هل يستطيع أوباما إنقاذ حل الدولتين؟



هنري سيغمان - الحياة



سيكون الشاغل المقبل للمكتب البيضوي هو آخر رئيس اميركي قادر على إنقاذ حلّ الدولتين للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.

وفي حال لم يلاحق هذا الهدف ويحقّقه خلال السنة الاولى من تولّيه الرئاسة، سيتلاشى «أفق» الدولتين بشكل نهائيٍّ، علماً أنّ الرئيس جورج بوش الابن لم يتابعه بطريقةٍ فعّالة. ولكن حتّى إذا باشر أوباما ومعاونوه تنفيذ المهمّة معتقدين بأنّ بعض «الإجراءات السلميّة» الإضافية أو بعض «الخطوات لتعزيز الثقة» سيحقّق الهدف الذي فوّته أسلافه، لن يؤول الانخراط العاجل الذي قد يقوم به الرئيس الجديد إلى نتائج أفضل من مبادرات السلام الأميركيّة السابقة - والتي لم تكن مجدية على الإطلاق.

لا تهدف القائمة التالية التي تتضمّن أخطاء إسرائيلية وأوروبيّة/ أميركيّة سابقة إلى صرف الانتباه عن الخيارات المدمّرة أو تبريرها، وهي خيارات غالباً ما اعتمدها الفلسطينيّون خلال نضالهم من أجل قضيّة الدولة بدءاً من الأخطاء الفظيعة في بناء المؤسّسات، والعنف الإجرامي ضدّ مدنيّين أبرياء وصولاً إلى الحرب الأخويّة الدامية بين حركتي «فتح» و «حماس». في الواقع، تهدف القائمة إلى القول إنّ الخطوات الصعبة التي يجب على الفلسطينيّين اعتمادها لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، ستبقى خارج متناول يدهم إلا إذا تم إعطاؤهم التزاماً يكون جديراً بالثقة ينفذ في وقت قريب لقيام الدولة الفلسطينيّة الى جانب إسرائيل، تكون «مستقلّة وقابلة للعيش وسيّدة»، كحقٍّ لهم وليس بفضل كرم إسرائيل. ونظراً إلى أنّ دولة مماثلة هي في الواقع من حقّ الشعب الفلسطيني، يتعيّن الاعتراف بها قبل وضع الشروط لتنفيذها، لا بعده. وبالتالي، فإنّ حقيقة ان التزاماً واضحاً مماثلاً لم يتم اعلانه الى اليوم يكشف بوضوح النوايا الإسرائيلية واللامبالاة الأميركيّة/ الأوروبيّة، أكثر ممّا تكشف ذلك أيّ من خطوات تعزيز الثقة التي أدّت إلى إبقاء الفلسطينيّين على حالهم، كشعبٍ يرزح تحت احتلالٍ ساحقٍ وغير محدّد الزمن.

والجدير ذكره أنّ رئيس وزراء اسرائيل ايهود اولمرت، وفي مقابلةٍ أجريت معه أخيراً إثر استقالته، صدم الإسرائيليين عندما صادق على أفكار تنسب الى اليسار الإسرائيلي المتشدد. ومن بين التصريحات المثيرة للاهتمام، قال أولمرت إنّ زيارة الرئيس السادات المفاجئة إلى القدس ليست هي السبب وراء توصل إسرائيل إلى اتّفاق سلام مع مصر - على عكس جهوده غير المجدية لإبرام اتّفاق سلام مع عرفات أو مع سورية على سبيل المثال. فالسبب الحقيقي يعود إلى ما قبل زيارة السادات، عندما نقل وزير الخارجيّة الإسرائيلي موشيه دايان خلال اجتماعٍ سرّيٍّ مع مندوب السادات في المغرب، رسالةً من رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن ومفادها التالي: أوّلاً، إسرائيل مستعدّة لإعادة كلّ شبر من الأراضي المصريّة الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي. ثانياً، لنتفاوض الآن. وهذا ما رفضت إسرائيل قوله للفلسطينيّين وللسوريّين، ولهذا السبب باءت المفاوضات السابقة كلّها بالفشل.

وبالطبع، عندما كان أولمرت في سدّة الحكم، لم يقف مكتوف اليدين حيال هذا المفهوم فحسب، بل وافق شخصيّاً وحتّى اللحظة الأخيرة على تدابير - كالسماح بالمزيد من البناء في المستوطنات وفي القدس الشرقية - وهذا الأمر زاد يأس الفلسطينيّين وجعل حلّ الدولتين حلماً مستحيلاً أكثر فأكثر.

غير أنّ المبدأ الأساسي والحاسم بين المبادئ التي تمّ تجاهلها هو التعارض الكبير بين السلطة والتأثير اللذين يحدّدان العلاقة الإسرائيلية والفلسطينيّة. فنادراً ما تنصاع دولة كإسرائيل تتمتّع بميزاتٍ مهمّةٍ على الصعيد العسكريّ والديبلوماسيّ والاقتصاديّ لمطالب خصمٍ شبه عاجزٍ، من دون تدخّل فريقٍ ثالثٍ قويٍّ يقيم توازناً بين الطرفين. بيد أنّ القوّة الخارجيّة الوحيدة القادرة على هذا التوازن هي الولايات المتّحدة، لأنّ دعمها لإسرائيل وصداقتها معها هما أمران لا يسأل عنهما الإسرائيليون، ويعتبرهما كلّ فردٍ تقريباً في إسرائيل مصدر الأمن الأكثر أهمّيّة للبلاد وهو أمر لا يجرؤون على إضعافه.

ان الانقلاب على «الوقائع الفعليّة» التي فرضتها اسرائيل في الأراضي المحتلّة يتوقف على عزم الرئيس الأميركي المقبل بالكامل على استخدام نفوذ الولايات المتحدة لوضع حدٍّ للنزاع بالاعتماد على الإجماع الدولي الموجود، في الوقت الذي تدعم فيه أميركا التدابير الضروريّة وتشارك فيها، علماً أنّ هذه الأخيرة تمكّن إسرائيل من التعامل مع التحدّيّات الأمنيّة الناجمة عن اتّفاق سلامٍ يتطابق مع الاتفاقات السابقة والقانون الدولي.

قد ينتقد البعض ديبلوماسيّة الولايات المتّحدة القويّة والفعّالة، ويعتبرها بمثابة فرضٍ خارجيٍّ غير ملائمٍ لبنود اتّفاق سلام. ولكنّ الأمر ليس على هذا النحو، اذ يتعيّن على الرئيس الاميركي القادم أن يتقدّم بمعايير لاتّفاق وضعٍ دائمٍ يعتمد على مبادئ وقّعتها إسرائيل والفلسطينيّون عندما صادقوا رسميّاً على قراري الأمم المتّحدة رقم 242 و338، واتفاقات أوسلو وخريطة الطريق ومفاهيم أنابوليس. وبالإضافة الى ذلك، على الرئيس الأميركي التشديد على وفاء اسرائيل أخيراً بالالتزامات التي تعهدت بها - والتزامات الفلسطينيين على حدّ سواء - فضلاً عن تطبيقها، وهو أمر لم يفلح رؤساء الولايات المتّحدة السابقون في إنجازه.

كان المطلب الذي كثيراً ما تكرّر مدمّراً ومضلّلاً بشكلٍ خاص، ومفاده قيام الفلسطينيّين بتقديم تنازلاتٍ عن أراضٍ تكون ملائمة لـ «التنازلات المؤلمة» التي أعلن القادة الإسرائيليون عن استعدادهم للقيام بها. إنّها صيغة تظهر سوء فهم عميق لتاريخ هذا النزاع أو تشويهاً متعمّداً له، ولا بدّ أن تؤدّي إلى نتيجةٍ غير عادلةٍ يصعب تبريرها. غير أنّ الفلسطينيّين لم يطلبوا من إسرائيل التنازل عن أراضٍ، وعلى سبيل المثال التنازل عن أي أرضٍ تحتلّها منذ الهدنة التي وقّعت في العام 1949، كما ان اسرائيل لم تعلن يوماً عن استعدادها للقيام بأمرٍ مماثلٍ تحت اي ظرف. بيد أنّ ما طالب به الفلسطينيّون هو أن تعيد إسرائيل الأراضي الفلسطينيّة التي أقامت عليها مستوطناتٍ بطريقةٍ غير شرعيّةٍ، والتي نقلت اليها اسرائيليين، وبالتالي انتهكت التزاماتها في المعاهدات الثنائية وكذلك بنود القانون الدولي.

في الواقع، قدم الفلسطينيون وحدهم تنازلاتٍ مؤلمة. وقد قدموا هذه التنازلات عندما اشترطت إسرائيل لدى موافقتها على اتّفاقات أوسلو، أن توافق منظّمة التحرير الفلسطينيّة رسميّاً على الاعتراف بشرعيّة الأرض التي احتلّتها إسرائيل في حرب العام 1948. إنّه تنازل قسّمت من خلاله الأمم المتّحدة الأرض المخصّصة أصلاً للشعب الفلسطيني إلى النصف وفقاً لقرار التقسيم في العام 1947. ونظراً إلى التنازل الكبير عن الأرض الفلسطينيّة، فإنّ أيّ مبادرة جديدة لا تشترط بدء المفاوضات قبل خطّ هدنة العام 1967 وتطالب الفلسطينيّين بالتخلّي عن أكثر من 22 في المئة من الأرض التي بقيت لهم (فضلاً عن تبادل الأراضي بالتساوي) سيكون محكوماً عليها بالفشل.

يتعيّن على الولايات المتّحدة والمجتمع الدولي أخيراً رفض المفهوم غير المتداول والذي طالما كان طاغياً ومفاده أنّه في حال لم يتوصّل الفريقان إلى اتّفاق سلام، فإن نص قراري الأمم المتحدة رقم 242 و338 يشكل غطاء لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي. لو كان هذا هدف القرارين، لكانا شكّلا حافزاً قوياً للقوة المحتلة لمقاومة اتّفاق السلام بشكلٍ دائم. بيد أنّه من الواضح أنّه لم تكن هذه هي النيّة المقصودة. وبالتالي يتعيّن على الولايات المتّحدة والمجتمع الدولي أخيراً العمل بموجب منطق القرارين، اي اعادة الوضع الى ما كان عليه قبل صدورهما، وذلك باستثناء التغييرات على صعيد الأرض أو غيرها، التي يمكن أن تكون ناجمة عن اتّفاق سلام.

وتجدر الإشارة إلى انّ وقف العنف من قبل الطرفين هو بمثابة شرطٍ منطقيّ وضروريّ في سبيل مفاوضات سلام ناجحة. ولكنّه ليس هدفاً يمكن تحقيقه في غياب آليّة دوليّة مستقلّة يمكنها أن تضبط الانتهاكات من قبل الطرفين.

هذه هي المبادئ التي ستعلن بالتأكيد عن الفرصة الأخيرة امام الولايات المتّحدة لإنقاذ حلّ الدولتين. وبخسارة هذه الفرصة، ستنتهي إسرائيل كدولةٍ ديموقراطيّة أو يهوديّة. ونظراً إلى الغالبيّة غير اليهوديّة الساحقة في الأراضي التي تحكمها إسرائيل، لا يمكن لهذه الدولة ان تجمع الأمرين معاً بعد اليوم. بالإضافة الى ذلك، يصعب فهم سبب اعتقاد أي رئيس دولة أنّ دعم نتيجة كهذه أو القبول بها، قد يعبّر عن صداقةٍ تجاه دولة إسرائيل او تجاه الشعب اليهودي.

لا يزال بإمكان أيّ مبادرة تتقدّم بها الولايات المتّحدة أن تؤدّي إلى حلّ الدولتين، شرط أن تتخطّى «التسهيلات» الفاشلة التي تقدّمت بها الإدارات السابقة من اجل ديبلوماسيّة قويّة وعازمة. بيد أنّ الرئيس الاميركي وحده، الذي تتجاوز نظرته الأخلاقيّة والسياسيّة انتخابات الكونغرس القادمة، والذي يدرك أنّه في الوقت الذي ستجري فيه هذه الانتخابات تكون الفرصة امام حلّ الدولتين قد تلاشت، هو الذي يعطي الأمل بوضع حدٍّ لهذه المأساة المتنقلة من جيل الى جيل.


* أكاديمي وباحث أميركي - مدير مشروع الولايات المتحدة والشرق الأوسط في نيويورك