السلف وبعض مسائل العقيدة: اختلافات بلا تكفير



تكفير المسلم أمر فظيع وفي غاية من الخطورة وتترتب عليه مسائل شرعية ومدنية معروفة ومن ثم كان العقلاء من علماء هذه الأمة يتحرون في امره كثيراً ولا يقدمون على تكفير مسلم بعينه إلا في حيطة وحذر وفي حدودٍ ضيقة وتحت مظلة القضاء الشرعي وبشروط صعبة مقررة في الكتب. هذا هو المنهج الذي ساروا عليه في تعاملهم مع كافة المخالفين فهم وبالرغم من كونهم خطّأوا كثيراً من الفرق في كثير من المسائل إلا انهم لم يسجروا على تكفيرهم ولم يسمحوا لانفسهم باخراجهم من الملة حتى وان صدرت عنهم فعلاً أقوال كفرية.

وتسألني لماذا؟

ادع الامام الجليل أحمد ابن تيمية يجيبك عن هذا التساؤل، حيث يقول رحمه الله: (ان القول قد يكون كفراً، فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها).

ثم يبين الامام ابن تيمية السبب في عدم تكفير من قال بقول كفري، فيقول:

1- قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق.

2- وقد تكون عنده ولم تثبت عنده.

3- أو لم يتمكن من فهمها.

4- أو تعرض له شبهات يعذره الله بها.

ثم قال رحمه الله: (فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق واخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائناً ما كان سواء كان في المسائل النظرية - يعني العقدية- أو العملية- يعني الفقهية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام).

وقد انكر الامام ابن تيمية على من فرق بين مسائل العقدية فلم يعذر فيها المخطئ، ومسائل الفقه فعذر فيها، انكر ابن تيمية ذلك وقال: (ان هذا التفريق ليس له اصل، لا عن الصحابة، ولا عن التابعين لهم باحسان، ولا ائمة الإسلام).

ثم أشار إلى ان السلف رحمهم الله اختلفوا في بعض مسائل الاعتقاد، ولم يكفر أو يبدع بعضهم بعضاً فاختلفوا مثلاً في النبي صلى الله عليه وسلم هل رأى ربه يوم المعراج أم لا، واختلفوا في ان عثمان أفضل من علي أم علي أفضل، واختلفوا كذلك في كثير من معاني القرآن الكريم. مجموع الفتاوى له 23/345. ويمكن ان نضيف إلى ما ذكره الامام ابن تيمية من غير قصد الاستقصاء اختلاف علماء السلف في الإسلام والايمان هل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق، فبعضهم كان يرى انهما أمر واحد كالامام البخاري والمزني، وبعضهم جزم بالمغايرة كالامام أحمد كما في فتح الباري 1/157.

واختلاف الصحابة في مسألة سماع الاموات، وكانت السيدة عائشة تنكر ذلك، وغيرها من الصحابة يثبته كما في صحيح البخاري برقم 3978.

واختلافهم ايضاً في تأويل أو إثبات بعض صفات الباري عز وجل، كاختلافهم في صفة المعية، وفي معنى حديث الصورة الوارد في قوله عليه السلام: (ان الله خلق آدم على صورته).

وثبت عن التابعي الجليل مجاهد بن جبر باسناد صحيح كما يقول ابن حجر في الفتح 15/386 انه فسر قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة) قال: تنظر إلى ثواب ربها. ونقله عنه ايضاً ابن تيمية في مجموع الفتاوى 20/34. وكذلك تأويل القاضي شريح لصفة العجب لله تعالى، وانكاره لقراءة (بل عجبت) بالضم وهي سبعية، وكان يقول: ان الله لا يعجب وقد رد عليه إبراهيم النخعي وقال: دعوه فإنه رجل معجب برأيه.

ومع ذلك فقد كان القاضي شريح من سادات التابعين، وممن اسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وولاه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قضاء الكوفة، واتفقت الأمة على امامته كما في مجموع الفتاوى لابن تيمية 12/492، 20/34. واذن فقد اختلف السلف من الصحابة والتابعين فمن بعدهم في بعض مسائل العقيدة كما رأيت لكنهم لم يكفروا أو يفسقوا مخالفيهم لانهم قد عرفوا من احوالهم وسيرتهم انهم مجتهدون وغير معاندين وان ما قالوه هو احسن ما قدروا عليه وفي القرآن الكريم: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها). فيا هذا تأمل بالله عليك حال هؤلاء العلماء الصالحين وما كانوا عليه من التسامح والانصاف كأصفى وانقى ما يكون التسامح والانصاف ثم قارن بينه وبين بعض فعال أبناء زماننا الذين جمعوا بين الجهل بالحق والظلم للخلق والذين تراهم لا يتوانون لحظة عن تكفير مسلم أو تفسيقه لادنى مخالفة أو نزاع.

على أني لا أريد ان احملهم وحدهم تبعات كل هذا البلاء فقد وجد مثله في طوائف من المتقدمين من بعد عصر التابعين مع الاسف وكما كنت قد اوضحته في مقال سابق عنوانه: (ظاهرة التكفير ليست جديدة).

هاني أحمد فقيه

المدينة 12/07/2005