إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الشامتون في مصائب أميركا: هل من رؤية للمستقبل؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الشامتون في مصائب أميركا: هل من رؤية للمستقبل؟

    الشامتون في مصائب أميركا: هل من رؤية للمستقبل؟



    البيان

    بقلم :سليمان الهتلان

    خلال جلسات قمة المجالس العالمية التي عقدت في دبي بداية الشهر الحالي (7-9 نوفمبر)، كان ثمة حقيقة صريحة ومؤكدة لدى أغلبية المشاركين في القمة: إننا إزاء عالم متغير، عالم يتغير باليوم الواحد على كل الأصعدة! وإن كانت الأزمة المالية العالمية، التي هيمنت على أغلب حوارات القمة، كانت شاهد عيان على التحولات العالمية السريعة في المشهد الاقتصادي تحديداً فإن شواهد التغيير السريع في عالمنا تأخذ أبعادا وأشكالا أخرى وما الأزمة المالية العالمية الراهنة إلا أحد أوجه التغيير السريع من حولنا.

    الإشكالية هنا أن التنبؤ بشكل العالم القادم صعب لسبب جوهري وهو سرعة وتيرة التغيرات العالمية وصعوبة التحكم بآليات وأسباب التغيير في عالمنا خاصة في ظل بروز قوى جديدة، من خارج دائرة المألوف.

    وفي ظل تسابق عالمي ضخم لامتلاك المزيد من أسرار التكنولوجيا وأدوات الاقتصاد الجديد. يؤكد الخبير الاقتصادي الأميركي الشهير محمد العريان، خلال مشاركته في فعاليات قمة المجالس العالمية، على أن الخمس السنوات القادمة ستكون سنوات عجاف على الاقتصاد العالمي، مما يتطلب من الجميع شد الأحزمة وتغيير أساليب الحياة والإنفاق، ثم يخرج تقرير من واشنطن يؤكد أن القوى العالمية القادمة (خلال العشرين سنة المقبلة) ستكون موزعة ما بين الصين والهند وربما إيران.

    لكن استغلال مثل هذا التقرير والقفز إلى الخلاصة بأن ما يحدث اليوم هو بداية النهاية لقوة عظمى مثل الولايات المتحدة الأميركية لن يخرج عن دائرة الأماني أو التشفي وفي ذلك تضليل للذات والآخرين. هناك فرق كبير بين الأماني والحقائق على الأرض.

    وهناك فارق بين «الكساد» الاقتصادي و«الانهيار» الكامل للبنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تقوم عليها قوة الشعوب ومكانتها. فحتى في ظل الأزمة الراهنة التي يمر بها الاقتصاد الأميركي، لا تزال تجارب الماضي القريب تؤكد على أن المجتمع الأميركي، بمرونته في التكيف مع التغيير وديناميكية الأنظمة التي تحكم مشهده السياسي، قادر على النهوض سريعاً من أي «كبوة».

    ألم يقال إن أميركا إذا عطست مرض العالم كله؟ هكذا تؤكد الأزمة المالية الحالية إذ أن تراجع الاقتصاد الأميركي بنسب لا تتجاوز 20 % أربك اقتصاديات العالم أجمع وأقلق الآلاف من الشركات وأهل المال في العالم كله. صحيح أن أزمة الاقتصاد العالمي الراهن كان من أهم أسبابها أخطاء جسام في إدارة الاقتصاد الأميركي ومن أهمها.

    كما يقول الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام الأميركي بول كروغمان، بقاء آلن جرينسبان في منصبه رئيساً لمجلس الاحتياط الفيدرالي لـ 19 سنة رافقها حالة من «القداسة» لكل خطوة يخطوها وقاد إلى الوهم بأن الرجل لا يمكن أن يخطئ فتمادى في غروره وعناده وبالتالي إصراره على سياسات مالية قادت إلى الأزمة الراهنة.

    وصحيح أن إدارة جورج بوش الحالية قد ارتكبت من الأخطاء (بل قل الحماقات) ما أفقد حتى كثير من الأميركيين ثقتهم في قيم آمنوا بها مثل قيم العدالة والمساواة والحرية والإبداع إلى أن اكتشفوا أن العالم ؟ أو أغلبه ؟ لم يعد يطيق حماقات واشنطن مما شكل موقف عالمي سلبي تجاه أميركا. وصحيح أيضاً أن دولاً كانت في صف دول العالمين الثاني والثالث بدأت تزاحم دول العالم الأول اقتصاديا وعسكرياً وقد تنافس قريباً أميركا خاصة على الصعيد الاقتصادي.

    كل ما سبق لا يمكن أن يلغي الحقيقة المهمة وهي أن أميركا ما زالت قوة عظمى وقادرة على الريادة العالمية لسبب أساسي وهو أنها بلاد تعطي مساحة واسعة للتفكير الحر والإبداع والحرية وفيها مجتمع حي يستطيع تجاوز عقد الماضي القريب والبعيد وجراحاته ويعيد صياغة مشهده السياسي وفق لغة ومنطق العصر وما انتخاب باراك أوباما رئيساً لأميركا سوى دلالة جديدة على حيوية المجتمع الأميركي وتجدده.

    لتنهار عنجهية أميركا وغرورها وحماقاتها السياسية ولكن هل من مصلحة العالم أن تنهار مؤسسات أميركا الطبية والجامعية والعلمية والصناعية؟ غريب أمر بعض العرب الشامتين بما يحدث للاقتصاد الأميركي اليوم إذ يأخذهم كرههم لسياسات أميركا الخارجية (و هو كره مبرر في أغلب أوجهه) إلى تجاهل حقيقة أن أول المتأثرين سلباً بهزات أميركا الاقتصادية هم العرب اللذين يبيعون نفطهم لأميركا ويرسلون مرضاهم لمستشفيات أميركا ويبعثون أولادهم لجامعات أميركا ومعاهدها!

    ويبقى السؤال المهم: كيف نخطط نحن العرب للعشرين سنة القادمة؟ هل نقضيها شماتة في أميركا أو غضباً منها ولعناً لسياساتها؟ ألم نمل بعد من كثر ما شتمنا أميركا واتهامها بأنها وراء أوجاعنا وفقرنا وحروبنا وخلافاتنا؟ وهل نظل نتفرج على دول مثل الصين والهند وإيران وكوريا تتنافس بقوة على منافسة أميركا في مواقع الصدارة؟ أم نبقى نحقد على من يسعى ؟

    من بني جلدتنا ؟ لإيقاظ همم شبابنا نحو المنافسة والعمل الحثيث من أجل تنمية إنسانية خلاقة عساها تساعد أجيالنا القادمة على البقاء في عصر مختلف ومليء بكل أشكال التحديات؟ أم نواصل شتائمنا وتهمنا ضد كل من يركض نحو الإصلاح والتغيير ونكيل له تهم العمالة والخيانة و«الانبهار» و«جلد الذات»؟

    إن المؤكد إن «سقوط أميركا» ـ كما يحلم البعض بين ظهرانينا ـ حتى لو تحقق لن ينهي كل مشكلاتنا في العالم العربي ولن ينقلنا من صفوف التخلف والجهل إلى مواقع الصدارة والمنافسة. مشكلتنا ليست في نبوغ أميركا أو سقوطها. وليست في بريطانيا أو روسيا. وليست في الهند أو الصين.

    وليست في فنزويلا أو كوريا. مشكلتنا أننا كما فشلنا في قراءة التاريخ ما زلنا فاشلون في قراءة الواقع وفهم ما يحدث هنا وهناك. مشكلتنا أننا منشغلون بماضي لم نقرأه جيدا كي نفهمه وبواقع مليء بالكذب والتزوير حتى إذا ما وقعت الواقعة عدنا نتغنى بالماضي ونلعن أميركا!

    وفي ظل تعاملنا مع الأزمة الراهنة وما سيتبعها، يؤلمني أن أسأل: هل ندرك فعلاً إننا نعيش في عالم سريع التغير وليس أمامنا الآن سوى مواجهة حقيقية مع أنفسنا وطرح الأسئلة المهمة والملحة؟ هل نحن عملياً قادرون على فهم ما يحدث حولنا؟ وهل ندرك فعلاً حجم التحديات القادمة وخطورتها؟ وهل نحن مؤهلون أن نخوض في غياهب المستقبل وأعاصيره؟

    كم تمنيت ألا أسأل: هل نحن جديرون بالمستقبل؟

    كاتب ومستشار إعلامي

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




يعمل...
X