إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مؤتمر بوش للسلام واحتمالاته

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مؤتمر بوش للسلام واحتمالاته

    مؤتمر بوش للسلام واحتمالاته

    المستقبل -

    ناصيف حتي

    يقترب موعد الاجتماع الدولي في واشنطن وتزداد الالتباسات المقصودة والتصريحات الإيحائية والمفتوحة على تفسيرات متناقضة أو متضاربة أحياناً لطمأنة كافة المدعوين الأساسيين وجذبهم لهذا المؤتمر الذي يبقى لحينه دون جدول أعمال محدد ودون ميكانيزم واضح.
    يتصور البعض أو يتمنى تحديداً أن يكون الاجتماع بمثابة "مدريد" مخفض أو مصغّر والموقف هذا يمثل الإجماع الديبلوماسي العربي الرسمي لكنه يبقى في باب التمنيات والمناشدات، علماً أن المناشدة والتمني لا "تصرف" في العمل الديبلوماسي بقدرة تأثير في تحديد سياق أي عملية ديبلوماسية. وتبدو مفارقة مهمة في هذا الإطار وهي أن "الموقف العربي" الرسمي والمعلن يذهب في رؤيته، وهو على حق في هذا الأمر بسبب تجارب ودروس الماضي، يذهب أبعد من "مدريد" من خلال التأكيد على ضرورة إحداث مقاربة شاملة تتناول كافة قضايا الوضع النهائي وكافة المسارات التفاوضية دون أن تمضي هذه المسارات بشكل متوازٍ بالضرورة وبجدول زمني محدد وبضمانات للتنفيذ من الطرف الثالث: الولايات المتحدة تحديداً والرباعية إجمالاً، باعتبار أن دروس الماضي دلت على هشاشة محاولة تجزأة عملية السلام أو الاستمرار في منطق الحلول الموقتة وبناء الجسور إلى منتصف النهر، لكن رفع السقف ليتخطى مدريد وهو صحيح على المستوى النظري يأتي في وقت لا تسمح الأوضاع ببلورة ما هو دون مدريد بأشواط وذلك لعدة أسباب:

    أولاً ـ كما نذكر دائماً، هذا لقاء أو اجتماع وليس مؤتمراً وبالتالي لا يمكن حتى التمنّي بصدور قرارات أو توجهات وسياقات ملزمة. إنه يندرج ضمن منطق ما يعرف بمرحلة ما قبل التفاوض وبأشواط.

    ثانياً ـ إن الوضع الإقليمي الدولي في ظل الحرب الباردة المشتعلة في المنطقة وحول المنطقة تدفع لمحاولة توظيف ديبلوماسية الصراع العربي الإسرائيلي في صراعات المنطقة وليس باتجاه تسوية هذا الصراع أولاً للأهمية الذاتية لذلك، وثانياً كمدخل لإحداث تغيير في البيئة السياسية الأمنية في المنطقة ولكن على أسس مختلفة من الأسس التي تدفع باتجاه الصراع.

    ثالثاً ـ لا توجد رؤية أميركية تطبيقية وعملية يعبّر عنها بالتزام جاهز لتسوية هذا الملف كما يعبّر عنها بوجود هذا الملف في طليعة اهتمامات الإدارة الأميركية في سنتها الأخيرة فالاثنان غائبان.

    رابعاً ـ غياب مرحلة التحضير الفعلي والجاد والكثيف للقاء من هذا النوع ولا أدل من ذلك إلا المقارنة بمرحلة التحضيرات في تنوعها وكثافتها ومستواها التي سبقت انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991.

    خامساً ـ غياب أي إشارة إلى المرجعيات الدولية القانونية من قرارات مجلس الأمن وغيرها وكذلك من المرجعيات الدولية السياسية مثل أفكار كلينتون ورزمة طابا ومبادرة السلام العربية وغيرها. فهنالك فراغ مرجعي وربما ما قد يحصل في اللحظة الأخيرة قد يكون نوع من الإشارات غير الملزمة نحو بعض هذه المرجعيات.

    على صعيد الأطراف المعنية مباشرة، تبدو القيادة الفلسطينية في وضعها الراهن وبخاصة بعد 14 حزيران/ يونيو الماضي وفك الارتباط الذي حصل عملياً بين الضفة والقطاع، تبدو غير قادرة على التهديد الجدي بالمقاطعة كونها لا تملك بديلاً آخر في الوضع الراهن وبالنظر إلى التوازنات القائمة وبعيداً عن الشعارات التي تطبع السياسة في المنطقة وكون الفلسطينيين بحاجة لأي ثقب في الجدار للدخول عبره إلى المفاوضات من خلال كسر الجمود القائم وهم غير قادرين من جهة أخرى على الذهاب بعيداً بالسرعة أو المنحى اللذين يحملهما الاجتماع بسبب الضعف الذاتي وغياب أي أفق فعلي للتسوية يمكن المجازفة بتقديم تراجعات رسمية تجاهه إلى جانب، بالطبع، غياب تغطية عربية فعلية وواسعة لتوجه من هذا النوع.

    حكومة أولمرت وتحديداً رئيسها يريد من هذا اللقاء/ الاجتماع تعزيز وضعه في الحكومة وفي الحزب وفي السياسة الإسرائيلية وتوفير شبكة أمان وورقة ضمانة له بالاستمرار كأحد شركاء ما بعد المؤتمر. لكن الموقف الإسرائيلي واضح فهو يقول ببيان مشترك وإعلان نيات وبعدم تناول القضايا الحساسة والأساسية وبرفض كلي ومبدئي لأي اتفاق إطار يطالب به الفلسطينيون الآن. ويبدو أن المحادثات القائمة على الصعيد الفلسطيني الإسرائيلي لم تصل إلى بلورة التزامات واضحة تذهب أبعد من الحديث عن عناوين عامة يريد الفلسطينيون إعطاءها مضامين ملزمة في حين يريد الإسرائيليون إبقاءها مائعة وضبابية وقادرة على أن تحمل الشيء ونقيضه ومتحررة من أي التزام.

    في ما يتعلق بواشنطن هناك أهداف خمسة وراء الدعوة والإصرار على عقد هذا اللقاء/ الاجتماع.

    أولاً، تثبيت الوضع الفلسطيني الجديد من خلال منحه ورقة الدعم الدولي والأميركي على الصعيدين الديبلوماسي والاقتصادي من أجل التأثير في بناء ميزان قوى جديد في البيت الفلسطيني، لكن من الصعب النجاح في هذا الأمر طالما أن الدعم الديبلوماسي سيبقى فارغاً من أي مضمون ورغم أهمية الخبز وضروريته لكنه ليس بديلاً من الأرض حتى يؤثر في تغيير المناخ السياسي الفلسطيني.

    ثانياً، "دفع" شكلي للعرب من خلال هذا الانكباب على الملف الفلسطيني الذي بقي مهمشاً منذ عام 2001 مقابل الحصول على دور عربي ناشط وفاعل وداعم للاستراتيجية الأميركية في العراق: إنها مقايضة الموقف/ الوعد الأميركي بالدور العربي الناشط.

    ثالثاً، الدفع نحو إحداث اصطفاف عربي إسرائيلي في المواجهة الدائرة في المنطقة وفي ملف أبعد من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفي ملف آخر ما دون الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كما أشرنا يتعلق بالبيت الفلسطيني الداخلي ويوفر في الوقت ذاته نوعاً من التطبيع العربي الإسرائيلي الذي تريده كل من واشنطن وإسرائيل مقابل الدعم المادي للشعب الفلسطيني والوعد السياسي دون أي أفق محدد.

    رابعاً، محاولة خلق مناخ جديد عبر هذا الاجتماع يفرض التزامات على الفلسطينيين وعلى العرب في إطار ديبلوماسية الصراع العربي الإسرائيلي ويفترض أن يفرض التزامات موازية على إسرائيل تبقى أقل بكثير من الالتزامات المطلوبة فلسطينياً وعربياً بسبب الاختلال الحاد في التوازن على أرض الواقع بين الفلسطينيين والإسرائيليين وبسبب الإنحياز الأميركي للموقف الإسرائيلي وغياب التوازن في التفهم الأميركي والتسامح مع كل من الطرفين المشار اليهما.
    خامساً، توضيب الملف الفلسطيني الإسرائيلي قبل تسليمه إلى الإدارة القادمة من خلال تحقيق إنجاز في ترتيب وضع هذا الملف وتحديد المسار الذي يفترض أن ينتج عن هذا اللقاء.

    بعيداً عن البهلوانيات اللغوية والصيغ الديبلوماسية الفضفاضة الحاملة لالتباسات مقصودة بغية إرضاء الجميع من فلسطينيين وإسرائيليين وعرب يبدو أن هنالك احتمالات أربع بشأن هذا الاجتماع قبل أقل من شهرين من عقده:

    1 ـ التوصل إلى إعلان مبادئ أو إعلان نيات يقوم على تفاهمات عامة وفضفاضة لكنه لا يعطي أي قوة دفع ولا أي بوصلة فعلية لإطلاق المفاوضات لاحقاً ولا يؤسس لقاعدة صلبة ومرجعية ملزمة وواضحة لهذه المفاوضات، إنه بمثابة أوسلو ـ 2.

    2 ـ التوصل إلى اتفاق إطار وهو المطلب الفلسطيني كأن تعود واشنطن إلى ما عرف باتفاق الرف الذي تم التفاهم عليه تحديداً بين وزيرتي خارجية الولايات المتحدة وإسرائيل والذي ربط تفعيله بتحقيق الفلسطينيين لعدد من الشروط المطروحة أميركياً وإسرائيلياً وتشجيعهم على ذلك بهذا الوعد، وعد اتفاق الرف غير الملزم على صعيد ترجمته في إطار زمني محدد قد يحصل هذا الأمر الذي يعني تحديد مواقف أقل من غامضة وأكثر من عامة في ما يتعلق بقضايا المرحلة النهائية في حال وجدت واشنطن أن البديل الآخر هو عدم انعقاد المؤتمر أو الفشل الواضح للمؤتمر وتكلفة هذين الأمرين على كافة الفرقاء المعنيين. فتدفع واشنطن بهذا الاتجاه كخشبة خلاص في الحد الأدنى الممكن ولكن المتقدم نوعياً ولو بشكل محدود عن إعلان المبادئ. ويمكن أن يساهم في التوصل إلى هذا الخيار وصول المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية إلى نقاط اتفاق تجري تسريبات حولها حالياً من دون أن تجري تأكيدات حول ذلك.

    3 ـ تهافت المؤتمر وفشله الضمني دون الاعتراف بذلك علانية والتحول إلى لقاء "التقاط صور" والاكتفاء بصدور بيان من صاحب الدعوة يعيد التأكيد على رؤية الرئيس بوش "للدولتين اللتين تعيشان جنباً إلى جنب" مع تضمين البيان النقاط التي تشكل عناوين عامة.

    4 ـ تأجيل الاجتماع والاكتفاء ببيان أميركي في الخطوط ذاتها المشار اليها في الاحتمال السابق.
    بقدر ما أن هناك حاجة لمقاربة ناشطة وفاعلة وحاملة لمرجعيات واضحة ولضمانات ذات مصداقية ولإطار زمني محدد لتسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي أو تحديداً لإطلاق قطار هذه التسوية التي تشكل مدخلاً ضرورياً وفاعلاً لإحداث تغيير جذري لبيئة شرق أوسطية يزداد التوتر فيها وتزداد مسائلها المتداخلة اشتعالاً وتتغذى هذه كلها على الانسداد الحاصل والمستمر في التسوية ولسياسات تقوم على تجاهل كلي ومقصود لموقع الصراع العربي الإسرائيلي في شبكة تفاعلات الشرق الأوسط بقدر ما أن استشراف نتائج هذا المؤتمر تذكر بالمثال الذي يقول إن "المكتوب يقرأ من عنوانه" وفي الحالة هذه يقرأ من مضمونه أو غياب المضمون المطلوب والضروري والمرتجى لمصلحة السلام الشامل والدائم في المنطقة.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X