إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الكويت بين المكسور والمقهور

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الكويت بين المكسور والمقهور

    الكويت بين المكسور والمقهور

    السفير عبدالله بشارة

    النهار


    طالعتنا صحف اليوم بخبر اتصال المحيلبي – وزير الاعلام الكويتي – بالسيد الفقي وزير الاعلام المصري للتباحث في تجاوز الخلافات التي عكستها بعض المقالات المصرية، وقد تم ذلك – اي تجاوز الخلافات – بروح التفاهم والمحبة التي تربط البلدين، مع السماح لجميع المطبوعات المصرية بدخول الكويت بدون معارضة.

    هكذا جاء موجز الخبر الذي نشرته صحافة الكويت عن حملة بعض الاقلام المصرية ضد الكويت.

    في الاسبوع الماضي كنت في مسقط وسألني صديق عماني عن الاسباب التي حملت بعض الاقلام المصرية على تجاوز الذوق الصحافي في مقالاتها، وقد اخبرته بشعوري بأن الامر لا يستحق هذا اللغو والثرثرة، فمهما كان التباعد في الاجتهادات، يبقى ادب الحوار ونظافة النقد ونزاهة الكلمة كلها عناصر لا بد من توافرها في العلاقات بين الدول، وشخصيا امتعض من مفردات بعض المقالات الكويتية، ولا اهتم بما تكتبه بعض الاقلام المصرية، فيكفي اجراء مسح على من يكتبها، لنتعرف الى الخلفية والدوافع، كلها اقلام مقهورة ومكسورة، فلا تستحق كل هذا الانفعال من جانب اعلام الكويت.

    علينا ان نستذكر تاريخ الكويت المملوء بالضيق والتطاول والآلام والازعاجات من دول الجوار ومن غيرها، لكن الكويت تفوقت عليها كلها، لانها تملك المرونة اللازمة، ولانها جمعت خبرة واسعة في تحمل الاذى.

    ولنستعرض بعض اشرطة الاهوال التي تلاشت لان صبر الكويت وفنون تعاملها مع التطاولات وفرت لها الوقاية التي جعلتها تنتصر على البغي الذي لم يتركها ابدا تتمتع بالهدوء الذي تعيشه الدول والشعوب الاخرى.

    اولا – لم تترك الامبراطورية العثمانية ومؤازروها من بن رشيد ويوسف الابراهيم وغيرهما الشيخ مبارك الصباح ينعم بالهدوء ويتذوق الطمأنينة، فمنذ توليه الحكم في 1896 وحتى وفاته عام 1915، ظل في كر وفر، وفي مناورات لا تنتهي مع الدولة العثمانية، احيانا يتحدث معها واحيانا يصطدم بها ولكنه في كل الاحيان هدفا لاعتداءاتها ومؤامراتها، تسعى لاسقاطه ليكون البديل جزء منها ومن حلفائها ضد بريطانيا وضد ابن سعود، ورغم الاتفاقية الامنية التي وقعها الشيخ مبارك مع بريطانيا لم يقطع علاقاته مع ممثلي السلطة العثمانية في العراق، فلم يكن متأكدا من جدية تصميم بريطانيا على الدفاع عنه، ولذلك ظل في شك في علاقاته مع بريطانيا وفي خصومة مع العثمانيين، وعاش حذرا، وعندما توفى لم يكن على يقين من حزم بريطانيا على الدفاع عن سيادة الكويت وعن اراضيها.

    ثانيا – كان عهد الشيخ سالم بن مبارك منذ تولي السلطة في 1917 حتى وفاته عام 1921، من المعاناة والمواجهات والمعارك، فاذا كانت الامبراطورية العثمانية خصما للشيخ مبارك، فقد جاء الاخوان وتطرفهم وعدوانهم على الكويت خصما للشيخ سالم الذي لم يهدأ طوال حكمه ولم ينعم بالاطمئان، وعاش فترة حكمه القصير في حروب كادت ان تعصف بالامارة لولا الحماية البريطانية.
    وتجاوزت الكويت مآسي الاخوان محصنة بالخبرة التي توافرت لها في هضم الاذى وتفوقت عليهم، واكبر مظاهر الاذى معركة "الجهرة" بما فيها من خسائر وتضحيات وبناء سور الكويت في ايار – مايو 1920 بما فيه من معاناة وقهر.

    ثالثا – استمرت تهديدات الاخوان وازعاجاتهم في عهد الشيخ احمد الذي عانى كثيراً من ضغوط بريطانيا ومن غارات الاخوان ومن الحصار التجاري المفروض على الكويت، ومع ذلك تعامل الشيخ احمد بمهارة وتجربة ثرية في تطويق المآسي وتجاوزها، هزم الاخوان في الرقعي في 1928، ووقف مع ابن سعود ضد ثورة الاخوان من 1927 – 1930، وساهم في تحقيق استسلام زعيم المطران فيصل بن دويش، وعندما انحسرت التهديدات من الجنوب في بداية الثلاثينات، وجد الشيخ احمد نفسه امام تهديد آخر ربما اشد من غارات الاخوان تمثل في موقف الحكومة العراقية واعلامها ومؤامراتها.
    ظل الشيخ احمد طوال الثلاثينات والاربعينات وربما حتى وفاته، يطارد التهديدات العراقية، التي اشتدت مع احداث 1938، الى حد ان الملك عبد العزيز استدعى السفير البريطاني في جدة وانذره بوقف تحرشات الملك غازي ضد الكويت، والا سيدفع بالقبائل نحو حدود العراق، وقد سجل التاريخ استفزازات الملك غازي، ومن بعده تورطات رجال السياسة العراقيين ضد الكويت.
    وبعد وفاة الشيخ احمد، لم تتبدل الاحوال والمواقف، وان تبدل الاسلوب، الى ان قامت ثورة 1985، وانفجرت حقيقة الاطماع العراقية ضد الكويت، وكلنا نعرف الشريط اللاحق من تصرفات حكام العراق حتى صدام حسين.
    نعرض هذا الاسترسال في تاريخ الكويت لابراز حجم المعاناة الكويتية من التدخلات ومن الظلم الخارج على قواعد الاصول والتحضر.

    ويمكن من الحالة الطارئة التي جاءت من مقالات لا اهمية لها من بعض الاقلام المصرية ان نتبصر في واقع الوضع الكويتي الداخلي، فمهما كانت صلابة الجبهة الداخلية الكويتية وتماسكها ووحدتها تبقى معرضة للاهتزاز اذا ما تجاوزت اعداد الجاليات داخل الكويت العدد المعقول والمقبول والذي يمكن السيطرة عليه دون صداع خارجي.
    واعتقد من اهم ما يجب الاطلاع عليه ومعالجته وبقرار استراتيجي هو تقليل الاعداد الوافدة من الجاليات الى حد الضرورات وعدم ترك الوضع يتجاوب مع حالة الاسترخاء الاجتماعية التي يتميز بها مجتمع الكويت.

    لا بد من الالتزام بالمعادلة بين الاعداد وبين قدرة الاجهزة على التعامل معها، ولا بد ايضا من حماية القرار الكويتي السياسي بحيث لا يضعف امام اعداد الجاليات ولا يتأثر بتدخلات خارجة تسعى لتحييده، فالكويت غير قادرة على حل مشاكل الآخرين السياسية والاجتماعية، وهي تملك الخبرة في علاج الالم لكنها لا تملك الخبرة في الدخول في مصارعة اعلامية وسياسية فطول حياتها تهضم وتعالج امورها بما يسمى الديبلوماسية الناعمة، ليس لها اظافر ليبيا التي اتخذت اجراءات سريعة وربما متعجلة ضد الجالية المصرية فيها، وليس لديها الحزم المخابراتي المتوراث كما نعرفه في الاردن، ولا توظف مليشيات لتخويف الجاليات فيها، فهي دولة مسالمة وهي مبرة خيرية اكثر منها دولة مواجهة.

    هذا الواقع يفرض عليها التنقيب عن اجراءات تتم بالتنسيق مع دول مجلس التعاون وفي اطار الملس، لتخفيف العمالة الوافدة ليس فقط ببرنامج الاحلال وانما باجراءات أصلب من الوضع الحالي، وبمواقف اغلظ من الوضع الناعم الذي يتسيد الواقع الآن.

    نحن نريد موقفا رسمياً استراتيجيا تنفذه الاجهزة بدعم من المؤسسة الرسمية لتبديل الخريطة الداخلية للجاليات، من اجل خفض الاعداد بحيث يسهل السيطرة عليها ليس فقط امنيا وانما سياسيا واجتماعيا.

    ما نراه الآن مجرد اجتهادات وليدة حماسة وليست استراتيجية متكاملة مدروسة تتحمل جميع الاجهزة مسؤولية تنفيذها.

    فواقع اليوم الاقليمي والدولي غير ما كان عليه في الماضي، فالاتصالات والمواصلات وتعاظم دور الهيئات والمنظمات العالمية وجمعيات حقوق الانسان وحقوق العمالة والمساءلات السياسية والقانونية، كلها عوامل ضغط، ومن افضل اساليب التعامل معها الالتزام بالقانون وتطبيقه دون تعسف، ولعل هذا الواقع يدفع نحو علاج الوضع قبل ان يتسع الخرق ويصعب عندها توفير العلاج.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X