إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

أخطر ما في عبّاس

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أخطر ما في عبّاس

    أخطر ما في عبّاس



    غسان شربل - الحياة


    أخطر ما في الرئيس محمود عباس هو انه ليس عاشق سلطة. لم يحارب من اجل الفوز بها. ولم يتآمر لتسقط ثمرة ناضجة بين يديه. لم يقتل منافسا ليزيحه من الطريق. ولم يلوّح بانشقاق ليفرض دوره او ليقتطع حصته. لا يعتبر ان الشعب اختاره مرة واحدة وإلى الأبد. ولا يزعم ان التاريخ كلفه مهمة لا يستطيع احد غيره الاضطلاع بها. وليس مستعدا لاستجداء الاحتفاظ بالأختام. ولا يقبل قتل رجل واحد من اجل ديمومة اللقب.

    اخطر ما في محمود عباس هو انه ليس جنرالا. ولا يخفي تحت ثيابه المدنية مطامع جنرال. وانه يعترف انه اصاب وأخطأ. ويمتلك القدرة على الاعتراف والتصحيح. وانه واضح ولا يخفي سياساته تحت اكداس من التعابير الانشائية والمفرقعات الخطابية. وانه قادر على القول إنه لم يخدع أحدا. لم يخدع الفلسطينيين الذين انتخبوه. ولم يخدع القادة الذين التقاهم.

    لا أمدح محمود عباس. لي مآخذ كثيرة على أداء السلطة في عهده. لكنني ألفت الى أخطر ما في هذا الرجل بحكم معرفة طويلة به. انه قادر على جمع أوراقه والمغادرة. يستطيع مخاطبة شعبه قائلا إنه حاول ولم تكن النتائج كما كان متوقعا. ويستطيع القول إن «حماس» لم ترحمه ولم تساعده. وإن «فتح» لم ترحمه ولم تساعده. وانه يترك للشعب الفلسطيني ان يختار من يكمل الطريق او يجرب طريقا آخر.

    ثمة ملاحظة لا بد منها. ان خيار التفاوض الحالي الذي ينتهجه «ابو مازن» هو خيار يحمل توقيع رجل اسمه ياسر عرفات. ويصعب تصديق ان عرفات كان مصابا بنقص في وطنيته. او انه كان مفرطا. ولولا ياسر عرفات لما كانت السلطة الفلسطينية تقيم على تراب فلسطيني. ولولاه لما كان اسماعيل هنيه يترأس اجتماعات حكومية ويحتفظ بالأسير الاسرائيلي غلعاد شاليت في مكان آمن.

    كان ياسر عرفات يتمنى ان يدخل الضفة الغربية برشاشه. وان ينسحب الاسرائيليون منها كما اندحروا من جنوب لبنان. لكن جنوب لبنان شيء والضفة الغربية شيء آخر. كان محمود عباس نفسه يتمنى ان يحرر الفلسطينيون ارضهم بالقوة لا بالمفاوضات. لكنه اعتبر ان موازين القوى لا تسمح بذلك. اعتمد خيارا يحمل توقيع قيادة منظمة التحرير وهو خيار اقره الشعب الفلسطيني حين اختاره رئيسا بعد غياب عرفات.

    أخطر ما في محمود عباس هو انه قادر على مغادرة موقعه. كانت تجربته في السلطة متعبة ومؤلمة. عدوانية اسرائيل ووحشية جيشها. وانحياز الولايات المتحدة. وتصارع بارونات «فتح» على إرث يعززون فرص ضياعه. واعتماد «حماس» برنامجا لا تغيب عنه اللمسة الاقليمية.

    لا يستطع أحد انكار اهمية «حماس» وتضحياتها وصفتها التمثيلية. لكن تجربتها في غزة تشير الى ان وضع مجمل الوضع الفلسطيني في عهدتها يعني العودة الى المربع الاول وفي ظروف اشد تعقيدا. ان قدرة «حماس» على احباط حل تفوق وبعشرات المرات قدرتها على ان تكون جزءا من حل. يعرف المسؤولون في «حماس» معنى هذا الكلام. مشكلتهم ليست فقط في الرفض الغربي. لديهم مشكلة جدية في علاقتهم داخل العالم العربي والاسلامي. لهذا يمكن القول إن من واجب «حماس» ان تقدم ما يساعد على ترتيب البيت الفلسطيني لا ان تنتظر انهياره لتتولى زعامته.

    لا حل الا بالعودة الى القدر الضروري من التواطؤ داخل البيت الفلسطيني. تحتل «حماس» الموقع الذي تستحقه ويتابع عباس محاولته دفع مبادرة السلام العربية الى الامام. واذا كان التواطؤ متعذرا فليتم الاحتكام الى صناديق الاقتراع. ان اي مغادرة لعباس في مطلع السنة الجديدة من دون ترتيب البيت الفلسطيني ستعني خسارة القضية الفلسطينية مكاسب سياسية وديبلوماسية كلفت عقودا من المعارك والجهود. وقد يختار العالم المنشغل بالازمة المالية تناسي الملف الفلسطيني مع ما يمكن ان يعنيه ذلك من يأس وعمليات انتحارية واطلالات لـ «القاعدة». وفي مثل هذه الاحوال ستستغل اسرائيل ما تسميه غياب المحاور لقضم مزيد من الارض
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X