إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

العرب.. الفرص والتحديات الحضارية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • العرب.. الفرص والتحديات الحضارية

    العرب.. الفرص والتحديات الحضارية




    التجديد العربي

    أحمد شهاب

    نفخر عادة بأن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، وهي اللغة التي خاطب بها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أتباعه، وغذّاهم من خلالها بأفضل التعاليم الدينية والإنسانية، ونعتز كثيرا بأن لغتنا العربية شعرية وأدبية راقية، تحتوي على مفردات واسعة قل نظيرها في اللغات الأخرى، وهي أمور تستحق الفخر والاعتزاز بلا أدنى شك، ولكن ألا تستحق هذه اللغة أن تتحول إلى لغة علم أيضا؟

    وإذا كانت اللغة العربية قد احتضنت الرسالة السماوية، وكانت لغة الوحي السماوي، وانتشر من خلالها الإسلام إلى أنحاء المعمورة كافة، أفلا يدل ذلك على أن اللغة العربية ليست ضعيفة؟ وأنها لاتزال قادرة على استيعاب مختلف العلوم والمعارف الحديثة؟ ولاسيما أن اللغة العربية كانت في حقب ماضية لغة العلم والمعرفة الأساسية في العالم، وكانت مقصدا للراغبين في الاستزادة بأحدث العلوم والمعارف، وكان طلبة العلم يعمدون إلى تعلم اللغة العربية للقدرة على تلقي العلوم المنتجة باللغة العربية، لقد ابتكر العلماء العرب في يوم ما علم الجبر، وطوروا علم الكيمياء، وكانت لهم اكتشافات مذهلة في العلوم التطبيقية مثل قياس الزمن (المزاول والساعات)، والتوجه في المكان (الخرائط الجغرافية).

    لكن الدول والنخب العربية لم تكن أمينة على لغتها وعلومها، وأدت تصرفاتها وخمولها العلمي إلى ربط اللغة العربية بالتخلف والرجعية، طبقا لبعض الإحصاءات فإن 95 في المئة من الأبحاث العلمية التي يقدمها الباحثون العرب تُنتج باللغة الإنكليزية ثم بالفرنسية ثم بالألمانية، ولا يتجاوز ما ينتجونه باللغة الأم الـ 5 في المئة، حتى بات الحديث عن العرب والعربية مقرونا بالعجز والخيبة، بل أصبحا المثال الأبرز لهذا التخلف، فدولنا هي في الطليعة بين دول العالم المتخلف، أو العالم الثالث، ولا أعرف إن كان تصنيفنا لايزال ثالثا، أم انحدر إلى درجات أدنى؟

    التقدم والتأخر، الحضور والغياب، المواكبة والتأخر، لم تعد أسرارا غير قابلة للتفكيك، كما كان يُشاع في ثقافتنا العربية المتداولة، بل هي حقائق وأرقام تتحرك على الأرض، يحسمها عدد العلماء في كل مجتمع، ونوعية العلوم المتداولة، ودرجة اهتمام الدولة بتوفير مناخ العلم وبيئة الإبداع، ودور المجتمع المدني ومؤسساته في دعم هذه الحقول.

    لقد أسس علماء العرب قبل عشرات السنين نظام العد، واستعملوا الصفر فأحدثوا ثورة علمية، لكنهم ما لبثوا أن تحولوا على المستوى الحضاري إلى درجة الصفر، حيث يتخرج كل عام من الجامعات والمعاهد التدريبية الآلاف من الطلاب، يُغطون أغلب التخصصات العلمية والأكاديمية، من بينهم مئات المتفوقين علميا، لكن على أرض الواقع كم من عالم لدينا في فروع العلم المختلفة؟ وكم هو عدد المبدعين في مختلف الحقول العلمية؟ الإجابة، إن كان ثمة إجابة، مخجلة جدا، لكنها مفهومة بلاشك، فالدول العربية عازفة حتى الآن عن المنافسة والتحدي.

    وهذا العزوف هو الذي ربط قضية التعليم والتَّخرج بالوظيفة دون التفكير بما يُمكن أن يعقب عملية تلقي الطلاب للعلم وتخرجهم، فتحول التعليم إلى تلقين، وأصبح الاهتمام ينصب في تخريج الآلاف من الطلبة، وإقحامهم في الوزارات والمؤسسات بعيدا عن تقدير حجم الحاجة والمصلحة، وبالطبع من دون خطط مسبقة.

    هكذا أصبحت دولنا متخصصة في تخريج المدرسين والمشرفين والإداريين كل عام، حتى الذين يتوجهون إلى التخصصات العلمية المفيدة، غاية طموحهم الدخول في سلك التدريس. والطلاب المتفوقون لا يحلمون بأكثر من تطلعات أساتذتهم، بخاصة في الدول التي تمنح امتيازات مالية للعاملين في سلك التدريس أو الوظائف الإشرافية.

    لدينا الآلاف من حملة الشهادات العلمية المهمة، سواء في العلوم التطبيقية أم الإنسانية، لكن 99,9 في المئة منهم يعملون في حقل التدريس، أو في وظائف إدارية، وغاية ما يأملونه هو الحصول على مناصب أرفع، أو رواتب أكثر، ولدينا مثلا المئات من الأطباء العرب ومثلهم من المهندسين. النسبة العظمى منهم يؤدون وظائفهم بأساليب تقليدية جدا، ولا يفكر أحد منهم في تطوير تخصصه، أو طرح نظريات علمية جديدة ومفيدة، عوضا عن انعدام المساعي لاقتحام حقول الاكتشاف والاختراع، أما النسبة العربية المنتجة والمبدعة، فهي النسبة المهاجرة التي تفتقت عبقريتها في معامل الغرب وبين مختبراتهم العلمية.

    لدينا أيضا المئات من الدكاترة والمتخصصين في العلوم السياسية والاجتماعية، جُل همهم هو الالتحاق في سلك التدريس ونشر بعض المقالات الصحافية، ولا نكاد نجد لهم أثرا يُذكر في تطوير نظريات العمل السياسي، ولم نر أحدا منهم على رأس مراكز علمية لدراسة وتحليل وتطوير الثقافة السياسية في بلده، والطموحون منهم ينخرطون مبكرا في العمل السياسي، ودوامة الانتخابات والعمل البرلماني، ولا يخرجون منها إلا بعد أن يستهلكهم الزمن، ويحفر أخاديده على وجوههم، ويبلغون من العمر أرذله، وحينها تكون قد انطفأت لحظات إبداعهم الخلاقة، وتضاءلت قواهم البحثية، ولا يبقى لديهم ما يقدمونه للأجيال المقبلة أكثر من مذكراتهم السياسية، والتي تحمل في جعبتها قصصا وحكايات مسلية للتداول، لكن فائدتها العلمية صفر.

    يجب أن نوجه طلبة العلم في العالم العربي، ولاسيما المتفوقين منهم إلى حقول الإنتاج الحقيقية، وأن نشجعهم على الإبداع والابتكار، والدخول في ميادين البحث والتطوير. إن التدريس مهنة عظيمة، لكن الأعظم في هذا الوقت أن يتجه دارسو العلوم التطبيقية إلى مختبراتهم العلمية، ويقدموا خلاصات جهودهم على هيئة نظريات علمية واختراعات جديدة تضيف شيئا إلى رصيد الوطن، وهو أمر لا يتم من دون أن ندفع بالجامعات والمعاهد إلى التفاعل مع الشركات والمصانع للإسهام بعملية التنمية، والاستفادة من خبراتها من أجل نقل مجتمعاتنا من مرحلة استهلاك مُنتجات الآخرين إلى مرحلة المجتمعات المنتجة والمصنعة.

    والطموح إلى تمثيل المجتمع في الحزب، أو البرلمان، أمر جدير بالعناية، لكن الأجدى منه الانخراط في ميدان البحث العلمي، وتقديم أطروحات ومعالجات علمية وفكرية جديدة، ومد الحياة السياسية بالنظريات الحديثة، فتقويم مسيرة العمل السياسي، وأداء السلطتين التنفيذية والتشريعية لا يتمان عن طريق الانشغال فيهما من الناحية العملية فقط، بل عبر النظر إليهما برؤية علمية تقويمية أيضا، وهو أمر لا يستقيم في ظل دول ومجتمعات لا تشعر بالتحدي حتى الآن، ولا تدرك أنها مهددة في حاضرها ومستقبلها.

    [email protected]

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




يعمل...
X