إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ماذا لو قبلت إسرائيل المبادرة العربية؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ماذا لو قبلت إسرائيل المبادرة العربية؟

    ماذا لو قبلت إسرائيل المبادرة العربية؟



    حسن نافعة - الحياة


    سؤال قد يرى البعض أنه بني على افتراض نظري بحت، وربما يعكس شطحة خيال لا علاقة لها بما يجري على أرض الواقع، أكثر مما يعبر عن حقائق، ومن ثم فهو سؤال ليس في محله ولا يستحق الالتفات إليه أو الانشغال به. غير أنني أسمح لنفسي أن أختلف مع وجهة النظر هذه وأعتقد بأنه، على العكس، سؤال جاد يأتي في وقته ويستحق اهتمام العرب وانشغالهم به منذ الآن. فإسرائيل تواجه خيارات صعبة تفرض عليها أن تعيد حساباتها، وليس من المستبعد أن يفرز الجدل الدائر حول هذه الخيارات، خصوصاً داخل المؤسسة العسكرية، حال مخاض قد تفضي إلى تغيير جوهري في السياسات الإسرائيلية والقبول في نهاية المطاف بالمبادرة السعودية التي تحولت إلى مبادرة عربية أقرتها قمة بيروت عام 2002 كأساس للتسوية.

    شواهد كثيرة تدفعني إلى هذا الاستنتاج، ربما كان أهمها تصريحات وردت في حديث مطول أدلى به إيهود أولمرت للصحافيين الإسرائيليين، ناهوم بارميا وسيمون شيفر، ونشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» ليلة رأس السنة اليهودية ونشرت مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» مقتطفات منه، مترجمة إلى الإنكليزية، في عددها الأخير. فللمرة الأولى في تاريخ إسرائيل يجرؤ رئيس للوزراء على مطالبة مواطنيه، علناً وبالعبرية وفي رسالة موجهة للداخل قبل الخارج، بالتخلي نهائيا عن أحلامهم القديمة في إقامة دولة إسرائيل الكبرى أو التمسك بالقدس عاصمة أبدية وموحدة للدولة المنشودة، مؤكداً أنه آن الآوان للتفكير جدياً في ترسيم حدود دائمة ونهائية لدولة إسرائيلية تكون قابلة للاعتراف بها دوليا ويستطيع المجتمع الدولي أن يتعامل معها كدولة عادية. وفي ما يتعلق بأولمرت نفسه، من الواضح أنه بات يدرك الآن أن على إسرائيل أن تقبل بحدود العام 1967 كحدود دائمة ونهائية، وأن تعوض الفلسطينيين بمساحة مماثلة تماما لمساحة الأرض التي أقيمت عليها الكتل الاستيطانية الكبرى في حال الإقرار بضرورة ضم هذه الكتل إلى الدولة العبرية.

    أدرك أن هناك من سيقابل تصريحات كهذه بابتسامة ساخرة، وقد لا يتورع البعض عن اتهامي صراحة بالسذاجة لتعاملي معها على محمل الجد. فأولمرت لم يتحدث على هذا النحو إلا بعد اضطراره الى تقديم استقالته وبعد أن أصبحت أيامه في السلطة معدودة، ما يوحي بأن ما قاله مجرد كلمات جوفاء تخلو من أي مضمون ولا معنى لها أو هدف سوى تسجيل مواقف مجانية في الوقت الضائع، ربما بدافع إبراء الذمة، ومن ثم لا يجوز التعامل معها باعتبارها معبرة عن سياسة إسرائيلية رسمية. غير أنني أعتقد أن الأمر أعمق من ذلك بكثير وأن تصريحات أولمرت تعكس حالة أزمة حادة تعيشها إسرائيل منذ سنوات، وهي أزمة تفاقمت كثيراً بعد أن منيت بهزيمة غير متوقعة أمام «حزب الله» في حرب 2006. وربما لا يكون في مقدور أحد أن يعبر عن تلك الأزمة بمثل هذا الوضوح والصراحة سوى سياسي ذاهب لم يعد لديه ما يفقده أو يحرص عليه، ولا يستطيع أحد أن يشكك في عمق ولائه لإسرائيل. فمن المعروف أن أولمرت قضى حياته السياسية كلها في صفوف اليمين المتشدد وكان في طليعة المدافعين باستماتة عن إسرائيل الكبرى طوال حياته. ويبدو أن كثيرين غير اولمرت بدأوا يدركون أن الخيارات المتاحة أمام إسرائيل بدأت تضيق وباتت محدودة تماما ولم تعد تخرج في الوقت الراهن عن أحد بديلين:

    البديل الأول: الاستعداد لحرب جديدة، يصعب حصر نطاقها هذه المرة، وبالتالي ستكون حرباً شاملة ومتزامنة على سورية و «حزب الله»، وربما إيران أيضا. وعلى رغم أن أولمرت يبدو واثقاً من قدرة إسرائيل على كسب أي حرب جديدة، خصوصا في مواجهة جيوش نظامية، إلا أنه يدرك تماما أن أي انتصار عسكري آخر، حتى ولو كان في حجم انتصار 1967، لن يغير شيئا من حقائق السياسة على الأرض. فأي تسوية مع سورية، سواء قبل الحرب أو بعدها، لن تتم إلا بإعادة الجولان كاملة، وبالتالي فمن الأفضل، في سياق كهذا، توفير الموارد البشرية والمادية التي ستضيع هدرا والشروع في تسوية مع سورية من دون مضيعة للوقت.
    البديل الثاني: استمرار الوضع الراهن، أي حالة اللاسلم واللاحرب، على ما هي عليه. ويرى أولمرت أن استمرار الوضع الراهن أصبح مكلفا لجميع الأطراف، وعواقبه ليست مضمونة. ولأنه يصعب الحفاظ عليه إلى ما لا نهاية، فسوف ينتهي إن آجلا أو عاجلا إما بحرب جديدة، لن تفضي إلى تغيير في الشروط المطروحة الآن للتسوية، وإما بالتفاوض بحثا عن تسوية بالشروط ذاتها!

    وأمام صعوبة اعتماد أي من هذين البديلين كسياسة دائمة، خصوصا أن كليهما يحمل في طياته بذور صدام محتمل مع إدارة أميركية جديدة تنشد التغيير وتتطلع لتحسين صورة الولايات المتحدة في العالم، يبدو أن النخبة الإسرائيلية المعبرة عن كتلة الوسط باتت أكثر استعدادا لقبول تسوية مع سورية تعيد إليها الجولان كاملة، وتسوية مع الفلسطينيين تعيد إليهم الضفة الغربية وغزة بعد تعديلات طفيفة في الحدود تسمح بمبادلة الكتل الاستيطانية الكبرى بمساحات مماثلة على الناحية الأخرى وبقيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح. وإذا صح هذا الاستناج فمعنى ذلك أنه ليس من المستبعد مطلقا أن يؤدي فوز تحالف اليسار والوسط بالانتخابات المقبلة إلى التسريع فورا بوتيرة المفاوضات الجارية حاليا مع كل من سورية والسلطة الفلسطينية، في مرحلة أولى، تمهيدا للإعلان عن قبول إسرائيل رسميا للمبادرة العربية، في مرحلة لاحقة.

    هنا لا بد أن يثور السؤال المهم التالي: هل بات العالم العربي جاهزاً لمثل هذه الاحتمالات، وهل هو مستعد للتعامل مع ما تتطلبه من استحقاقات؟ وفي اعتقادي أن العالم العربي ليس جاهزا أو مستعدا لشيء من ذلك، ولأسباب كثيرة أهمها:

    1- ان الثمن الذي ستكون سورية مطالبة بدفعه، في مقابل تخلي إسرائيل عن الجولان، لن يكون أقل من قيامها بتقديم ضمانات مؤكدة تفيد بتخليها عن تحالفاتها الإقليمية، خصوصا مع إيران و «حزب الله» و «حماس».
    2- ان الثمن الذي ستكون السلطة الفلسطينية مطالبة بدفعه، في مقابل تخلي إسرائيل عن الضفة والقبول بدولة فلسطينية، لن يكون أقل من تقديم ضمانات بقدرتها على السيطرة على مجمل الأراضي التي ستقوم عليها الدولة الفلسطينية المرتقبة، حتى ولو أدى الأمر إلى احتمال القيام بعمل عسكري منسق مع إسرائيل لتصفية «حماس» ورفع قبضتها عن قطاع غزة.
    3- ان الثمن الذي سيتعين على الأطراف العربية الأخرى دفعه، مقابل عودة إسرائيل إلى حدود 1967 وتقسيم القدس، لن يكون أقل من القبول بالتخلي عن حق العودة وتقديم التسهيلات اللازمة للمساعدة على توطين اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم إن لزم الأمر.
    ولأن فوز الائتلاف الحالي في إسرائيل بالانتخابات الإسرائيلية ليس مضموناً أو مؤكداً، يمكن القول إن الصراع العربي - الإسرائيلي مرشح للتطور في المرحلة المقبلة وفق أحد سيناريوهين:

    السيناريو الأول: تمكن اليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة نتانياهو من حسم الانتخابات المقبلة لمصلحته، وهو ما سيعني إغلاق الباب أمام أي فرص حقيقية للتسوية. وفي هذه الحالة فلن يكون أمام نتانياهو سوى الاختيار بين بديلين: التجهيز لحرب جديدة ضد إيران وسورية و «حزب الله» وفصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة، أو، وهذا هو الاحتمال الأرجح، الإبقاء على السياسات الراهنة من دون تعديل يذكر.

    وفي تقديري أن النظام الرسمي العربي، بتركيبته الحالية، اعتاد على هذا الوضع وأصبح يتقن التعامل معه، وهو وضع يريحه في حقيقة الأمر، لأنه لا يفرض عليه إحداث تغييرات جوهرية في سياساته المتبعة حاليا، خصوصا أنه ينطوي على احتمال ظهور توترات متنامية في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية قابلة للاستغلال في سياق محاولاته الدؤوبة للافلات من مطالب واستحقاقات الإصلاح السياسي. لكنه وضع خطر يهدد النظام العربي على المدى الطويل.

    السيناريو الثاني: فوز التحالف الحالي في الانتخابات المقبلة وتشكيل حكومة جديدة تقتنع بأن التعامل الإيجابي مع مبادرة السلام العربية هو الخيار العقلاني الوحيد المطروح أمامها في المرحلة المقبلة، خصوصا في ظل إدارة أميركية جديدة وصلت إلى السلطة تحت شعار التغيير، وبالتالي بدء مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ «هجوم السلام الإسرائيلي».
    وفي تقديري أن النظام العربي ليس مهيأ أيضا، بتركيبته الحالية، للتعامل بفاعلية مع تطور من هذا النوع قد يكون هو الأخطر في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي وفي تاريخ المنطقة، وذلك لسببين:

    الأول: أن كلفة السلام وفق المبادرة العربية ستكون باهظة جدا بالنسبة إلى النظام العربي الرسمي بقيادة «معسكر المعتدلين»، لأنها قد تعني دفعه إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع «معسكر ممانعة» ستقوده إيران منفردة حتى لو خرجت منه سورية، وهو أمر قد يفضي إلى نتائج خطيرة وينقل المعركة إلى قلب العالم العربي من دون أي ضمانات بسلام حقيقي في نهاية المطاف.
    الثاني: أن العالم العربي سيدخل مرحلة «السلام» المقبلة وهو في أشد حالاته انقساما وضعفا. فقيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح على الأرض المحتلة بعد 1967 وعودة الجولان إلى سورية ومزارع شبعا إلى لبنان، لن تفضي بالضرورة، خصوصا إذا لم تحل مشكلة اللاجئين، إلى تحقيق الاستقرار المنشود في منطقة يخيم عليها شبح حروب أهلية بسبب الانقسامات الطائفية والعرقية والقبلية، وتتسم بأعلى معدلات الأمية والتفاوت الطبقي في العالم. وتطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل سيؤدي إلى تغيير هائل في نمط التفاعلات الإقليمية ستكون إسرائيل هي المستفيد الأكبر منه. ولأنه لن يكون من مصلحة إسرائيل أو الولايات المتحدة الدفع بأي حال من الأحوال في اتجاه إصلاحات سياسية يخشى أن تدعم نفوذ التيارات المتشددة أو الرافضة لتسوية وفق هذه الشروط، فمن المتوقع أن تزداد الفجوة بين الحكام والمحكومين اتساعا، وهو ما ينذر بمزيد من دواعي عدم الاستقرار.
    في سياق كهذا، يبدو لي أن العالم العربي ليس مهيأ بعد لتسوية قابلة للدوام مع إسرائيل ولم يدرس بعد بما فيه الكفاية كيف ستكون عليه تفاعلات المنطقة في حال قبول إسرائيل لمبادرة السلام العربية. وفي تقديري أن العالم العربي سيدخل في حال من الفوضى العارمة بمجرد قبول إسرائيل هذه المبادرة إذا استمرت أوضاعه على ما هي عليه. فإسرائيل قد تتخلى بموجب هذه المبادرة عن مساحات من أراض عربية تحتلها لكنها ستستعيض عن ذلك باحتلال موقع القيادة في مراكز صنع القرار في العالم العربي وفي منطقة الشرق الأوسط ككل.

    لذلك أعتقد أنه لا مناص أمام النظام الرسمي العربي من السعي بجدية إلى إعادة ترتيب أوراقه لمرحلة دقيقة من مراحل تطور النظامين الدولي والإقليمي تستدعي منه أكبر قدر من اليقظة. فقد سقط مشروع الهيمنة الأميركية المنفردة على العالم، لكن الولايات المتحدة لم تسقط أو تتفسخ بعد، كما حدث للاتحاد السوفياتي، وبالتالي بات عليها أن تقبل بمزاحمة لاعبين جدد على المسرح الدولي. وفي سياق كهذا، من الطبيعي أن يتهيأ لاعبون دوليون وإقليميون جدد للمشاركة في بناء نظام عالمي وشرق أوسطي جديد يأمل كل منهم أن يسهم بفاعلية في صياغته وفي تبوؤ مكان لائق فيه. وما لم يتمكن العالم العربي من إعادة ترتيب أوراقه للمشاركة في صياغة هذا النظام فقد لا تقوم له قائمة بعد اليوم.


    * كاتب مصري
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X