هل تختفي البطالة بالأساليب التقليدية؟!




الاقتصادية

د. رشود الخريف

لا يزال معدل البطالة في المملكة يلامس 10 في المائة من إجمالي القوى العاملة السعودية أو يزيد، ولا تزال أعداد المتعطلين عن العمل تربو على 400 ألف متعطل ومتعطلة، ولا يزال معدل البطالة بين النساء السعوديات يقترب من ثلث القوى العاملة النسائية (28.4 في المائة). وهذا يُعد مرتفعاً بالمقاييس الدولية، وإذا ما قورن بالدول المتقدمة التي تأثرت بالأزمة المالية العالمية أو حتى كثير من الدول النامية، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة تستقبل عمالة من الخارج لسد النقص في متطلبات سوق العمل. واستمرت البطالة عند هذه المستويات فترة طويلة تقارب العقدين من الزمن، على الرغم من الجهود المشكورة التي تبذلها وزارة العمل والجهات الأخرى ذات العلاقة.

أعتقد أن الآليات للحد من البطالة في عصر المعلومات ومجتمع المعرفة لم تعد كما كانت في الماضي، بل لا بد أن تكون مختلفة. فلم يعد من المفيد أن تقوم الدولة بتوفير 400 ألف فرصة عمل فقط، لماذا؟ لأن توفير هذا العدد لن يلبي حاجة سوق العمل إذا لم يمتلك هؤلاء الموظفون الجدد المهارات المطلوبة لسوق العمل في اقتصاد أضحت المعرفة تلعب دوراً كبيراً في أنشطته، وبالتالي، لن يسهم هذا الحل التقليدي المؤقت في تقليل أعداد العمالة الوافدة، ولن يرفع القدرة التنافسية للاقتصاد السعودي .. إذاً ما الحل؟!

ربما يقول أحد القراء الأعزاء: أليس التدريب حلاً؟ أقول: نعم، يمكن أن يساعد على تخفيف المشكلة وتهيئة الشباب لمتطلبات سوق العمل، لكن لن يكفي وحده. وقد يقول آخر: إن التأكيد على أخلاقيات العمل وغرس مفاهيم العمل لدى الشباب كفيل بالحد من المشكلة، وثم ربما يضيف ثالث: الحل في التركيز على التخصصات الجامعية التي تحتاج إليها سوق العمل، وأقول: نعم، إن هذه الإجراءات ضرورية، وستساعد، لكنها لا تكفي وحدها. احتياجات سوق العمل أصبحت متجددة ومتغيرة في عصر ما يُعرف بـ «اقتصاد المعرفة»، فما يتدرب عليه العامل اليوم، يصبح قديماً في الغد.

إن المطلوب إدخال مفهوم صناعة المعرفة وتعزيز مبدأ تقبل التغيير المستمر في مجال العمل والتكيف معه في مناهج الجامعات ومعاهد التدريب، إذا ما أردنا أن تكون القوى العاملة الوطنية فاعلة ومنافسة وتلبي احتياجات سوق العمل المتجددة، وإلا فستبقى أعداد المتعطلين عن العمل كبيرة، إن لم تكن متزايدة مع تزايد الحاجة إلى العمالة الماهرة التي تتكيّف مع الاحتياجات المتجددة لأسواق العمل.

فكما يقول أحد العلماء: «ليس أقوى الكائنات هي التي تعيش ولا أكثرها ذكاء، وإنما أكثرها استجابة للتغيير». وهذا هو ما ستواجهه القوى العاملة في عصر المعلومات واقتصادات المعرفة.

إذا لا بد إلى جانب التدريب والتعليم وغرس قيم احترام العمل والالتزام بأخلاقيته، تعميق مفهوم الاستفادة من المعرفة والاستعداد للتكيف الدائم مع التغيرات التقنية والتأقلم مع تطورات المعرفة. إن المعرفة ليست ثابتة، بل متغيرة ومتطورة باستمرار، فلم يعد الأمر يتطلب التدريب على خطوط الإنتاج الثابتة نسبيّاً، التي لا تتغير إلا بعد عقود. وبناء عليه، فإن هناك حاجة ماسة إلى إيجاد قوى بشرية وطنية قادرة على التفاعل مع المعرفة واستيعابها وتحويلها إلى منتج أو سلع اقتصادية بصرف النظر عن القطاع الذي تعمل فيه. وهذا لن يتأتى إلا من خلال تضافر جهود مؤسسات التعليم العام والعالي، وكذلك القطاع الخاص، للعمل على رفع مستوى كفاءة القوى البشرية السعودية، وتمكين القوى العاملة الوطنية من المشاركة الفاعلة في الأعمال المهمة، وليست الهامشية!