الملك في «الشورى»: انعطافة تاريخية



كلمة الاقتصادية
افتتح أمس خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، الدورة الخامسة للسنة الثالثة من دورات مجلس الشورى، وحين يفتتح خادم الحرمين الشريفين بداية كل دورة لمجلس الشورى، فذاك يؤكد الأهمية الاعتبارية القصوى التي يحتلها مجلس الشورى في منظومة الإدارة الحكومية والشعبية على حد سواء، باعتباره هيئة استشارية رقابية مسؤولة أمام القيادة العليا في المتابعة والدراسة والرصد لحراك التنمية الاقتصادي والاجتماعي.

إن مجلس الشورى يمارس مهامه المرسومة له من خلال 13 لجنة مختصة تتولى تقويم أداء الأجهزة الحكومية انطلاقاً من تقاريرها الإحصائية السنوية وتقارير المتابعة ومعاينتها لحصاد الإنجاز أو العثار في برامجها ومشاريعها التي اعتمدت أموالها من ميزانية الدولة وحددت لها أهدافها وفق جدول زمني، وهي في سبيل ذلك تدرس وتبحث وترصد الإنفاق والتنفيذ وتتحقق من سلامة المسار ومدى وفائه للأهداف المحددة وفي حالة وجد الشورى ما يحتاج إلى تفسير أو جلاء يستضيف كبير مسؤولي الجهة أو وزيرها في حلقة نقاش معه حول أداء الجهة وما جاء في تقاريرها أو حتى فيما يثار حول بعض القضايا الخاصة بها للتعرف مباشرة على مصدر الأشكال وآليات الجهة لتجاوزه، كما يعمل المجلس على دراسة ما يحال إليه من مشاريع أنظمة ولوائح أو ما يبرز من ظواهر اجتماعية أو اقتصادية ووضع تصوره ورأيه فيها.

''الشورى'' في دوره الاستشاري الرقابي هذا يبلور بشكل منهجي خلاصة رؤى النخبة من أعضاء المجلس في تخصصاتهم وتمثيلاتهم المختلفة ما يوفر أمام مجلس الوزراء الموقر بنية معرفية بصيرة بشؤون التنمية في قضاياها كافة، وبالتالي يضع أمام مجلس الوزراء ملامح الصورة الواقعية بكل تفاصيلها ما يتيح لمجلس الوزراء الموقر بتوجيه من القيادة السديدة إقرار واعتماد ما يحتاج منها إلى إقرار واعتماد أو تحديد ما تراه القيادة من خطوات في مواجهة ومعالجة بعض القضايا والظواهر التي تتطلب كلمة أخيرة من سداد وحكمة القيادة.

وقد أسفرت مسيرة ''الشورى'' في علاقتها بالقيادة وتوجيهها له عن ترجمة عملية كانت القيادة تسبق فيها الطموح على نحو لا يقف عند المنجزات التنموية وإنما بالأساس على مستوى صانع هذه الإنجازات والمستفيد الأول من ثمارها وهو المواطن.

من هنا يتعاظم التثمين لقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، في كل مرة يشرّف فيها ''الشورى'' بمفاجأته المواطنين في كل دورة يلقي فيه كلمته، وها هو اليوم بكلماته يحيل الوطن في غمار احتفاله بيومه الوطني إلى وفاء لكفاح الملك عبد العزيز، مؤسس هذا الكيان الغالي، ومَن كان معه من الأجداد الذين مثلوا بتوحيد الوطن وحدة قلوب ومصير، وعلينا أن نصون هذا الميراث ونزيد عليه تطويراً وتقدماً يخلص للأمانة، في كرامة وعزة هذا الكيان في إطار تحديث متوازن يتفق مع القيم الإسلامية التي تصان فيها الحقوق في عصر لا مكان فيه للمتخاذل.

ولم يكن قرارا الملك الرائدان اللذان صدع بهما في كلمته عن مشاركة المرأة في عضوية مجلس الشورى اعتباراً من الدورة القادمة، وعن حقها في أن ترشح نفسها للمجالس البلدية وفي ترشيح المرشحين إلا انعطافة تاريخية نوعية تحلق بالتنمية بجناحيها أو كما عبرت عنها كلماته في قوله، حفظه الله: ''نرفض تهميش دور المرأة''، في ترسم لنبراس إسلامي قويم بقدرتها على صواب الرأي والمشورة كما في الموقف الخالد لأم المؤمنين أم سلمة – رضي الله عنها - في صلح الحديبية.

إن رؤية خادم الحرمين الشريفين وتوجيهاته لدور ''الشورى'' في تعميق التواصل الوطني وتعزيز مفاعيل برامج ومشاريع التنمية وشموليتها، كانت دائماً مصدر شحن القيادات الإدارية بحماس العمل في جميع مرافق ومواقع التنمية التنظيمية أو التطبيقية، وظل المواطنون على مدى مسيرة هذا القائد يجدون منه ما يسبق ما يهجسون فيه أو يتطلعون إليه، سواء في رؤاه النافذة في سبل تقدم المجتمع أو في المبادرات العلمية والعملية والتقنية أو المشاريع والبرامج الاستراتيجية الحيوية في المجالات الخدمية والإنتاجية، وقبلها ومعها رعاية رأس المال البشري تأهيلاً وتوظيفاً .. ودائماً في توق المعطي لأن يكون عطاء الغد إضافة نوعية على عطاء اليوم تزيد الوطن تقدماً وازدهاراً ورسوخاً في الأمن والاستقرار.