إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حرية المرأة في اختيار الزوج

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حرية المرأة في اختيار الزوج

    حرية المرأة في اختيار الزوج
    د. محمد بن أحمد الصالح/أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وعضو المجلس العلمي بجامعة الإمام

    لقد أنزل الله الشرائع منظماً بها علاقة الإنسان بخالقه وعلاقته بغيره من المخلوقين، وكانت الشريعة الإسلامية هي الشريعة الخالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لأنها صالحة لكل زمان ومكان.
    وقد عنيت هذه الشريعة بتنظيم مختلف جوانب الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولم تدع مشكلة من المشكلات التي يمكن حدوثها إلا ووضعت لها العلاج الناجع الذي يحقق مصلحة الفرد والمجتمع، قال تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} المائدة: 3
    ومما اهتم به الفقهاء وعنوا به أيما عناية الزواج وأحكامه، وذلك لأن الزواج أساس الأسرة ودعامتها، والقاعدة التي يقوم عليها بناء المجتمع، والأسرة هي اللبنة الأولى في بناء الأمة وعلى قدر ما تكون اللبنات قوية متينة يكون البناء قوياً راسخاً منيعاً، وعلى العكس من ذلك إن كانت اللبنات واهية ضعيفة يكون البناء ضعيفاً قابلاً للتصدع والانهيار، ولا عجب أن يحظى الزواج بهذه العناية وهذا الاهتمام فقد كان فطرة قبل أن يكون شرعة، فهو فطرة أودعها الله الخلق يوم خلقه {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ}
    والإنسان مِن أشرف خلق الله اشتمل على نفس الكوين ذكر وأنثى، وفطر كل شطر بالميل إلى الشطر الآخر ليكون التزاوج، ولتكون الحياة، وعندما خلق الله آدم لم يتركه وحده حتى وهو في الجنة بل جعل منه ومعه حواء وأسكنهما سوياً الجنة {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ}البقرة: 35
    وبقيت هذه الآية وبقي لله علينا نعمه ومننه يذكرنا بها بصفتها آية ينبغي أن نلتفت إليها لندرك قدرة الله، ويذكرنا بها تذكرة تردنا إلى أصلنا وتردنا إلى الإيمان ويعددها في مجال تعداد النعم والآيات، ويجعلها أساس لمطالبتنا بالتقوى.
    قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}الروم: 21 {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}النساء: 1
    الزواج في الإسلام
    الزواج في الإسلام ليس فقط آية من آيات الله الذي نَخِرُ له ساجدين ولا نعمة من نعم الله الذي نسبح بحمده شاكرين، بل قبل ذلك هو نصف الدين وسبيل إلى مراتب المتقين، فقول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا}لروم: 21
    وأما أنه نصف الدين فإن به غض البصر وحفظ الفرج، وبه العون على الطاعة والتسابق في الخيرات، وبه تقام الأسرة التي جعلها الإسلام لبنة المجتمع وفيه النسل المبارك الذي تباهي به أمة محمد ويباهي به رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمم يوم القيامة، قال عليه السلام (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج).
    وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ وتعاقدوا وتعاهدوا على أنواع من العبادات، فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال الآخر: إني أصوم الدهر ولا أفطر أبداً، وقال آخر: أنا أعتزلُ النساء فلا أتزوج أبداً، وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، قالوا: نعم، قال: أما أني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) وقال صلى الله عليه وسلم (تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة حق على الله أن يعينهم: المجاهد في سبيل الله والناكح يريد العفاف...).
    ومَنْ رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتقِ الله في الشطر الآخر، وعن أبي عباس رضي الله عنهما قال: التمسوا الرزق بالنكاح، وأما أن الزواج يرقى بالإنسان إلى مرتبة المتقين فيدل عليه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}النساء: 1
    وتتجلى أهمية النكاح وثمرته في أنه يحقق مصلحة المرأة والرجل ويحفظ النوع الإنساني ويحصل به تحقيق حماية الشرف ومنع ابتذال الجنس كما أنه يؤدي إلى حفظ الصحة ويتم به سرور النفس، ويحقق المقاصد النبيلة التي وضع لأجلها، فإن الاتصال المشروع بالمرأة وضع ابتداءً لثلاثة أمور هي مقاصده الأصلية، أولاها: حفظ النسل، ودوام النوع الإنساني على وجه البسيطة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، الأمر، ثانيها: إخراج الماء الذي قد يضر بقاؤه بالبدن، الأمر الثالث: قضاء الوطر والتمتع بالنعمة، وهو يؤدي إلى غض البصر وكف النفس ويعفه عن الحرام وهذه أمور مشتركة بين الرجل والمرأة.
    والنكاح محقق لمصالح الأمة فلو لم تأتِ الشريعة الغراء بالحث عليه لكانت الفطرة السليمة وقواعد السلوك العامة لا تقتضي سواه وهو بعد ذلك مصدر سعادة للطرفين لأن فيه سكناً، وفي السكن طمأنينة، وفي السكن راحة، وفي السكن سكون للنفس، ولأن فيه مودة والمودة تولد المحبة، وتبقى إن غابت المحبة حيناً أو فترت تبقى فيها المجاملة، وفيها حسن العشرة، وهي أبقى لرابطة الزوجية من العواطف الهوج التي تمضي سريعاً كما تمضي الرياح الهوج، ولأن فيه رحمةً، والرحمة عاطفة مِنْ أسمى العواطف وأدومها، وخلق يتخلق به المسلم يقتبس فيه من رحمان الدنيا والآخرة ورحيمها وهي بين الزوجين بلسم لكل جرح ودواء لكل ما يستعصي من مشكلات، إنه الشيء الذي يبقى إن نضبت سائر العواطف أو خفت ليطبق معه قول الله تعالى: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} النساء: 19
    وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الزوج أن يجتهد في حسن اختيار الزوجة فقال: (تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء) وبين ما يحل نكاحه من النساء وما يحرم وأحاط عقد الزواج بأوثق الضمانات التي تكفل سعادة الزوجين وتأتي بالخير لأسرتيهما، وأوجب فيه مهراً جعله من حق الزوجة وجعل لها شخصية كاملة بالنسبة لما لها في الملكية والتعامل والتصرف وحرم على الزوج أن يأخذ منه شيئاً إلا بحقه وطريقه المشروع، وجعل لكل منهما حقوقاً نحو الآخر وواجبات يؤديها له، وطالبهما بحسن العشرة والعدل في المعاملة والتعاون على الحياة المشتركة بينهما ورسم الطريق القويم لعلاج ما قد ينشأ بينهما من خلاف ومشكلات، وشرع الطلاق للخلاص حين تستعصي على الزوجين إقامة حدود الله، والوقوف على ما رسمه الشرع للسير في العلاقة الزوجية.
    ولا عجب أن يحظى الزواج بهذا القدر الكبير من الاهتمام والتنظيم، فهو قاعدة الأسرة ونواة المجتمع، وهو وسيلة الإنسان لتنظيم الفطرة والغريزة التي أودعها الله فيه على وجه يحقق غاية استخلافه في الأرض بتعمير الكون وبعث الحياة فيه قوية رائعة مثمرة، والتعاون على تدبير المصالح والمنافع، والسير بالحياة في مجال الخير والإصلاح، وهو أيضاً وسيلة الإنسان العاقل إلى حفظ نوعه وتخليد ذكراه بالتوالد والتناسل، قال تعالى:
    {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ}النحل: 72
    ومن أجل هذا كله كان الزواج ذا شأن خطير وأثر بالغ في حياة الإنسانية وتوجيهها، وكان عقد الزواج من أخطر العقود التي يتعامل بها الإنسان في الحياة، وقد وصفه القرآن الكريم بأنه ميثاق غليظ، قال تعالى:
    {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}النساء: 20 - 21
    ووصف النبي عليه السلام عقد النكاح بقوله: (إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله).
    والميثاق يجب الوفاء به وتقديره، وأمانة الله واجبة الرعاية، وكلمة الله واجبة التنفيذ والاحترام، بل إن العلاقة الزوجية في غاية الاتصال والالتصاق، قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} البقرة: 187، الأمر الذي يدل على أن الزواج ضرورة دينية وضرورة مدنية.
    وما دام الزواج بهذا القدر من الرفعة والسمو والقوة فقد عنى الفقهاء بشأنه على مر القرون بعد ظهور الإسلام فقعدوا القواعد ووضعوا الأسس التي تكفل الحياة الكريمة للزوجين على ضوء الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة.
    ولسنا بصدد الحديث عن الزواج، وأحكامه، وتفصيلاته، وإنما الذي يعنينا هنا بيان مدى حق المرأة في اختيار الزوج وما منحته الشريعة المطهرة له من حرية الاختيار. وإن دور الولي التوجيه والإرشاد، وإنه لا يملك حق الإلزام والإجبار، وإنما حقه في ولاية العقد بالإيجاب متى كان الزوج كفؤاً، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن جارية بكراً أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان زواج الأب مع عدم الرضا معتبراً لما خيرها الرسول عليه السلام إذ التخيير حينئذ لا فائدة له ومثل ذلك يتنزه عنه كلام الرسول عليه السلام، فدل ذلك على أنه لابد في زواج البكر من الرضا، فلا حق للولي بإلزامها بزواج لا ترتضيه، ومنه أيضاً ما أخرجه الدار قطني عن شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي عن عطاء بن جابر رضي الله عنه أن رجلاً زوج ابنته وهي بكر من غير أمرها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ففرق بينهما، وهذا واضح في الموضوع، ومن ذلك أيضاً ما أخرجه النسائي في سنته عن عائشة رضي الله عنها أن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله عليه الصلاة والسلام فأخبرته فأرسل إلى أبيها فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي وإنما أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء) فأقرها النبي عليه السلام على هذا القول ولم يعقب عليه بشيء، فدل ذلك على أنه لا جبر للنساء البالغات على الزواج. وإن استئذان الآباء لهن لم يكن على جهة الاستحباب بل هو على جهة الوجوب ليتحقق الرضا فينفذ العقد، ومن ذلك أيضاً أن النفس أعز وأغلى من المال والأب لا يتصرف في مال البكر البالغ بدون إذنها ورضاها فكيف يجبرها على زواج من هو أبغض الخلق إليها ويملكه رقبتها.
    وقد أيد هذا العلامة ابن تيمية حيث استدل بما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تنكح البكر حتى تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر، فقيل له إن البكر تستحي، فقال: إذنها صماتها) وفي لفظ في الصحيح: البكر يستأذنها أبوها.
    ووجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح البكر حتى تستأذن وجعل إذنها الدال على رضاها هو صماتها وسكوتها فدل ذلك على أن فائدة الاستئذان هي الرضا فإذا لم تستأذن فقد وقع ما نهى عنه عليه الصلاة والسلام فكان غير معتبر، ومخالف لأصول الإسلام وقواعده ومبادئه التي توجب التراضي في العقود.
    واستدل أيضاً بأنه إذا عينت المرأة كفؤاً أو عين الأب كفؤاً فإن قالوا المعتبر ما عينته المرأة فقد خالفوا أصلهم وجعلوا للمرأة الحق دون الولي، وإن كان المعتبر ما عينه الأب فقد وقعوا في فساد كبير، حيث إنهم لم يعملوا بقوله عليه الصلاة والسلام: (الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن وأذنها صماتها) فإنه عليه السلام جعل الثيب أحق بنفسها من الولي، ودل ذلك على أن البكر ليست أحق بنفسها بل الولي هو الأحق فتركوا العمل بنص الحديث وظاهره، وتمسكوا بدليل خطابه أي مفهومه المخالف أي خصوا الولي بالأب والجد والحديث بظاهره يعم كل ولي كما أن الحديث باعتبار ظاهره أوجب استئذان البكر، وهم لا يوجبون استئذانها بل يجعلونه مستحباً، وكلا الأمرين باطل فقد ثبت في السنة الصحيحة المستفيضة، واتفاق الأئمة قبل هؤلاء أنه إذا زوج البكر أخوها أو عمها فإنه يستأذنها وأذنها صماتها، فتخصيص الولي بالأب أو الجد مخالف لهذا الإجماع، أما الحديث المذكور فالمستفاد منه أنه عليه السلام فرق بين البكر والثيب كما قال في الحديث الآخر (لا تُنكح البكر حتى تُستأذن ولا الثيب حتى تُستأمر)، فذكر في جانب البكر لفظ الإذن، وفي جانب الثيب لفظ الأمر، وجعل إذن البكر الصمات كما جعل إذن الثيب النطق فهذان الفرقان اللذان فرق بينهما الرسول صلى الله عليه وسلم بين البكر والثيب، ولم يفرق بينهما في الإجبار وعدم الإجبار والسر في هذا الفرق أن البكر تستحي أن تتكلم في أمر نكاحها فلم تخطب إلى نفسها بل تخطب إلى وليها، ووليها يستأذنها فتأذن له، ولا تأمُر ابتداءً بل تأذن له إذا استأذنها وإذنُها صماتها، أما الثيب فقد زال عنها حياء البكر فتتكلم بالنكاح فتخطب إلى نفسها وتأمر الولي أن يزوجها فهي آمرة له وعليه أن يطيعها فيزوجها من الكفء إذا أمرته بذلك، فالولي مأمور من جهة الثيب ومستأذن للبكر هذا هو الذي دل عليه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما تزويجها مع كراهيتها للزواج فهذا مخالف للأصول والعقول والله تعالى لم يسوغ لوليها أن يكرهها على بيع أو إجارة، ولا على طعام أو شراب لا تريده، فكيف يكرهها على مباضعة ومعاشرة مَنْ تكره مباضعته ومعاشرته؟، والله جعل بين الزوجين مودة ورحمة في ذلك وليكن معلوماً أن الله تعالى قصد من الزواج دوام الألفة والمحبة، ولذلك أمر سبحانه إذا وقع شقاق بين الزوجين ببعث حكم من أهل الزوج وحكم من أهلها ليتمكنا من إزالة الخصومة والإبقاء على المودة المقصودة، وجعل ما يفعل الحكمان هو الفاصل فإن استطاعا إزالة الخصومة والإبقاء على المودة فنعم ما صنعا وإن لم يستطيعا فرقا بينهما أما بعوض أو بغير عوض، وكان حكمهما نافذاً فهذا مما يدل دلالة واضحة على أن المقصود من الزواج دوام العشرة والألفة والمحبة، فإذا ظهر سبب الخلاف ابتداءً فلا ينبغي الإقدام عليه لأن ذلك يجر على الزوجين من المشكلات وسوء العواقب ما الله أعلم به، والله سبحانه لا يأمر بما فيه مفسدة، ولا ينهى عما فيه خير ومصلحة، ويعجبني في ذلك ما قاله ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين: ومن العجب أنكم قلتم لو تصرف في حبل من مالها على غير وجه الحظ لها كان مردوداً حتى إذا تصرف في بضعها على خلاف حظها كان لازماً ثم قلتم هو أخبر بحظها منها، وهذا يرده الحس فإنها بميولها ونفرتها وحظها ممن تحب أن تعاشره وتكره عشرته، وتعلقتم بما رواه مسلم من حديث ابن عباس يرفعه: الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها، وهو حجة عليكم وتركتم ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة يرفعه: لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن وفيهما أيضاً من حديث عائشة - رضي الله عنها - قال: قلت يا رسول الله تستأمر النساء في أبضاعهن، قال: نعم، قلت فإن البكر تستأذن فتستحي، قال إذنها صماتها، فنهى أن تنكح بدون استئذانها وأمر بذلك، وأخبر أنه هو شرعه وحكمه، فاتفق على ذلك أمره ونهيه وخبره وهو محض القياس والميزان.ومما تقدم يظهر أن قول ابن تيمية هو الذي عليه العمل فإنه موافق للمعقول والمنقول، فإن الله لا يأمر بما فيه مفسدة ولا ينهى عما فيه مصلحة فإنه حكيم في أمره ونهيه، سبحانه يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، ويؤيد هذا أن عقود الزواج في بلادنا لا تكون نافذة لازمة يترتب عليها آثارها، إلا بتحريرها في أوراق رسمية على يد عالم مختص يثبت فيها جميع البيانات المتعلقة بالخاطب والمخطوبة والولي والشهود، ويدون في هذا العقد مقدار المهر، وما جرى عليه الاتفاق من الشروط التي تثبت حقوقاً للمرأة، أو حقوقاً للرجل زيادة على ما يقتضيه العقد، ووثيقة العقد هذه هي المعتبرة في إثبات الزواج بعد توقيع رئيس المحكمة، وتتويج العقد بختم المحكمة وبدون هذه الوثيقة التي تحفظ الحقوق، ويمتنع بها التجاحد والإنكار، وتحفظ بها الأنساب، وتقطع الطريق على المفسدين من أن يصحب الفساق من يشاء من النساء بدعوى الزوجية كما يكون هذا العقد حماية للأخيار من أن يُساء بهم الظن إذا اجتمعوا مع نسائهم تحت سقف واحد، على أن هذا العقد أيضاً لا بد لصحته وكماله أن يثبت فيه توقيع جميع الأطراف بما في ذلك الزوجة ليكون دليلاً قطعياً على موافقتها ورضاها، وبهذا تتجلى عناية الإسلام بالمرأة وحمايتها والعمل على تحقيق مصالحها وحفظ حقوقها.



    الجزيرة 05/07/2005

يعمل...
X