إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

"بلاك ووتر" وأخواتها في العراق

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • "بلاك ووتر" وأخواتها في العراق

    "بلاك ووتر" وأخواتها في العراق

    المصدر: الخليج-الإمارات

    د.غسان العزي


    في الثامن عشر من سبتمبر/ أيلول الجاري أعلنت الحكومة العراقية عن سحب رخصة شركة بلاك ووتر الأمريكية وإعادة النظر بقانونية نشاطات شركات الأمن الخاصة المحلية والأجنبية العاملة في العراق. أتى هذا القرار “نتيجة الاعتداء الغاشم لمستخدمي بلاك ووتر ضد مواطنين عراقيين تسبب بمقتل عدد من المدنيين الأبرياء” بحسب علي الدباغ الناطق باسم رئيس الحكومة نوري المالكي الذي أضاف ان وزارة الداخلية ستجري تحقيقاً حول الحادث وملابساته وتحيل الملف إلى القضاء. وقد دافعت الشركة عن نفسها بالقول ان عناصرها أطلقوا النار اثر تعرض موكبهم لاعتداء مسلح فأصيب مدنيون بطريق الخطأ (عشرة على الأقل لقوا مصرعهم). واعتذرت كوندوليزا رايس في اتصال مع المالكي، لكن الشركة استمرت في العمل ولم يجر توقيفها أو سحب رخصتها كما أعلنت الحكومة العراقية التي بدت آنذاك أعجز من الوقوف في وجه شركة أمريكية خاصة تعمل على الأرض العراقية وينبغي أن تخضع للقانون العراقي ولو أنها متعاقدة مع قوات الاحتلال الأمريكي.

    إذاً شركة أمن خاصة أقوى من الحكومة العراقية؟ ليس في الأمر غرابة. فالشركات الأمنية العاملة في العراق وحده توظف أكثر من مائة ألف رجل، بين عسكري ومدني، ما يجعل منها جيش الاحتلال الثاني بعد الأمريكي. وهي تقوم بمهمات تتراوح بين حماية الدبلوماسيين والسياسيين والتدريب وإقامة الحواجز واستجواب المعتقلين وصولاً إلى تنفيذ عمليات عسكرية كبرى. وقد ذاع صيتها اثر مقتل أربعة من عناصرها في الفلوجة، وتعليق جثثهم المتفحمة على أعمدة أحد جسور المدينة، وهو مشهد تناقلته وسائل الإعلام العالمية واستدعى قيام المارينز بهجوم كبير على الفلوجة.

    والشركات العسكرية الخاصة تسعى كغيرها للربح لكنها تبيع خدمات تقع تقليديا على عاتق القوات المسلحة الوطنية. وقد ازدهر هذا النوع من الشركات بعد انتهاء الحرب الباردة وهبوب رياح العولمة الليبرالية، فأضحت تعمل في أكثر من خمسين منطقة ساخنة في العالم، لاسيما تلك التي فيها وجود أمريكي، ذلك ان واشنطن وقعت أكثر من ثلاثة آلاف عقد مع مثل هذه الشركات في غضون العقد المنصرم. وهكذا فإن دافع الضرائب الأمريكي هو في رأس قائمة ممولي هذه الشركات، على خلفية توجه متزايد نحو خصخصة القوات المسلحة الرسمية أو جزء مهم منها على الأقل.

    وقد بقيت هذه الصناعة طي الكتمان إلى حد كبير حتى العام 2001 عندما اسقطت طائرة لل”سي.آي.ايه” بطريق الخطأ طائرة مدنية فوق البيرو تقل عددا من المرتزقة الأمريكيين، قبل ان يتبين في ما بعد ان طائرة ال”سي.آي.ايه” هذه تستخدمها شركة خاصة بموجب عقد هي شركة “افيايشن دفلوبمنت كورب”. وعندما قتل مسلحون فلسطينيون ثلاثة أمريكيين في غزة في خريف العام ،2003 تبين أن هؤلاء الثلاثة يعملون لمصلحة شركة عسكرية خاصة من فرجينيا هي “داين كورب”.

    وعلى غرار رجال الأعمال والأثرياء فإن وزارات الدفاع والداخلية وقوات الأمن والاستخبارات التابعة لدول كبرى، باتت تلجأ إلى خدمات هذه الشركات الأمنية الخاصة التي أضحى دخلها، في الولايات المتحدة وحدها، يربو على المائة مليار دولار سنوياً وباتت مدعومة من لوبيات وجماعات مصالح نافذة في واشنطن. ففي عام 2001 وحده أنفقت عشر شركات عسكرية خاصة أكثر من 32 مليار دولار في عمليات “لوبيينغ”، وقدمت 12 مليار دولار للحزبين الرئيسيين في واشنطن. وتعتبر شركة بلاك ووتر، ومركزها نورث كارولينا، من الشركات النافذة التي تأسست في العام 1998 وتوظف عشرات الآلاف من رجال الأمن العاملين في كافة أرجاء المعمورة، وهي تملك أسلحة متطورة جداً منها أسطول صغير يرسو في ميناء نورفولك وتقوم بمهام حساسة في الولايات المتحدة نفسها، مثل تدريب عناصر الأمن والشرطة على المداهمات وتحرير الرهائن.

    ويعتبر العراق المحتل منجم ذهب حقيقياً لمثل هذه الشركات التي من المؤكد أن عملها سوف يستمر بالازدهار مع الفشل الأمريكي في الامساك بالوضع. فهي تسهم في التخفيف من الكلفة السياسية للاحتلال ومن الحاجة للمزيد من جنود الاحتياط والحلفاء. وهي غير ملزمة بالإعلان عن خسائرها البشرية والمادية ولا عن نشاطاتها وعدد عناصرها ونوع عتادها وسلاحها وغيره. وهي بعناصرها المنتمين إلى عشرات الجنسيات العالمية توفر لإدارة بوش تحالفاً دولياً من نوع مختلف في العراق، يزيد عديده على أي قوة نظامية حليفة. وهي وان كانت تطلب أجوراً مرتفعة لقاء خدماتها، وهذا طبيعي نظراً للمخاطر الجمة التي تواجه عملها، إلا أن هذه الكلفة (عقد بلاك ووتر في العراق يبلغ خمسمائة مليون دولار سنويا وعددها عشرون ألفا) تبقى أكثر مردودية، من الناحية السياسية على الأقل، من إرسال المزيد من الجنود النظاميين إلى أرض المعركة. ولا ننسى أن كبار السياسيين والضباط المتقاعدين في واشنطن، يملكون مثل هذه الشركات أو يحتلون مناصب عليا فيها.

    لكن بما أن المال الوفير هو الهدف المقدس الذي تسعى إليه هذه الشركات، فإن المعايير الأخلاقية والانضباط لا تظهر في قائمة مبادئها. فهي تعامل الناس بوحشية وفظاظة في العراق حيث يتناقلون القصص البشعة عن تصرفات عناصرها الذين يلقبونهم ب”الموساد” أو “كلاب الحرب”. وهؤلاء قد ينقلبون على أسيادهم في مقابل المال. فقد ذكرت “الواشنطن بوست” أن المدعي العام في رالاي في كارولينا الشمالية حيث مقر “بلاك ووتر” يملك ما يكفي من القرائن لاتهام هذه الشركة بتهريب أسلحة إلى العراق، تستخدمها منظمات تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية. ونشرت صحيفة “نيوز اند اوبزرفر” الصادرة في كارولينا أن اثنين من العاملين في الشركة اعترفا أمام المحقق بتورطهما. واتهم النائب الديمقراطي هنري واكسمان المفتش العام في وزارة الخارجية هاورد كرونغارد بعرقلة التحقيقات الرامية إلى معرفة “ما إذا كانت شركة أمنية خاصة كبيرة تعمل لحساب وزارة الخارجية تدخل أسلحة خلسة إلى العراق”.

    قد يقول قائل ان الامبراطوريات كانت منذ فجر التاريخ تلجأ إلى خدمات المرتزقة، وان لا جديد في الأمر اليوم سوى شرعنة عمل هؤلاء بعد انتظامهم في مؤسسات وشركات تخضع للقانون. لكن الجديد هو انخراط الجيوش النظامية في اقتصاد السوق الليبرالي بهذه الطريقة التي تقود إلى خصخصة الحرب، بكل ما للكلمة من معنى على خلفية تقليصٍ لصلاحيات الدولة وأدوارها وربما وجودها نفسه كمحتكر للعنف الشرعي بحسب تعريف ماكس فيبر الشهير.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X