "فلنشنّ على الأقل حرباً جوّية حقيقية"، موجّهة إلى القرّاء الأميركيين الذين يعتبرون، مع استثناءات نادرة، أنّ "الحرب الجوية الحقيقية" هي مجرّد استعراض عالمي مع كل العواقب التي تترتّب على الآخرين في الأماكن البعيدة جداً.

    أمّا بالنسبة إلى حفلات الروك والجولات الترفيهية، فيمكننا أن نتذكّر – إذا تجرّأت الذاكرة على المغامرة في مناطق غير مسموحة – أنّ هذه الوسائل الترفيهية كانت رائجة جداً في الولايات المتحدة خلال حرب فيتنام، وكذلك خلال الحروب الأميركية اللاحقة بما في ذلك الحرب التي يهلّل لها فريدمان.

    إذا كانت فكرة أن يستمرّ المواطنون في عيش حياتهم اليومية العادية بينما ترتكب حكومتهم جرائم قاتلة "مثيرة للغضب" بما يكفي لتبرير شنّ "حرب جوية لا ترحم" – كما دعا فريدمان لاحقاً في العمود نفسه – فهل كان ليُبرَّر لأحد قصف الولايات المتحدة خلال قتلها لأعداد لا تحصى من الأبرياء في جنوب شرق آسيا؟ أم خلال دعمها الناشط للديكتاتوريين وفرق الموت في أميركا اللاتينية؟ وفي هذا الإطار، لا بدّ من أن فريدمان يدرك أنه طوال أسابيع، كانت القوة النارية الأميركية تشوّه المدنيين الصرب وتقتلهم، ومن بينهم أولاد، بأسلحة تشمل القنابل العنقودية. والآن لا يزال المدنيون العراقيون يموتون بسبب المجهود الحربي الأميركي وأشكال أخرى من العنف يحفّزها الاحتلال. وفي هذه الأثناء لم تتوقّف الحفلات الموسيقية أو الجولات الترفيهية في الولايات المتّحدة.

    عندما طالب فريدمان مدفوعاً بالصوابية الأخلاقية، ب"إطفاء الأنوار في بلغراد"، كان يحضّ على ارتكاب جريمة حرب. وكانت شبكات الطاقة وأنابيب المياه المدينية التي تاق إلى رؤيتها مدمّرة، أساسية للأولاد وكبار السن والضعفاء والعاجزين داخل أماكن مثل المستشفيات ودور الحضانة. كان استهداف هذه الشبكات والأنابيب ليبدو بربرياً بالنسبة إلى الأميركيين لو كانوا هم المستهدفين. وعلى الأرجح أنّ أيّ التباس حول الموضوع يُبدَّد بالتعهّد بقصف البلاد لإعادتها خمسين عاماً إلى الوراء أو ستّة قرون عند الضرورة. غير أنّ حماسة فريدمان كانت مماثلة لحماسة العديد من المعلّقين الأميركيين البارزين الآخرين الذين هلّلوا أيضاً لقصف يوغوسلافيا مع مشاعر أقرب إلى الابتهاج الشديد.

    بدأت الفقرة الأخيرة في عمود توماس فريدمان في "نيويورك تايمز" في 23 نيسان 1999 بجملة قويّة "أعطوا الحرب فرصة". كانت هذه نكتة بدا أنّها تفرح فريدمان. وقد كرّرها في الصحافة المكتوبة وعبر شاشات التلفزة مع استمرار قصف يوغوسلافيا. نستشفّ فيها نبرة سادية.



    (ناقد أميركي متخصّص في وسائل الإعلام الأميركية تنشر "قضايا النهار" مقالاته بالاتفاق معه (ترجمة نسرين ناضر).)
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X