إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الدروس العربية من تجربة التوحيد الأوروبية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الدروس العربية من تجربة التوحيد الأوروبية

    الدروس العربية من تجربة التوحيد الأوروبية

    عبد الاله بلقزيز

    المستقبل

    نفترض أن تجديداً للفكرة القومية وتجديداً لمشروع التوحيد العربي ممكن متى استخلصنا النتائج والدروس الضرورية من تجارب الاخفاق التي منيت بها في الماضي.
    ومن دون الحاجة الى استيعاب هذه الدروس نظرياً، أو الاكتفاء بذلك، سنجد في تجربة "الاتحاد الأوروبي" الكثير مما يقيم الدليل العادي على تلك الدروس النظرية. ذلك ان المنطق الذي حكم تجربة التوحيد الأوروبي مختلف شديد الاختلاف عن المنطق الذي قام عليه مشروع التوحيد في الوطن العربي، وكان ذلك سبباً في اختلاف النتائج. وان شئنا اختصار مواطن الاختلاف بين المشروعين، نقول ان ما كان حاضراً في نسيج المشروع الأوروبي يصنع حقائقه ويولّد الديناميات التوحيدية في المجال الأوروبي كان (هو) الغائب الأكبر في مشروع التوحيد العربي!.

    ولكن لا بدّ ـ هنا ـ من استدراكين ضروريّين لكي تستقيم المقارنة وتجُوز. الأول ان المشروع العربي وجد نفسه، منذ البدايات، أمام "نازلة" الاحتلال الأجنبي والتهديد الدائم للأمن القومي: أمام اغتصاب فلسطين واستمرار الاحتلال الاستعماري لمعظم البلاد العربية، وأمام التهديد الصهيوني المستمر للدول العربية والأمن العربي. فكان لذلك ما يبرّر التركيز على مسائل السياسة والأمن. والثاني ان النظام العربي اعتنى كثيراً، ومنذ سنوات الخمسينات، بالجانب الاقتصادي فأقرّ سيلاً من الاتفاقات وأقام كثيراً من مؤسسات التعاون. لكن ذلك لم يشهد تفعيلاً مادياً ينقله الى حيّز التحقق، وانما ظل نصوصاً مجرّدة مصروفة لممارسة فعل التكاذب الجماعي أو لرفع عتب الشعوب. وفي الحالين، خسرت فكرة التوحيد قاعدتها الأساس التي لا تكون ممكنة من دونها.

    ان أفضل اسلتهام لتجربة التوحيد الأوروبي هو أن تقفو العلاقات العربية البينية نموذجه، فتعيد تأسيس نفسها على التعاون الاقتصادي والتنمية المشتركة والاعتماد المتبادل، لأن هذا وحده ينتج المصالح المشتركة ويولّد ديناميات ترابط واندماج بين الاقتصادات وداخل النسيج الاجتماعي، ووحده يؤسس لقيام توافق في القرار السياسي والاستراتيجي. لا سبيل الى توحيد سياسي من دون بنيته التحتية. وبنيته التحتية هي الاندماج الاقتصادي. هذا ما تقيم عليه دليلاً تجارب التوحيد في التاريخ ومنها تجربة التوحيد في أوروبا المعاصرة، وليس لأي مشروع للتوحيد القومي العربيّ أن يكتب له النجاح ان أخطأ بدايته واعترض عن هذا المدخل الاقتصادي.

    هذا درس أول تقيمه تجربة التوحيد الزوروبي ويعزّز قناعات نظرية تكونت لدى كثير منا في سياق نقد تجربة الوحدة في الوطن العربي. الدرس الأوروبي الثاني كان في نمط عملية التوحيد. لم تأخذ عملية التوحيد شكلاً مركزياً ادماجياً للكيانات الأوروبية في كيان واحد جامع، وانما حافظت على استقلال دول أوروبا واعترفت لكل واحدة منها بسيادتها، ولكن بالتوازي مع انتاج مساحة سيادة مشتركة هي كناية عن تنازل تدريجي عن بعض السيادة الخاصة بكل دولة من أجل قيام أوروبا الموحدة. وليست السيادة المشتركة تلك سوى توحيد النظم والتشريعات الاقتصادية والمالية والتجارية والأمنية وتكوين مؤسسة للسياسة الخارجية المشتركة متزايدة الاختصاصات والقوة الالزامية. ويتوج ذلك كله مبدأ التداول على ادارة مؤسسات الاتحاد على نحو متوازن، والتطلع الى استكمال عملية التوحيد بإقرار دستور أوروبي موحد.

    على مثال هذا النموذج والمسار يمكن لمشروع جديد للتوحيد العربي ان يأخذ مجراه. ينبغي ان تكون نقطة انطلاقه هي الاعتراف بالكيانات العربية القائمة بوصفها أمراً واقعاً ـ دستورياً وشعبياً.. والانطلاق من ذلك الى تركيب علاقات توحيد بينها على الصعد الاقتصادية والمالية والتجارية والأمنية والسياسية، في أفق انتاج سيادة اتحادية وسياسة خارجية اتحادية ودستور عربي موحد. وقد يرد على الفكرة بالقول ان وحدة أوروبا، على النحو الذي ذكرنا، تناسب دولها لأنها دول قومية ولأن أوروبا مؤلفة من أمم عديدة ومختلفة، بينما الحال مختلفة عندنا: اذ دول العرب قطرية، وهي دول متعددة في أمة واحدة، وان المناسب في حالتنا هو قيام دولة قومية موحدة لأمة واحدة. ولسنا نختلف في وعي الفارق بين حالتي أوروبا والوطن العربي، ولا في التطلع الى تحقيق وحدة قومية في كيان واحد، لكننا نعتقد بأن الطريق الى هذا الهدف طويل ومتعرّج وسيأخذ أجيالاً قبل أن يتحقق. وهو يحتوي محطات منها محطة الاتحاد على النمط الأوروبي لواقعيته وامكانيته. أما الدولة القومية، فلم تعد ـ منذ سنوات ـ نعتقد في صواب النظر اليها على مثال مركزي (بروسي أو بسماركي)، بل بتنا مقتنعين أكثر بنموذج الدولة الاتحادية.

    على أنه لا معنى للأخذ بالدرسين السابقين، الا متى أخذنا بالدرس الأوروبي الثالث: الوحدة تمتكن (= تصبح ممكنة) اذا هي قامت على الديموقراطية وتمتتنع بغياب الديموقراطية. فالتوحيد الأوروبي ما نجح الا لآنه قام بين أنظمة ديمقراطية وبآليات ديمقراطية، أي بإرادة شعوب أوروبا وبقرار منها معبّر عنه من خلال المؤسسات والاستشارات الشعبية الشفافة (الاستفتاءات)، وعلى نحو لا تملك فيه نخبة حاكمة ان تتراجع ـ لسبب من الأسباب ـ عن الوحدة. وكم كان دالاً ان شرط العضوية الأساس في الاتحاد، وقبله في السوق الأوروبية المشتركة، كان توافر الدولة المنضمّة أو الرغبة في الانضمام على مؤسسات ديموقراطية منتخبة وعلى احترامها المعايير الدولية للحريات العامة وحقوق الانسان. فُرضت هذه الشروط سابقاً على اسبانيا واليونان والبرتغال، وعلى بلدان أوروبا قبل فترة قليلة، وهي ـ اليوم ـ عينها الشروط التي تفرض على تركيا الراغبة في العضوية.

    ونحن، كالأوروبيين، لن ننجح في بناء وحدتنا إلا من خلال نظم ديمقراطية وآليات ديموقراطية المستبدون لا يصنعون وحدة حتى لا يذوب سلطانهم السياسي فيها. وان صنعوها، فلا أحد يضعف ان يتراجعوا عنها لأي سبب ولتذهب ـ جبنها ـ رغبة الشعب في الوحدة الى الجحيم! الوحدة تقوم برضا الشعب ومن خلال قراره الحرّ المستقل المعبّر عنه في الاقتراع النزيه.

    والوحدة التي يختارها الناس ديمقراطياً لا يملك الحاكم ان يمزقها ان شاء، لأنها من أملاك الشعب والرأي العام وليست خاضعة لمزاج الحكام. واذا هذه هي القاعدة فلا بد ان تبدأ علاقات اتحاد عربية بين دول يقوم فيها حد أدنى من الحياة السياسية الديموقراطية (الحريات العامة، حرية الرأي والصحافة، برلمانات منتخبة انتخاباً نزيهاً، قضاء مستقل، تعددية حزبية، مشاركة المرأة في الحياة السياسية...). قد لا نعثر فيها على المعايير الدولية الصافية لهذه القيم الديموقراطية، لكن العلاقة بينها ستكون أفضل بكثير مما لو كانت بينها دول لا تعترف بالأحزاب وحرية الرأي، وتمنع المرأة من المشاركة السياسية، وتنتهك حقوق الانسان.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X