Announcement

Collapse
No announcement yet.

ضاع ملفي، وأشياء أخرى

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • ضاع ملفي، وأشياء أخرى

    ضاع ملفي، وأشياء أخرى

    بدرية البشر - الحياة

    في أحد المؤتمرات العلمية خرجت من الصالة للبهو لأحضر لي كوباً من الشاي فوضعت ملف أوراق جلدياً على الطاولة وذهبت لأحضر شاياً وعندما عدت لم أجد ملفي، سألت موظفة العلاقات العامة عن ملف كان هنا على الطاولة، قالت لي وهي تفتش معي عنه: لا بد أنه سرق. قلت لها: لا لا أظن. أظن أن أحداً ما قد أخذه بالخطأ. أصرّت الموظفة أنه سرق، ثم قالت لي: سنعطيك غيره. قلت لها لا سأفتش عنه لأن الملف يحوي مسودات كتبتها بداخله، لكنني بعد دقائق تركت البحث عنه وذهبت للغداء واعتبرت أن ما فقد لا يورث الحسرة.

    على الغداء وقفت فوق رأسي موظفة العلاقات العامة مثلما يفعل المتحري كولمبوس قائلة: هل هذه هي أوراقك التي تفتشين عنها؟ كانت أوراقي صفراء اللون فعرفتها، وأخذتها. قالت لي كولمبوس: ألم أقل لك إنها سرقت، لقد رماها السارق على المدخل بعد أن أفرغ الملف وأخذه، حزنت لأنني خسرت نقطة من رصيد حسن ظني، بينما سعدت كولمبوس لأنها فازت باحتمالها الأول في تشخيص الحادثة على أنها سرقة.

    تملكني العجب لأن مؤتمراً مختصاً كهذا، مقاماً في صالة تابعة لفندق وليس في حارة شعبية، يوجد فيه عابث يفتش عن غنيمة ولا يفلتها ولو كانت ملفاً جلدياً لا ينفع سوى المثقفين والكتاب، فكرت ودائماً ما أفكر في مرحلة كنت وقتها في الجامعة في منتصف الثمانينات، وكنا نضطر لعدم وجود رفوف ولا صناديق لحفظ الأغراض الشخصية في الجامعة، لرمي حقائبنا على الأرض بجوار بوابة المكتبة، وحين نخرج نجد حقائبنا من دون أن نفقد منها شيئاً، فهل كان ذلك، لأننا في ذلك الوقت كنا من طبقة الطلبة الفقراء الذين لا تغري حقائبهم بالتعرض للسطو فلا مالاً نخبئه ولا جوالات؟

    اليوم الماشي في حديقة أو متجر عليه أن يقبض بيديه على أغراضه الشخصية لأن الجوالات تسحب بخفة من الجيوب المكشوفة، والمحافظ لا تنتظر إذا ما غفلت عنها ثانية، بل إن اختطاف جوال من أذنك، صار من القصص التي تسمعها كثيراً هذه الأيام، وعليك أن تحمد الله على السلامة وتعمل بالمثل القائل «لا سلم العود كل شي يعود»، فما الحكاية؟ كنا في الثمانينات ندرس أن السرقة حرام والأمانة فضيلة، لا أكثر ولا أقل، وإذا وجدت ممتلكاً لا يخصك سلمه للمفقودات، بعد ذلك انطلقت جيوش الصحوة، فلم تدع منعطفاً من دون أن تزرعه بالعذابات وأهوال القيامة وحتى في الأعراس لا يخرج محتفل من دون أن يحمل شريطاً وكتيباً مجانياً يحدثك عن القيامة والنار ومصير الإنسان الآثم بمبالغة تسرق طمأنينتك وتجعلك تتوخى أن تدخل بيتك بالرجل الشمال، أو تدخل الحمام برجلك اليمين، لكننا على رغم هذا صرنا لا نأمن أن نترك ملف أوراق في صالة علمية أو «فلاش ميموري» في مكتبة عامة، فما الذي حدث؟ لماذا لم تفلح جيوش الصحوة بمدرعاتها الخطابية، والصراخ على منابرها، وموازنتها الهائلة، في خلق مجتمع فاضل؟ هل لأن البرامج التربوية في الأسرة والمدرسة ونظامنا الأمني في تراجع وضعف، أم لأن الخطاب الإسلامي هو من اختطف البرامج كلها وجعل أولوياته ليس تهذيب الإنسان كفرد ومواطن منسجم مع قيم المجتمع وأمنه، بل عسكرته وتجييشه ضد الآخر ورفض نظم الدولة الحديثة، لنصل إلى ما وصلنا إليه اليوم؟ وهل ما ضاع هو مجرد ملف؟
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X