Announcement

Collapse
No announcement yet.

نحن والمعضلة الأمريكية

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • نحن والمعضلة الأمريكية

    نحن والمعضلة الأمريكية




    الوطن

    أشرف إحسان فقيه

    أمريكا لم تكن يوماً جنة العدالة والديموقراطية. لكن ما يميزها أن المرء يسعه أن يحاول أن ينال حقه بها عبر وسائل "قانونية" شتى.. وبشيء من الصبر والتخطيط الذكي يسعه أن يفوز وأن يتحصل على هذا الحق.. رغم كل مظاهر ضياعه الأكيد. وهذا شيء لا يحصل إلا في أمريكا!
    لوهلة بدا وكأن العرب قد فقدوا ذاكراتهم. إنهم قد نسوا (أبو غريب) و(جوانتانامو) و(حميدان التركي)، والصومال والعراق وفلسطين، وتصريحات ذلك السيناتور الذي هدد مرَّة بقصف الكعبة. كل ذلك تحول إلى استثناء أمام "الأصل" الذي مثّله فوز رجل من أصل أفريقي بانتخابات الرئاسة. انتصار (أوباما) بدا وكأنه انتصار لكل المستضعفين حول العالم.. الذين تنهال الإمبراطورية الأمريكية على أقفيتهم بالصفعات دون أن يملكوا ردها. وهذا افتراض خائب ولا يبشر بالخير. إنه افتراض ينبئ بأن معاناتنا مع "المعضلة الأمريكية" ستستمر. من حقنا أن نعجب بفوز (أوباما) لأنه حدث عجيب ومدهش فعلاً.. أما أن نستشرف لأنفسنا مستقبلاً أبهج عطفاً عليه.. فهذه تعتلي العارضة بكثير!
    نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة خلقتها ثماني سنوات من حكم (بوش)، وخلقتها عقود من النضال المدني لتأكيد حقوق السود في مواطنة كاملة بأمريكا.. التي ينص دستورها ووثيقة استقلالها الأثيرة بأن البشر كلهم قد خلقوا سواسية وأحراراً.. وهو كلام لم يجد كاتبوه من يجبرهم على تطبيقه حرفياً على الجميع. (أوباما) جاء ليضع السود في الصورة.. نوعاً ما. جاء لينهي ما بدأه (مارتن لوثر) و(روزا باركس) و(جيسي جاكسون) و(محمد علي كلاي) و(مالكولم إكس). لنتذكر أن نصف هؤلاء قد قتل.. وجميعهم قد اعتقل ودخل السجن.
    معضلتنا في أمريكا تتمثل في أنها قوية.. وأنها لن تعترف بك وبحقك ما لم تكن أنت قوياً.. قوياً وصفيقاً إلى حد يسعك معه أن تجعل القانون والناخب يمتثلان لك.. أن تصنع أنت القانون.. هذا هو تعريف (دولة القانون) كما وضعه الغرب الأمريكي "العصي على الترويض" يوماً.
    هذه الأيام يعرض في صالات أمريكا الشمالية فيلم بعنوان (Changeling). الفيلم من إخراج (كلينت إيستوود) الذي اشتهر بدور الشرطي المارق: (هاري القذر) وبدور راعي البقر البلطجي.. ومن بطولة (آنجلينا جولي) المعروفة بجهودها الإنسانية بالمناطق المنكوبة.. (دارفور) تحديداً. كما أنها تمارس هواية تبني الأطفال المنكوبين من حول العالم.. عندها حتى الآن أربعة منهم كلهم ينعمون بالجنسية الأمريكية بفضلها.
    في هذا الفيلم يقدم لنا المخرج والبطلة قصة حقيقية وقعت في (لوس أنجلوس) في أواخر عشرينات القرن الماضي. قصة أم وحيدة اسمها (كريستين كولينز) عادت لمنزلها ذات مساء لتكتشف أن ابنها الوحيد ذا التسع سنوات ليس في غرفته.. ليس في الشارع وليس في الحارة بأسرها. في الواقع فإن ابنها قد ضاع وتحقق أسوأ كابوس في حياة أي والد. تلجأ (كريستين) للشرطة فتبدأ الإثارة الحقيقية في الفيلم. ففي تلك الفترة من التاريخ كانت شرطة (لوس أنجلوس) تعيش فترة حالكة في تاريخها -والفترات الحالكة تبدو متواصلة.. لنتذكر أيضاً قضية ضرب السائق الأسود (رودني كنج) من قبل شرطة ذات المدينة والتي قادت لثورة شوارع عام 1991-.
    لنرجع للفيلم.. شرطة (لوس أنجلوس) كانت غارقة آنذاك في الفساد. للقضاء على الجريمة المتزايدة فإن رئيس الشرطة قد فوض فريقاً من محققيه بإطلاق النار وتنفيذ الأحكام على المشتبهين دون محاكمة! كما أن الشرطة ذاتها كانت متورطة في قضايا التهريب والرشوة وتزوير الانتخابات. وفي هذا الخضم كله تأتي هذه المرأة وتطالب بالبحث عن ابنها بجدية أكثر.. بل وتبدأ في إثارة القلاقل عبر مخاطبة الإعلام الحانق أصلاً على الجهاز الأمني الفاشل.
    لكن الصبي يظل ضائعاً. ولتستعيد الشرطة شيئاً من هيبتها أمام الجمهور تعمد إلى "تلفيق" طفل ضائع آخر وتعيده للسيدة (كولينز) على أساس أنه ابنها المفقود منذ خمسة أشهر في حفل بهيج تحضره الصحافة.. ألف مبروك للجميع والشرطة في خدمة الشعب! تعيش (كريستين كولينز) مرحلة ارتباك قصيرة قبل أن تقتنع تماماً بأن هذا الصبي ليس لها.. "ابني لم يكن مختوناً!".. لكن الشرطة التي هي المخولة بتنفيذ (القانون) لا تملك أن تعترف بفشلها ولا كذبتها.. هكذا توظف من يثبت شخصية الابن المزيف بطريقة "علمية". وحين تفشل هذه الحيلة أيضاً وتصعّد السيدة (كولينز) القضية عبر تشكيل "لوبي" للضغط على الشرطة والتظلم ضدها في المحكمة.. يتم الإلقاء بها هي في مصحة نفسية بتهمة تخوين الشرطة!
    الفيلم يستمر ليكشف كيف تطورت الأحداث في تلك الفترة الممتدة من 1928 إلى 1932. لكن أكثر ما يثير الدهشة فيه وفي القصة الحقيقية التي بني عليها هو النحو الذي تطورت أمريكا عليه. فمنذ 80 عاماً فقط كانت شهادة المرأة غير معتد بها هناك. كان أصغر رجل شرطة آمراً ناهياً لا يسائله أحد، وكانت أي "شوشرة" على جهاز الأمن الفاسد كفيلة بإلقاء فاعلها وراء قضبان السجن أو المصحة النفسية.. بدون أن يدري به أحد! هذا السيناريو القاتم مشابه إلى حد مدهش لما يعايشه الناس يومياً الآن في دول العالم الثالث وديكتاتوريات آسيا وأفريقيا. إنه صورة أخرى لذات الأنظمة القمعية اللاديموقراطية التي تجاهد الإدارة الأمريكية لتقويمها بالقوة! مجتمع (لوس أنجلوس) شديد اللبرالية قبل ثمانين عاماً.. والذي لم يكن للمرأة به وقتها الحق الكامل في المطالبة بابنها ولا مجابهة المؤسسة الرسمية بدون دعم الكنيسة والإعلام الحر يبدو غير بعيد. (كولينز) لم تنل التعاطف لمجرد كونها امرأة ثكلى.. على العكس.. إنها قد اضطرت لحشد دعم كل الرجال النافذين كي تنتصر على الشرطة الفاسدة وعلى النظام الجنائي وعلى نظام الصحة النفسية المتهالك.
    (كريستين كولينز) في نضالها في سبيل ابنها المفقود تذكرنا بنضال (روزا باركس) في سبيل مكانة أفضل للسود بأمريكا.وهاتان المرأتان تذكراننا بكل حركات النضال والجهاد الأخرى التي خاضها المستضعفون في أمريكا ذاتها.. بلاد الحرية والمساواة.. كي تسعهم هم أيضاً أوعية الحرية والمساواة هذه.. كي يسعهم القانون الذي صاغه الأقوياء الناجحون.. أو كي يكتبوا هم موادهم الخاصة من هذا القانون. وفي استيعاب قصص كل هؤلاء تكمن معضلتنا نحن مع أمريكا.

    *كاتب سعودي

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




Working...
X