قضية فلسطين بين الاعتذار والاندثار


أحمد سعيد نوفل

الحياة - 14/09/07//


ظهرت مصطلحات ومفاهيم جديدة في الخطاب السياسي الفلسطيني لم تكن موجودة من قبل، ويبدو أنها جاءت لكي تساير مرحلة التردي الحالية التي تمر بها القضية الفلسطينية. وبدلاً من استعمال المصطلحات التي كانت تستعمل من قبل، كتحرير فلسطين وحق العودة وفلسطين التاريخية، وبحث قضايا اللاجئين والقدس والمستوطنات وتحرير الأسرى الفلسطينيين والكفاح المسلح والانتفاضة الفلسطينية، وحق تقرير المصير وتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية والمشاركة الشعبية في العمل الوطني، باتت القيادات الفلسطينية تستعمل مصطلحات حديثة، كالانقلابيين وضرورة اعتذارهم، وجماعة دايتون وجماعة إيران و «فتح الإسلام»، و «دولة» الضفة الغربية و «دولة» قطاع غزة، وحكومة الطوارئ والحكومة المقالة. ولا شك أن تلك المصطلحات الجديدة تعبر عن طبيعة المرحلة الحرجة التي وصلت إليها القضية الفلسطينية، لأن لها دلالات سلبية تؤكد تراجع العمل الوطني الفلسطيني وتراجع المفردات التي استعملت في ظروف النضال الفلسطيني. ويؤكد هذا التراجع ما قاله مفتي فلسطين الشيخ عكرمة صبري أخيراً من أن قضية القدس والمسجد الأقصى لم تعد تحتل مكاناً على أجندة القادة والساسة الفلسطينيين.

وما يدعم هذا التوجه تحول الصراع العربي - الصهيوني إلى عربي - إسرائيلي ومن ثم فلسطيني - إسرائيلي، ووصل هذه الأيام إلى صراع دموي فلسطيني - فلسطيني، وصراع بين حركتي «فتح» و «حماس». لقد فقد النضال الفلسطيني بوصلة التوجه السليم للعمل الوطني وقاده بعيدا عن التناقض الرئيسي وهو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وبتنا نشاهد تحريض القيادات الفلسطينية ضد بعضها بعضاً ومحاولات تشويه صورة كل منهم أمام الرأي العام الفلسطيني والعربي، أضعاف ما يقومون به من تحريض ونقد ضد الممارسات الإسرائيلية. وأصبحنا نترحم على أيام الحركة الوطنية الفلسطينية قبل عام 1948، التي انشغلت في صراعاتها الداخلية بين الأحزاب والقوى الفلسطينية والعائلية، بينما التنظيمات الصهيونية وحدت جهودها لإكمال مشروعها الاستيطاني الاستعماري في فلسطين. وما أشبه الوضع الفلسطيني حالياً بتلك المرحلة التي يبدو أننا لم نستوعب دروسها.

ومن جهة أخرى، فمنذ سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة، وعلى الرغم مما لحق بقيادات حركة «فتح» من إحراج، إلا أنه يبدو أن النتائج التي وصل إليها الوضع في غزة، لم تكن كلها سلبية للسلطة الفلسطينية، بل على العكس فهناك دلالات إيجابية لبعض المتنفذين في السلطة الفلسطينية، فقد ظهر ارتياحها في التخلص من حمل ثقيل كانت تشكله مشاغبات «حماس» عليها، وأصبحت تشعر الآن بحرية الحركة في اتصالاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل من دون قيود ونقد كانت تواجهه من قبل قيادات «حماس». ولم تعد حكومة الوحدة الوطنية ولا اتفاق مكة يفرضان على قيادات حركة «فتح» عدم الخروج عن الإطار العام للاتفاق. وتستطيع السلطة الفلسطينية أن تتحرك في جميع الاتجاهات من دون رقيب وحسيب من الآخرين، والإدعاء بأنها تمثل الفلسطينيين لوحدها، بسبب مقاطعة الآخرين لحركة «حماس» ورفضهم الاعتراف بها، علماً أن الصراع بين أكبر تنظيمين فلسطينيين يستنزف القوى الفلسطينية، وتبقى إسرائيل هي المستفيدة الرئيسية من هذا الوضع.

وفيما يتعلق بطلب السلطة الفلسطينية بضرورة اعتذار حركة «حماس» من الشعب الفلسطيني بحجة ما سببته من نتائج سلبية على القضية الفلسطينية، فإن عدم احترام إرادة الفلسطينيين في اختيارهم في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، لا يقل سوءاً عما قامت به «حماس»، وما لحق بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني من سلبيات ومآس من جراء ممارسات بعض رموز السلطة الفلسطينية في السنوات الماضية. ومنذ التوقيع على اتفاقية أوسلو، كانت النتائج مدمرة على الفلسطينيين وقضيتهم، أضعاف ما لحق بهم بسبب استيلاء «حماس» على القطاع . فقد تجزأت الضفة الغربية، وبني الجدار العنصري داخل الأراضي الفلسطينية مما أدى إلى مصادرة 40 في المئة من الضفة الغربية. وارتفع عدد المستوطنات الإسرائيلية وعدد المستوطنين، وتم تهويد المدينة المقدسة وإحاطتها بالمستوطنات وعزلها عن بقية مناطق الضفة، وتضاعف عدد المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. وتراجع التأييد العربي والدولي لنضال الشعب الفلسطيني. ولهذا فإذا كان على «حماس» أن تعتذر للشعب الفلسطيني عما قامت به في غزة، فإن على السلطة الفلسطينية أن تعتذر هي الأخرى للشعب الفلسطيني، بعد أن أوصلت الوضع في الساحة الفلسطينية لما وصل إليه حالياً. وكذلك أن تطلب الاعتذار من الاحتلال الإسرائيلي نفسه الذي يمارس شتى أنواع الاضطهاد والانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني. ولم نسمع أحداً من المسؤولين الفلسطينيين يطالب الإسرائيليين بالاعتذار عما لحق بالفلسطينيين منذ مائة عام بسبب احتلالهم لوطنهم وطردهم منه. والغريب أن الاعتذار يطلب كشرط أساسي للبدء بالحوار مع «حماس»، بينما مطلب إجراء مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي يتم من دون شروط.

وفي الوقت الذي تبدي فيه السلطة الفلسطينية في رام الله، المرونة حيال المطالب الأميركية والإسرائيلية وتوافق على وقف المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، فإنها تتشدد ضد محاولات إجراء حوار مع حركة «حماس»، رغم انه كان من المفترض أن يقفا في خندق واحد ضد الاحتلال الإسرائيلي. ولا شك أن تراجع حكومة الطوارئ الفلسطينية عن المقاومة المسلحة، يأتي في إطار رضوخ السلطة الفلسطينية لتلك الضغوط. ويعترف أحد المسؤولين الفلسطينيين بأن «مطالبة البعض بطرح المقاومة في برنامج حكومة فياض نوع من المزايدة» والسبب موجود بنظره وهو «ان حكومة فياض مرضي عنها أميركياً وإسرائيلياً لأنها ملتزمة شروط الرباعية... هذه الحكومة ليست مؤهلة لقيادة مقاومة مسلحة». ونسي هذا المسؤول، في تحديد الأوراق التي يملكها المفاوض الفلسطيني، عند جلوسه على طاولة المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، إذا لم يملك ورقة المقاومة. علما أن هذا المسؤول لا يمثل في الساحة الفلسطينية سوى نفسه، بينما قيادات «حماس» التي يرفض الحوار معها، فازت في انتخابات المجلس التشريعي، وتتمتع بشعبية واسعة في الشارع الفلسطيني. وليس بالضرورة أن يكون الفلسطيني عضوا في «حماس» كي ينتقد ممارسات بعض قيادات السلطة الفلسطينية، وهناك تيار وطني واسع في حركة «فتح» وتنظيمات فلسطينية أخرى ومستقلون، انتقدوا تلك الممارسات، التي تشكل تهديداً للمشروع الوطني الفلسطيني.

ويبدو أن رفض السلطة الفلسطينية فتح باب الحوار مع «حماس»، يعود للضغوط التي تفرضها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها لمنع هذا الحوار. وقال مسؤول إسرائيلي عشية اجتماع محمود عباس مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت «سندرس طلبات أبو مازن، فقط في المدة الأخيرة انتهينا من تقديم رزمة كبيرة تشمل مبالغ هائلة من المال، وتحرير أسرى، ومساعدات أمنية وموافقة على الحصول على دعم أمني من الخارج. كانت رزمة جيدة وأتت بالثمار، وبدأت تعزز قوة أبو مازن. وفي المقابل لم يخيب أبو مازن الآمال وأنجز المطلوب، ولم يعد إلى أحضان حماس، رغم الضغوط، هو يدرك أن العودة إلى أحضان حماس تعني تفجير المفاوضات السياسية». كما صرحت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني «بأن تجديد الشراكة بين حركتي فتح وحماس معناه الجمود وتدهور الأوضاع».

ومن جهة ثانية ، فإن إسرائيل تحاول مع الولايات المتحدة إلصاق تهمة الإرهاب بحركة «حماس»، وربطها بـ «القاعدة» لتسهيل ضربها ومنع حركة «فتح» من الحوار معها. فقد ربط الرئيس الأميركي جورج بوش ما حدث في قطاع غزة بما يحدث في مناطق أخرى، كلبنان والعراق وأفغانستان، وقال «إن النزاع في غزة والضفة الغربية هو نزاع بين المتطرفين والمعتدلين، وإن التنازل عن الكفاح للمتطرفين ستكون له نتائج قاتلة على المنطقة والعالم». وكان أولمرت أكثر وضوحا في مهاجمته «حماس» وربطها بالإرهاب وقال «إن حماس قوة مدمرة ومتطرفة، إنها منظمة عسكرية أصولية هدفها مواصلة القتال العنيف مع إسرائيل».

وهناك تخوف من انتقال ما حدث في قطاع غزة إلى الضفة الغربية، ولن تكون إسرائيل بعيدة عن التحضير لهذا الانفجار. وقال العميد يوسي بايدتس، رئيس وحدة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إن الضفة الغربية تحولت إلى منطقة «جس نبض» بين فتح وحماس. واعتبر أن الصراع بين «فتح» و «حماس» لا يزال مستمرا على الصعيد الفلسطيني، ويمكن أن ينزلق بشكل عنيف من قطاع غزة إلى الضفة، موضحا ان القطيعة بين الطرفين قائمة على رغم محاولات «حماس» فتح أبواب الحوار بينهما. وقال إن «أجهزة فتح تلحظ التحدي، وتحاول العمل لتقليص قوة حماس». لا بد من التحذير المستمر من خطورة استمرار الانقسامات والخلافات في الساحة الفلسطينية على مجمل القضية الفلسطينية، والتي ستكون تداعياتها خطيرة تنذر بعواقب وخيمة أشد خطورة من الضغوط المفروضة على من يرفض الحوار، لأنها ستؤدي ليس إلى حل القضية الفلسطينية بل إلى تصفيتها.


أستاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك الأردنية