Announcement

Collapse
No announcement yet.

الحاجة إلى منظومة أمنية في الخليج

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • الحاجة إلى منظومة أمنية في الخليج

    الحاجة إلى منظومة أمنية في الخليج



    د. طارق سيف - الاتحاد


    لا يستطيع أحد أن ينكر أن منطقة الخليج العربي في حاجة ملحة إلى منظومة للأمن، ليس الآن فقط، ولكن منذ عقود مضت، بعد أن بدأت حالة من عدم الاستقرار وافتقاد السلام تدب في أوصال كثير من دول المنطقة، على رأسها العراق وإيران واليمن، كما يوجد قلق حقيقي ومشروع من الأوضاع الراهنة التي تشير إلى استمرار القلق وتراجع الإحساس بالأمن. ولم تتقدم اتفاقية "الدفاع الخليجي المشترك" الموقعة في ديسمبر 2000 خطوة للأمام منذ توقيعها، سوى في اجتماعات لا تسمن ولا تغني من جوع في مجال التطبيق العملي لهذه الاتفاقية.

    والمثير للدهشة أنه بدلاً من العمل على تفعيل هذه الاتفاقية التي تنظم العلاقة بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية فيما يخص مسألة أمن الخليج والدفاع عنه ومسؤوليات كل دولة تجاهه، نفاجأ بدعوات من داخل بعض دول المجلس إلى إقامة منظومة أمنية لمنطقة الخليج تضم دولاً مثل إيران وإسرائيل دون إدراك حقيقة التهديد الذي تمثله هاتان الدولتان على الأمن الإقليمي والدولي، وهو الأمر الذي لا تنكرانه بل تسعيان لتكريسه في كل فرصة.

    إن الحقائق التاريخية والواقع الحالي يشيران إلى وجود مجموعة هائلة من الأسباب والحجج التي تبرهن على حاجة المنطقة إلى نظام أمني، بعد أن شهدت بعض دولها حروباً داخلية وبينية وغزواً خارجياً، بل وظهور بوادر بأن المنطقة ستواجه نزاعات مسلحة أخری.

    لكن قبل التفكير في إقامة النظام الأمني للخليج، تبرز الحاجة إلى التعرف على مرتكزات هذا النظام من جانب، والمعوّقات التي تواجهه من جانب آخر، بعبارة أخرى الوقوف على الفرص المتاحة والقيود المفروضة على الحركة الاستراتيجية لدول المنطقة لإقامة مثل هذا النظام.

    من أهم مرتكزات النظام الأمني الإقليمي اتفاق أعضائه على الحد الأدنى من المصالح الاستراتيجية المشتركة وانتفاء أي تهديد بينهم، سواء كان هذا التهديد مباشراً أو غير مباشر، صريحاً أو مستتراً، ولكن إذا نظرنا للأوضاع الحالية في المنطقة سنرى العجب، فلا يوجد أي اتفاق في المصالح خاصة بين ضفتي الخليج. وإذا كان البعض سيسارع ويذكِّرنا بتنامي المصالح الاقتصادية والتجارية بين دول المنطقة، فإن هذه المصالح موجودة منذ فجر التاريخ، لكنها لم تستطع حتى الآن أن تكون أساساً كافياً لإيجاد أرضية من التوافق والاتفاق على المصالح الحيوية والاستراتيجية الأخرى التي تضمن وجود علاقات طبيعية بين دول المنطقة، فهناك تهديد مباشر من الجمهورية الإسلامية الإيرانية لكل دول مجلس التعاون يكمن في تدخلها المباشر وغير المباشر في العراق، وفي الاعتراف بها كقوة إقليمية كبرى في المنطقة، وفي سعيها لامتلاك أسلحة تفوق حاجتها الدفاعية بل وذات صبغة هجومية، وفي إصرارها على التمسك بسياستها التوسعية وتكريس احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى) وفرض سياسة الأمر الواقع، ورفضها المستمر لقبول الحلول السلمية والوساطة، وقبل ذلك كله التصريحات العدائية التي تصدر عن النخبة العسكرية الإيرانية سواء من الجيش أو الحرس الثوري بإغلاق مضيق هرمز ومهاجمة دول الخليج، ومحاولة فرض رؤيتها لأمن المنطقة على باقي دول الخليج، والعمل على إذكاء نار الطائفية بين الشيعة والسنة والفرس والعرب.

    وإذا كانت دول الخليج العربية قد سلمت بحق كل دول المنطقة، ومنها إيران، في امتلاك قدرات نووية سلمية لتوفير احتياجاتها من الطاقة الكهربائية، فإن هذا يفرض توافر الشفافية الكاملة، وإيجاد الضمانات الكافية لعدم استغلال البرامج النووية السلمية كستار لبرامج لإنتاج الأسلحة النووية، وألا تكون التقية السياسية والمذهبية الدرع الواقية للنوايا العدوانية للنظام الإيراني.

    يجب أن يكون لدى ملالي إيران الشجاعة للاعتراف بالدور الذي تلعبه دول مجلس التعاون في تهدئة الأوضاع ورفضها التام لتعرض إيران لأي هجوم، وكذلك في الحفاظ على العلاقات التجارية معها وعدم المشاركة في عزلها وحصارها، فأكثر من 40٪ من تجارة إيران الخارجية تأتي من هذه الدول.

    أما الوضع في العراق فهو شوكة أخرى مغروسة في خاصرة أمن الخليج، فرغم مضي أكثر من خمس سنوات على حالة الفوضى المستمرة و"اللاأمن"، وعدم الاستقرار التي تدب في أوصاله، وانتشار الفتنة الطائفية بين موزاييك تركيبة المجتمع العراقي، لا نستطيع استشراف مستقبله السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي يدفعنا إلى الظن بأن العراق سيظل لعقود مقبلة خارج حسابات المنظومة الإقليمية.

    ومن المفارقات أنه تجري أمام أعيننا الآن ولادة لمبادرات ومحاولات لرأب الصدع، وترسيخ العلاقات بين ضفتي الخليج، إلا أنها تأتي من جانب واحد هو دول مجلس التعاون، ويقابلها الجانب الإيراني بتصريحات وأقوال لا أفعال، فكيف يتحقق "التآخي بين دول الخليج والحفاظ على السمعة والكرامة والأمن كقواسم مشتركة بينها"، وفق التصريحات الأخيرة للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وهناك من يتمسك بأطماعه ورؤاه التوسعية ويحمل لواء تصدير الثورة إلى كل دول المنطقة ولا يعترف بمشروعية الحكم فيها ويشكك في أنظمتها السياسية، ولا يسعى بأي قدر من الجهد لإثبات حسن النوايا وتعزيز الثقة والتخلي عن التقية السياسية.

    يجب أن نتنبه إلى أن مساعي الجمهورية "الثورية" الإيرانية تتركز في طرح نفسها كشريك وطرف رئيسي في كل أزمات المنطقة، يلزم التعامل معه لحلها مهما كان موقف الأطراف المعنية والمتأثرة بهذه الأزمة، ومن ثم يلزم أن تعترف به القوى الكبرى وتتعامل معه إذا أرادت أن تتوصل لنتائج إيجابية للخروج من هذه الأزمات.

    ومن هنا نجد أن الأمر أكثر تعقيداً من تدخل الحرس الثوري الإيراني في العراق ومساعداته المادية والعسكرية لـ"حزب الله"، ودعم إيران المادي لحركة "حماس"، وأن طهران أضحت قبلة لزعماء الحركات الشيعية في لبنان والعراق، والتحالف الاستراتيجي مع سوريا، والدعم المستمر للحوثيين في اليمن، والتأكيد على قدرة إيران على حل مشكلة دارفور، لأن ذلك كله ما يظهر على السطح من قمة جبل التغلغل الإيراني العميق الذي يضرب في أوصال كثير من هذه الدول والحركات، سواء من خلال تركيبة مجتمعاتها، أو بالوجود المباشر لعناصر العمليات الخارجية التابعة للحرس الثوري، أو بتجنيد بعض من نخبتها.

    إن إيران الثورة التي تتظاهر في العلن بالدعوة إلى التقارب بين ضفتي الخليج، وتحرص في كل مناسبة ودون مناسبة على تأكيد علاقات حسن الجوار، والعمل على تطويرها، والاستفادة من القواسم المشتركة، تنتشر وتتغلغل بسرعة كبيرة في نسيج كافة أزمات الشرق الأوسط، بل وفي داخل التركيبة السكانية للعديد من دول الخليج تحت دعاوى زعامتها للشيعة، ودفاعها عن مصالح المسلمين، لذلك باتت عاملاً مشتركاً وفاعلاً في أزمات المنطقة، ومن ثم حصلت على اعتراف ضمني كقوة إقليمية في المنطقة يصعب بل ربما يستحيل تجنبها أو تخطيها لضمان تحقيق مصالح القوى الكبرى، وربما يكون هذا الأمر هو السبب الرئيسي في عدم تعرضها لضربة عسكرية تجهض مشروعها النووي العسكري، وهذا كله يقودنا لإدراك حقيقة ما تضمره إيران الثورة لدول المنطقة.

    لذلك أعتقد أنه إذا أردنا التوصل إلى منظومة أمنية للخليج تشارك فيها جميع دوله، وتقوم على عاتق أبناء المنطقة، فإنها تنطلق من المصارحة والشفافية الكاملين، أي مواجهة إيران بأخطائها وأفعالها بكل مصداقية، والاتفاق على استراتيجية مُلزمة لإصلاح هذه الأخطاء وتدارك مواقفها وسلوكها العدائي الذي يهدد أمن المنطقة، والتخلي عن مسألة الزعامة والهيمنة، وتكون الغلبة لتوازن المصالح وليس توازن القوى.

    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X