Announcement

Collapse
No announcement yet.

الإرادة السياسية.. تعيقها البيروقراطية!

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • الإرادة السياسية.. تعيقها البيروقراطية!

    الإرادة السياسية.. تعيقها البيروقراطية!



    الاقتصادية

    د. عدنان بن عبد الله الشيحة

    لا شك أن السعودية تحظى بقيادة واعية تقدر الأمور وتضع القضايا في إطارها الصحيح، وهذا مرتكز أساس لصناعة قرارات وسياسات صائبة ذات تأثير إيجابي يعالج المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتقود إلى مستقبل أفضل. والأحداث التاريخية تشير إلى ذلك بكل بوضح، فمنذ عهد الملك الوالد عبد العزيز - يرحمه الله - إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله (أطال الله في عمره على عمل صالح) كانت القيادة السياسية دائما في الموعد تستجيب للأحداث داخل الوطن وخارجه بحنكة وروية وبفطنة وعلى أسس من القيم الإنسانية العالية. واستعراض هذه المواقف السياسية والتوجهات العامة لا يمكن الإحاطة به في هذا المقال، لكن لا شك هناك محطات بارزة تمثلت في التعليمات الأساسية التي هي بمنزلة ميثاق وطني تأسيسي وإنشاء مجلس الوزراء والبنى التحتية والخطط الخمسية وإنشاء مجلس الشورى ومجالس المناطق والبلديات وهيئة مكافحة الفساد وهيئة حقوق الإنسان ومركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، هذا إضافة إلى الصناديق والإعانات والأنظمة والإجراءات. كل ذلك من أجل تحسين معيشة المواطن وتنمية الوطن تكيفا مع المتغيرات ومجاراة للمستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية، وربما كان ذلك هو السر وراء ما تتمتع به السعودية كنظام وكمجتمع من استقرار سياسي وأمني وقدرة فائقة على مواجهة أحلك الظروف وأصعب التحديات والوقوف في وجه أولئك الحاقدين الخارجين عن الإجماع الوطني بحجة الإصلاح، لكن خارج إطار الثوابت الوطنية تارة باسم التغريب والتحرر المرفوض، وتارة أخرى باسم التطرف والانغلاق الممقوت، وهناك من يقدم ارتباطه الخارجي على الوطن.

    والمتتبع لتاريخ المملكة الحديث يلاحظ أن القيادة السعودية تدرك تماما أن الإصلاح أمر جوهري، وأن التطوير شرط أساس في الحفاظ على الاستقرار والأمن والوحدة الوطنية والانتقال إلى مستويات أكثر تحضرا، لكن ضمن القيم السياسية التي ضمنت استمرارية تلك العلاقة الفطرية الراقية الناضجة بين الحاكم والمحكوم منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى وعلى مدار ثلاثة قرون. القيم التي هي من نبت ترابه الوطني وغرس الأجداد الأفذاذ سقوها بعرقهم ودمائهم الطاهرة ليصنعوا لنا البلد القارة تظللنا فيه راية التوحيد معتصمين بحبل الله إخوانا صفا واحدا وراء قيادة تحكم بالشرع وبه تعدل.

    الإرادة السياسية أمر مهم، لكن الأهم هو القدرة على تحويلها إلى مشاريع على الأرض بالتوقيت المناسب وبمستوى عال من الكفاءة والفاعلية. فيما مضى كان تنفيذ الإرادة السياسية أكثر كفاءة وفاعلية وأقل تعقيدا لقرب المواطن من صاحب القرار من ناحية ولبساطة القضايا من ناحية أخرى، فعدد السكان كان قليلا ونسبة التحضر منخفضة، فالمدن والمناطق لم تكن بهذا العدد والضخامة والتعقيد، كما أن تقنية الاتصال المتقدمة والعولمة رفعت من مستوى التوقعات لدى المواطن وعمقت ثقافته الحقوقية وغيرت من نمط الاستهلاك والذوق العام. وهذا بطبيعة الحال يدفع نحو نظم وهياكل وأساليب وآليات لصناعة القرار تستجيب لهذه المتغيرات السريعة وتكون أكثر فاعلية واستجابة لمتطلبات المجتمعات المحلية.

    الوضع الحالي للإدارة العامة يقف عاجزا عن مجاراة القرار السياسي سرعة واستجابة وتأثيرا. والسبب أن البيروقراطيات هي اللاعب الوحيد في النظام الإداري، فقد منحت سلطتي التشريع والتنفيذ دون رقابة اجتماعية عبر مجالس نيابية منتخبة ذات أدوار ومسؤوليات وصلاحيات تمكنها من توجيه ومتابعة أداء هذه البيروقراطيات المنفلتة. الكثير من الخلل الذي نشهده على سبيل المثال في بعض المشاريع الحكومية وحالات الفساد الإداري بمعناه الواسع يعود بالدرجة الأولى إلى أن البيروقراطيين يملكون سلطات واسعة ويعملون في حصانة من المساءلة والمحاسبة وبعيدا عن الانتقاد والتوجيه ما يجعلهم لا يلتفتون إلى الاحتياجات الفعلية للمجتمع والبحث عن تقديم خدمات متميزة وتحقيق رضا العموم، إنما يكون همهم في الغالب تضخيم أجهزتهم وميزانياتها بحثا عن المكانة والوجاهة والمنافع الاقتصادية كأفراد وكمؤسسات. لذا تستنزف المعاملات والإجراءات الورقية جل الوقت ويتم تقاذف المسؤولية من موظف إلى آخر ومن إدارة إلى أخرى، لتتحول تلك الجهود والموارد إلى هباء منثور، بل ربما عطلت مصالح المواطنين وقللت من إنتاجيتهم وإسهامهم في التنمية الاقتصادية. لذا وعلى الرغم من الإنفاق السخي للدولة وحرص الملك عبد الله الشخصي وتوجيهاته - يحفظه الله - بأن المواطن هو رقم واحد في عملية التنمية، إلا أنه ما زالت هناك عوائق بيروقراطية تحول دون استفادة جميع مكونات المجتمع من هذا التوجه الحميد فما زالت نسبة البطالة مرتفعة وفئات من المجتمع تعاني العوز.

    لقد حان الوقت للنظر إلى تلك العوائق الإدارية بنظرة عميقة وحازمة وإحداث تغيير جذري في هيكل الإدارة الحكومية. تغيير يضمن سرعة وكفاءة تنفيذ الإرادة السياسية. فهذه العوائق لها تبعات كبيرة وكثيرة ومتعددة وفي كل اتجاه تصل حد الخطورة . فالتباطؤ في توفير الخدمات بمستوى عال من الجودة والكفاءة وانخفاض معدل النمو والإنتاجية الاقتصادية والافتقار إلى آلية لإعادة توزيع الدخل يفضي إلى مشكلات رئيسة لا تحمد عقباها مثل البطالة والفقر والجريمة والإرهاب. والأحداث الأخيرة المتسارعة والكبيرة التي تشهدها بعض الدول العربية مثال حي، وهي نتيجة حتمية لفشل البيروقراطيات العامة والنظم الإدارية الحكومية بشكل عام في مسايرة احتياجات وتطلعات المواطنين، بل شكلت فجوة كبيرة بين القيادات السياسية وشعوبها ليكون كل شيء جميلا على الورق بينما يعاني العموم الاضطهاد البيروقراطي. لقد اشتعلت شرارة الثورة الشعبية في تونس بسبب صفعة بيروقراطية. والنظام الإداري المصري البطيء المثقل بالإجراءات الورقية والأختام والتسلط كبل اقتصاد مصر واختزل المنافع الاقتصادية في أيدي النخب لتكون هناك وفرة في الإنتاج وسوء في التوزيع. وعلى عكس المتوسطات الإحصائية الاقتصادية التي تشير إلى الازدهار في اقتصادي تونس ومصر تكشف هذه الثورات معاناة الكثيرين الفقر والحرمان، ومع هذا لم تكن تلك الثورات ثورة الجياع فحسب، إنما هي في الأساس ثورة الطبقة الوسطى التي خنقتها البيروقراطيات العامة ولم تساير تطلعاتها وطموحاتها.

    لم يعد كافيا الحديث عن الإصلاح الإداري بمفهومه الضيق والخلط بينه وبين التطوير الإداري بحيث يقتصر على تطوير الأنظمة الداخلية للأجهزة الحكومية وتدريب الموظفين، بل إصلاح شامل وجوهري للهيكل الإداري الحكومي مبني على الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بحيث تكون هناك مجالس نيابية منتخبة تراقب وتتابع وتحاسب البيروقراطيات، كما يلزم من جهة أخرى التمييز بين أدوار ومسؤوليات وصلاحيات الهيئات على المستوى الوطني والإقليم والمحلي من خلال تطبيق اللامركزية ومنح صلاحيات أكبر لمجالس المناطق والمجالس المحلية في المحافظات والمجالس البلدية في المدن يؤهلها أن تلعب أدوارا نشطة، وأن تتبنى مبادرات مبتكرة وتضع حلولا ملائمة للمجتمعات المحلية. هكذا يكون هناك تحديد للمسؤوليات ونظام مفصل واضح المعالم يمكن من خلاله التحقق من تنفيذ الإرادة السياسية، ونكون بذلك استطعنا ترويض البيروقراطية وتجسير الهوة بين الواقع والمأمول.

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




Working...
X