معاني تقلص الأمية السعودية من 60 إلى 13%



الوطن

شاكر النابلسي

التقارير المتتابعة للأمم المتحدة عن التنمية البشرية في العالم العربي 2002-2009 تقول بمجملها، إن العالم العربي أصبح في ذيل القائمة؛ أي في قاع العالم. وهذا وصف ليس مجازياً، ولا هو من شاعر ساخط على أمته، ولا هو من سحر البيان العربي المعتاد، ولكنه وصف حقيقي مُدعَّم بالأرقام والحقائق والوثائق.
حقائق يجب أن نعيها
كان آخر تقرير للأم المتحدة عن التنمية البشرية في العالم العربي لعام 2009 لا يختلف عن التقرير الأول 2002 كثيراً، مما يدل على أن العالم العربي لا يتحرك إلى الأمام ولا إلى الشمال أو اليمين. وهو كما يقال، "محلّك سر" وبالخطوة البطيئة جداً.
كذلك، تقول لنا تقارير الأمم المتحدة منذ 2002 إلى 2009 إن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد في مجمل البلدان العربية – ما عدا الدول المنتجة للنفط - أقل من متوسط منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، وإن معدل نمو الناتج للفرد العربي في الربع الأخير من القرن العشرين كان من أقل المعدلات في العالم!
إنني اعتبر – كما اعتبر قليلون غيري – أن هذه التقارير أخطر وصف، وأدق مصدر لحال العرب، صدرت في تاريخ الأمة العربية. فلم يسبق لتقارير "حُرة" أن صدرت في يوم من الأيام بحق الأمة العربية، تكشف عوراتها، وتعريّها أمام نفسها وأمام العالم، كما فعلت هذه التقارير، بعيداً عن سلطة الخلفاء، وطغيان السلاطين، وتلفيق الديكتاتوريين.
هل نحن طواويس بلهاء؟
لقد اعتدنا منذ قرون طويلة حتى الآن، أن نقول على لسان شعرائنا، أن لنا صدر العالمين أو القبر، وننتفخ أمام الآخرين كالطواويس البلهاء، وكأننا أرباب الأرض، ولا أرباب غيرنا. ومن يرى بعض الزعماء والسياسيين العرب كيف يمشون، وكيف يجلسون، وكيف يتحدثون بثقة، وفخر، واعتزاز، وكبرياء، وأنفة، يحسب أنهم فعلاً قد فتحوا السند، وأخضعوا الهند، وملكوا الأرض وما عليها من معرفة، وعلم، وقوة، وسؤدد، رغم أن تقارير التنمية الإنسانية، تقول لنا إن متوسط معدل النمو في الدخل الحقيقي للفرد في البلدان العربية – باستثناء دول إنتاج النفط - في الربع الأخير من القرن العشرين كان يُقدَّر بحوالي نصف في المئة في السنة. وهذا يعني أن العالم العربي لو استمر بمسيرته "المباركة" على هذا المعدل، فإن على المواطن العربي أن ينتظر 140 عاماً لكي يضاعف دخله!
أسباب الأزمة التنموية العربية
تعزو ريما خلف الوزيرة الأردنية السابقة، ومساعدة الأمين العام للأمم المتحدة، والمديرة الإقليمية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وأبرز المشرفين على إعداد تقارير الأمم المتحدة للتنمية البشرية في العالم العربي أسباب الأزمة التنموية في المنطقة العربية إلى نواقص ثلاثة:
1- النقص في الحريات، حيث إن المواطن العربي، هو الأقل استمتاعاً بالحرية مقارنة مع مناطق العالم السبع.
2- النقص في تمكين المرأة من ممارسة حياتها وحقوقها، حيث إن مشاركة المرأة السياسية والاقتصادية في المنطقة العربية متدنية بشكل كبير.
3- نقص المعرفة.
وهناك بعض الباحثين كعباس شبلاق، من يزيد على هذه النواقص الثلاثة بنقيصة أخرى، وهي عدم وجود العامل البشري كعنصر أساسي في قضية التنمية. وبالتالي فهناك ما يبرر الاهتمام في إمكانية الإبداع في مجتمع من المجتمعات؛ أي الإبداع في داخل مجتمع إلى حد بعيد. وليس هناك من سبيل آخر توصلت إليه الإنسانية حتى تبدع غير الحرية والديمقراطية. وهذه المسيرة التاريخية ليست خاصية فينا في المنطقة. ويؤيد شبلاق في هذا محمود عبدالفضيل الباحث الاقتصادي المصري، الذي يُركِّز على أثر العامل البشري، وتنظيمه، وحُسن استغلاله في التنمية.
الأُميّة مربط الفرس!
إن أهم ما تطرحه تقارير الأمم المتحدة في مجال التعليم، كان عن وضع الأُميّة في العالم العربي. وقبل الخوض في هذا الموضوع، علينا أن نتذكر دائماً، ونضع هذا التذكار حَلَقاً في آذاننا، بأن الدول الآسيوية التي كانت تنتمي إلى نادي العالم الثالث، ثم قفزت فوق أسوار هذا النادي، ووقفت إلى جانب دول العالم الأول، لم تتقدم تنموياً إلا بعد أن قضت على الأُميّة قضاءً مُبرماً، وارتقت بمستواها التعليمي ارتقاءً نموذجياً. ومن هذه الدول سنغافورة، وكوريا الجنوبية، واليابان. والآن التنين الصيني الرهيب. ورغم أن كوريا الجنوبية، واليابان، ما زالتا محتلتين من قبل القوات الأمريكية ذات القواعد العسكرية هناك منذ نصف قرن، إلا أن ذلك لم يكن (قميص عثمان) الذي يُرفع عند كل منعطف تخلف.
معاني تقلُّص نسبة الأمية
في أبريل الماضي بيَّنت نائب وزير التربية والتعليم لشؤون البنات نورة الفائز، أن نسبة الأميّة في السعودية قد تقلَّصت خلال ثلاثين عاماً من 60% عام 1980 إلى 13% عام 2009، موضحةً أن الاهتمام بتعليم الكبار في المملكة يتماشى مع الاهتمام العالمي بهذا النوع من التعليم.
ورغم صغر هذا الخبر، بحيث لم يهتم به كثيرون من المعلقين وكتَّاب الأعمدة اليومية والأسبوعية في الصحافة السعودية والعربية على السواء، إلا أن هذا الخبر، وهذه الخطوة الحضارية لها معان كثيرة، نوجزها فيما يلي:
1- إن المملكة أدركت أن التنمية دون المعرفة، هي أصوات في واد ونفخ في الرماد. فالتنمية الحقيقة تعني زيادة المعرفة، وطريق المعرفة هي التعليم بمحو الأميّة الأبجدية، ثم الأبجدية الثقافية، ثم أبجدية الإنترنت، وهي الأبجدية الجديدة.
2- إن المزيد من الاستثمار في التعليم، هو الاستثمار الأمثل في المستقبل، وهو أسلم أنواع الاستثمار، ومن أكثر عوائد الاستثمار على الوطن عامة. حيث لا خسائر معه، وإن لم تكن هناك أرباح.
3- إن النوازل والكوارث والبلاء لا يتأتى من الشعب العارف، بقدر ما يتأتى من الشـعب الجاهـل. وقـد أثـبت لنا تاريخ العرب الحديث، أن أكثر المناطق العربية جهلاً، كانت أكثرها بلاءً بالكوارث والنوازل.