Announcement

Collapse
No announcement yet.

أبحاثنا العربية بين النظرية والتطبيق

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • أبحاثنا العربية بين النظرية والتطبيق

    أبحاثنا العربية بين النظرية والتطبيق




    ياسر بن محمد الصالح
    مجلة الثقافية - لندن


    لعل من المفيد أن نعترف بأن عنوانًا كهذا لا تكفيه مقالة بهذا الحجم لكي توفيه حقه، ولكن ربما يساهم تسليط الضوء عليه في تفعيله وإيجاد حلول له، فكثيرًا ما اتُهمت جامعاتنا العربية بالجمود والعزلة عن حركة التجديد والتفاعل مع متطلبات العصر، وبأن أبحاثها –غالبًا- ما تدور حول نقاط متكررة وسطحية لا تشبع حاجة المجتمع والإنسان، و لكنني -كأي باحث- لجأت قبل فترة إلى البحوث التي سبقتني في مجال بحثي الأكاديمي والتي تركزعلى منطقة الوطن العربي، وذهلت من وفرة البحوث العربية التي يمكن وصف معظمها بالرائعة، لكن كان من المؤلم عدم وجود أية تطبيقات لها في واقع حياتنا، وفكرت مليًّا في الجهود والأموال والأعمار التي بُذلت لتنتج تلكم البحوث ولا أجدها في النهاية سوى كنوز محبوسة في أوراق كُتبت ورُصفت على الأرفف، فتساءلت حينها: هل مصير بحثي يا ترى سيكون مثل مصير هذه البحوث المهملة! أم أنه ستكتب له حياة من التطبيق؟ فهاجسي هذا لا بد وأنه يدور في ذهن أي باحث غيور.

    بداية، هناك تساؤل يستحق الإجابة وهو: هل من الضروري أن يُطبق كل بحث أكاديمي؟ إن الإجابة على سؤال عام كهذا سواء بالنفي أو الإيجاب يعتمد على موضوع البحث ونوعية مجاله الأكاديمي. وهنا يحضرني كتاب (جيبونز ورفاقه) الذي نُشر في أواخر القرن المنصرم وفيه طُرحت نظرية "إنتاج المعرفة" التي قسمت البحوثَ إلى نوعين: الأول بحوث نظرية تُنتج في الجامعات ومراكز البحوث وتبقى في القالب الأكاديمي البحت، ولا تمس الحياة الواقعية.. وهذه النوعية من البحوث كانت سائدة في الماضي، في حين كانت الأخرى بحوث عملية لا يُشترط استنادها على قواعد نظرية قوية، وإنتاج المعرفة فيها لا ينحصر وجوده في الجامعات فقط بل يمتد إلى جميع الميادين العملية المختلفة، وإحدى سلبيات نظرية إنتاج المعرفة - التي لا زالت تلاقي رواجًا عند الكثير- هي الإيحاء الذي أعطته بأن النوع الثاني أفضل من النوع الأول. وقد يترتب على هذا الفكر القاصر دعم بعض الحكومات لنوعيات البحوث العملية وإهمال البحوث النظرية، بينما الحقيقة هي أن النوع الثاني لا غنى له عن النوع الأول.

    وهذه لمحة خاطفة مما يُناقش على الصعيد الأكاديمي في الغرب الذي يعطي قيمة كبيرة للبحث العلمي، ويخصص أضعاف ما نخصصه نحن في ميزانياتنا لدعم البحوث العلمية، ناهيك عن انتشار الوعي الكبير بقيمة "البحث العلمي" في مختلف شرائح مجتمعهم، فماذا عنا نحن في الوطن العربي؟

    إن فهم أسباب قلة التطبيق التي تشكو منها أبحاثنا العربية كان وما زال محط اهتمام الكثيرين من المفكرين والمثقفين الذين يدركون تمامًا أننا بحاجة إلى استراتيجية عاجلة لهذه البحوث لتجد طريقها إلى النور. إن تحديد إستراتيجية لتفعيل البحث العلمي ليس أمرًا سهلاً، ولكنه ليس بالمستحيل لا سيما البحوث القابلة للتطبيق، فعند البدء بالتطبيق فإننا نحتاج ليس فقط إلى الدعم المالي من المؤسسات الحكومية والخاصة للبحث العلمي ولكن أيضاً إلى بناء جسور نُخرج بها هذه البحوث خارج أسوار الجامعة أو مراكز الأبحاث للاستفادة من النتائج لحل مشكلات المجتمع وتغطية احتياجات المؤسسات وتطوير القطاعات.

    والجدير ذكره أن معظم الجامعات الغربية يوجد بها ما يسمى بـ "حاضنات"، حيث تهدف هذه الحاضنات إلى ربط الباحث بالقطاع الذي يستفيد فيه من بحثه، وهناك الكثير من المستثمرين يلجأون إلى هذه المراكز ليتبنوا فكرة مبتكرة يقدمها الباحث ومن ثم يتم تطبيقها على أرض الواقع ، فإنشاء هذه الحاضنات أشبه بحلقة وصل تحقق الفائدة للطرفين. وقد عملت بعض الجامعات في الوطن العربي إلى تطبيق فكرة الحاضنات، من ذلك مشروع "وادي الظهران" بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن السعودية، والذي أقيم على غرار "وادي السليكون" الشهير في أمريكا، وتعد هذه الخطوة بحد ذاتها مشجعة، ونتمنى أن نرى مثيلات لها على أن يكون إنشاء هذه الحاضنات وفق خطة مدروسة بحيث تغطي معظم الميادين التي تخدم المجتمع.

    إن مما جعل الغرب يتقدم في مجال البحث العلمي هو أن لديهم وعيًا وثقافة من خلال تمكين العوامل المساعدة وتذليل كل الصعوبات التي تعترضهم، كما أننا – في الوقت ذاته- لا نستطيع أخذ جميع أساليبهم وتطبيقها مباشرة في وطننا العربي ونحن نفتقد إلى معظم مقومات نجاحها، ولكن من المفضل دراسة جدواها أولاً ثم الوصول إلى الحلول التي تناسب طبيعة مجتمعنا بدلاً من القيام بتطبيقها بحذافيرها إن لم تتوفر بعد فكرة (الحاضنات) أو ما شابهها في مجال الباحث العربي، لذلك حري بالباحث المبادرة والاتصال بنفسه بالقطاعات المختلفة التي لها علاقة ببحثه لفهم طبيعة الاحتياج وأخذها بعين الاعتبار في بحثه لكي يستفيد وتستفيد كذلك الجهة المعنية من النتائج التي توصل إليها، فهذا التعاون من الباحث والقطاعات هو إثراء للعلم ومساهمة في توليد المعرفة نظريًّا وعمليًّا.

    كما أن على الباحث –أيضًا- ألا يكتفي بكتابة بحثه ونشره في مجلات علمية فقط، بل عليه دور في إعادة صياغة بحثه العلمي والذي عادة ما يُكتب بلغة أكاديمية صعبة لا يفهمها إلا من كان مختصًّا في مجاله، لأن إعادة الصياغة هذه تأتي كدور مترجم إلى لغة يفهمها العامة، ولغة يفهمها المستثمرون، ولغة يفهمها صناع القرار .. وهكذا، وربما كان الإعلام فعالاً في هذه المرحلة لإيصال المعرفة ونتائج البحوث لأكبر شريحة ممكنة، وبالتالي فإن زيادة فرص نقل ما سُطرعلى الورق إلى الواقع الملموس، لذلك فإنني أؤكد على أن عالمنا العربي يحتاج إلى المزيد من الحوارات والزيارات العلمية لهيئة التدريس والطلاب إلى جامعات أخرى متقدمة للاطلاع على مستجدات تطبيق البحث العلمي، كما أننا نحتاج إلى تنظيم العديد من المؤتمرات والندوات والورش التي لا يقتصر نشاطها على الأكاديميين فحسب بل يشمل فئات مختلفة، إننا بحق نحتاج إلى التفكير الجدي في إنشاء لجان مختصة لتطبيق توصيات البحوث، ولعل فكرة إنشاء شبكة معرفية كبيرة بالتعاون مع جميع جامعات الوطن العربي أمر جدير بالاهتمام، لأنها قد تساهم فعلاً في نشر المعرفة والاستفادة من نتائج البحوث في تطوير القطاعات المختلفة، وهذا سيعود على وطننا العربي بالفائدة من ناحية التقدم العلمي والصناعي، ومن ثم تحقيق الهدف الرئيس وهو دفع عجلة التنمية وتطوير الإنتاج، ولربما قد تساهم -أيضًا- في تحقيق ما يسمى بـ (المجتمع المعرفي) الذي تطمح إليه حكوماتنا العربية. وإن كنت أرى أن المشوار قد يطول فإني متفائل بأن نلحق بالركب حتى لو بدأنا متأخرين.

    من أجل ذلك كله فإنني أرى بأن إهمال تطبيق البحث العلمي يجعل جامعاتنا العربية في مؤخرة الصفوف، ويعطي باحثي المستقبل شعورًا بعدم جدوى أبحاثهم وعقمها، ويحكم عليهم بالانغلاق داخل الحدود الأكاديمية النظرية، وربما يشجعهم للالتحاق بالدراسات العليا وكتابة البحوث فقط من أجل الحصول على درجة علمية أو ربما مكانة اجتماعية دون التفكير بأهمية بحوثهم ودورها.

    إن تصور مستقبل خالٍ من تطبيق البحوث إنما يعني مزيدًا من البحوث المتراكمة التي تعلوها الغبار والتي لا يستفيد منها إلا القلة القليلة من الباحثين الذين سيبحثون عنها عندما يقومون بعمل بحث مشابه لها، وسنبقى في مؤخرة الركب ما لم نسارع في تفعيل وتطبيق تلك البحوث العلمية.

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




Working...
X