إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

تحية إلى الشعب الأمريكي.... تبـّاً لنا!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تحية إلى الشعب الأمريكي.... تبـّاً لنا!

    تحية إلى الشعب الأمريكي.... تبـّاً لنا!




    التجديد العربي

    د. فيصل القاسم

    ليس هناك أدنى شك أن الرئيس الأمريكي "لا يُنتـَخـَب، وإن انتــُخـِب، وإنما يُصْنع صناعة". أي أن وسائل الإعلام الأمريكية الجبارة هي التي توجه الرأي العام كي ينتخب هذا المرشح، ويعرض عن ذاك. ولا شك أيضاً أن المؤسسة الأمريكية الحاكمة بأذرعها الإعلامية الرهيبة كانت قادرة على أن تطيح بالرئيس الجديد باراك أوباما ببضعة برامج تلفزيونية أو مقالات صحفية عنصرية لو لم تكن تريد وصوله إلى الرئاسة. لكنها لم تفعل، لا بل زينته بطريقة بارعة ليكون محبوب الجماهير يوم الاقتراع.

    ومن السذاجة الاعتقاد أن أوباما فاز بالانتخابات بفضل بلاغته الخطابية وحملته الانتخابية البراقة، فهو، كغيره من الرؤساء، ليس أكثر من حصان طروادة في أيدي الذين يحكمون أمريكا من ورائه، كالمجمع الصناعي والعسكري، وامبراطوريات الإعلام وسواها من مراكز النفوذ والمصالح. ولا شك أنه وصل إلى السلطة لغاية أو لمصلحة في نفس القوى المسيطرة، وليس لأنه يريد "التغيير"، كما زعم. وبإمكاننا أن نعدد عشرات الأهداف الأخرى التي تقف وراء دفع أوباما إلى سدة الحكم. فوصول هذا الرئيس أو ذاك إلى دفة القيادة في بلاد العم سام ليس مصلحة أو رغبة شعبية بقدر ما هو لعبة عليا تقوم على ثوابت من المستحيل أن تغيرها البشرة البيضاء أو السوداء. والتغيير لا يحدث لمجرد أن الشعب يريده، بل عندما تتوافق رغبة الشعب مع رغبة المؤسسة، فيظهر الشخص المناسب ليترجم رغبات وأهواء الذين يريدون التغيير. ولا يمكن أن نعتبر نية باراك أوباما سحب القوات الأمريكية من العراق مجرد رغبة شخصية أو حتى رئاسية، بقدر ما هي رغبة المؤسسة العسكرية المتعثرة في أوحال بلاد الرافدين، فيأتي أوباما ليجعلها استراتيجية أو سياسة.

    لكن بالرغم من كل ما سبق ذكره من أن الرئيس الأمريكي هو مجرد واجهة للقوى الخلفية، فان هناك أمراً جديداً لا بد أن نرفع له القبعة احتراماً وتبجيلاً. إنه التحول العظيم في المجتمع الأمريكي، وخاصة الأنغلو ساكسوني منه، في نظرته إلى الأعراق الأخرى،لا سيما أصحاب البشرة السوداء، الذين كانوا يـُنعتون حتى وقت قريب بالزنوج.

    من منا تنسى تلك العبارات الدنيئة التي كانت تزين أبواب المحلات والمطاعم الأمريكية التي تقول:"ممنوع دخول الزنوج والكلاب"، أو "غير مسموح للزنوج باستخدام الحمامات"؟ وبعضهم ربما سمح للكلاب ولم يسمح للسود بالدخول! ومعظمنا يتذكر المسلسل الشهير "الجذور" المأخوذ عن رواية بنفس الاسم، وكيف كان يُعامل السود بعنصرية واحتقار وازدراء لم يشهد له التاريخ مثيلاً.

    ألم يكن هناك قانون باسم "قانون السود" تم سنه عام 1848 ينص على أن"كل شخص أسود يستحم في نهر بوتومك أو روك بين الخامسة صباحا والتاسعة مساء يعاقب بالجلد في مكان عام.. أي أسود يطيّر طيارة ورقية سوف يعاقب بالجلد.. أي أسود يُضبط وهو يتفرج على ألعاب مبارزة الديوك يعاقب بالجلد 39 جلدة.. إذا ضبطت أية مواد مكتوبة مع أي شخص أسود حر يمكن أن يفهم منها تحريض السود فإنه يعاقب.. وإذا أقدم أسود عبد على نفس الفعلة فإنه يعاقب بالجلد 39 جلدة، إضافة إلى معاقبة مالكه بغرامة، وفي حال امتنع المالك عن دفع الغرامة فإن العبد يجلد 39 جلدة إضافية.. ممنوع على السود التجمع لأكثر من سبعة أشخاص في أي مكان في المدينة.. ممنوع على السود.. ممنوع على السود.. ممنوع على السود.."

    وكما يذكر الدكتور خالد الحروب في مقال باسم القانون سيء الصيت أيضاً، فقد "كان محظوراً على السود أن يرتادوا الكنائس البيضاء، وعندما سُمح لهم بذلك خــُصصت لهم مداخل وأماكن خاصة بهم. وعندما كانوا يحاولون بناء كنائس خاصة بهم، كان طلبهم يُرفض على طول الخط. وعندما سُمح لهم في نهاية المطاف بإنشاء دار عبادة خاصة بهم، كان الشرط أن يكون القسيس وراعي الكنيسة من البيض".

    كما نـُقل عن توماس جيفرسون أحد أهم الآباء الأوائل الأمريكيين الذي يثير مجرد ذكر اسمه عند الأمريكيين كل مفاخر الحرية والليبرالية والمساواة و"الحلم الأمريكي"، قوله "إن السود عجزة، وعاطفيون، ونزقون، وضعيفو الكفاءة".

    وقريباً من ذلك التاريخ أيضاً "لم يتردد جون كندي الديمقراطي وأحد أهم رؤساء أمريكا الليبراليين ودعاة الحرية من التوقيع على تعهد طوعي عندما أشترى بيته هناك ينص على "أن يتعهد المشتري بعدم السماح لأي زنجي، أو أي شخص دمه أو أصوله زنجية، بأن يستخدم البيت، أو يشتريه، أو يستأجره" في المستقبل.

    ولعل أكثر ما يثير الاشمئزاز ما ذكره الكاتب الأمريكي أندرو ستيفن عندما "أكتشف قبواً منخفض السقف، لا يصلح لأن تعيش فيه الفئران، تحت بيته في ضاحية جورج تاون يحتوي على أدلة بأنه كان المكان الذي ينام فيه العبيد التابعون لأهل ذلك البيت. ومن بين الأوراق والحاجيات القديمة التي عثر عليها وجد أوراقاً تذكر أرقام وأوصاف بعض النفقات وأسعار الرقيق مقارنة ببعض "الممتلكات" الأخرى كما يلي: زنجيان ذكور 300 دولار، امرأة زنجية 150 دولاراً، أربع زنجيات صغار 150 دولاراً، حصانان 200 دولار، بقرتان 300 دولار." لا بل إن الكاتب وجد أن "سعر حصانين أعلى من سعر رجل زنجي، وأعلى من سعر أربع فتيات زنجيات".

    صحيح أن العنصرية لم تمت تماماً في بلاد العسل والحليب، وصحيح أيضاً أن الأسود مازال أقرب إلى العبد أحياناً، ناهيك عن أن حياة السود مازالت مكبلة بقيود التمييز العنصري وسوء المعاملة. وما زال الأسود يعيش في جزيرة الفقر الموحشة وسط محيط واسع من الرخاء المادي ذابلاً في زوايا المجتمع الأمريكي وواجداً نفسه منفيا في بلده. لكن انتخاب أوباما لا يمكن وصفه إلا بالتحول التاريخي.

    أليس تطوراًً عظيماً أن يتجاوز الشعب الأمريكي ذلك التاريخ الأسود، وينتخب شخصاً من أصول سوداء؟ ليقل المشككون ما يقولونه في الأهداف السياسية والمصلحية الكامنة وراء انتخاب أوباما، لكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن الشعب الأمريكي استطاع أن يترك وراء ظهره أحقاده العنصرية، ويتنازل عن الكثير من حساسياته العرقية ليتعامل مع أوباما كمواطن أمريكي، وليس كمنتسب إلى طائفة أو عرق أو قومية معينة.

    لم أصدق عيني وأنا أشاهد رجالاً بيضاً ونساء شقراوات وهم يهتفون باسم أوباما بحرارة عز نظيرها على شاشات التلفاز متجاوزين عقد اللون والعرق، بينما ما زلنا نحن العرب نتعامل، لا بل نقتل بعضنا البعض على الهوية الطائفية والدينية والاجتماعية والعشائرية والقبائلية والعائلية وحتى القروية والحاراتية، ناهيك عن أننا ما زلنا نلجأ إلى أكثر المعايير تخلفاً وانغلاقاً وتعصباً حتى في اختيار رؤساء بلدياتنا ومخاتير قرانا وشيوخ عشائرنا، فما بالك بزعمائنا.

    تحية للشعب الأمريكي وتبـّاً لنا!

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




يعمل...
X