إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

كفكفي دموعكِ.. سيدتي الجميلة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • كفكفي دموعكِ.. سيدتي الجميلة

    كفكفي دموعكِ.. سيدتي الجميلة
    مرام عبدالرحمن مكاوي
    ربما كان عمري شهراً واحداً أو أكثر بقليل، حين زرت لندن للمرة الأولى في طريقي إلى جدة ذات شتاء إنجليزي، وبالطبع لا أذكر كيف كان إحساسي بهذه المدينة يومها. لكنني سأعود إليها لأسافر منها وإليها طوال السنوات التي تلتها حتى عدنا للوطن. وفي ذهني بضع فلاشات عن بعض الزيارات الخاطفة لهذه المدينة الرائعة. مازلت أذكر كيف أنني كنت معجبة بشكل عربات الأجرة السوداء المميزة في لندن، وكذلك بحافلاتها الحمراء المؤلفة من طابقين، وأنني امتلكت مجسمين صغيرين لهما حتى وقت قريب. وما زلت أذكر أن أبي كان يأخذنا إلى (أكسفورد ستريت) في قلب لندن، لنشتري ألعابا من محلات (هامليز) الشهيرة للعب الأطفال والتي لا تزال قائمة حتى اليوم. فعلاقتي بمدينة الضباب عمرها بعمري تقريبا، وبالتالي فإن مشاعري نحوها (ونحو مدن بريطانيا عموما) تختلف تماما عن مشاعري تجاه أي مدينة أوروبية أو أمريكية.
    غادرت لندن طفلة على مقاعد الدراسة، وعدت إليها بعد تخرجي من الجامعة، يومها أعدت اكتشاف لندن كشابة يدفعها الفضول، وبعض حنين من ذكريات، لتكتشف المدينة التليدة، وتختبر مشاعرها تجاهها. لم تمهلني لندن كثيرا، فسرعان ما وقعت في حبائل غرامها من جديد، إذ قدمت لي كل ما تمنيته في مدينة.
    في الوست آند حضرت لأول مرة في حياتي، أجمل مسرحية غنائية شاهدتها وهي سيدتي الجميلة). يومها لم أستطع أن أخفي انبهاري بقاعة المسرح الرائعة، ولا بديكورات المسرحية الغارقة في الاحترافية والجمال، ولا بأداء الممثلين المدهش، الذي يجعلك لا تشعر بمرور ثلاث ساعات وأنت داخل القاعة. صفقنا وقوفا آنذاك حين انتهى العرض، وفهمتُ لماذا كان الناس يقولون إن المسرح لا السينما هو الفن الحقيقي.
    في لندن أيضا لم أشعر بالغربة إطلاقا، فهذه مدينة كل الناس. ففيها أشهر كنائس المسيحيين، وأكبر مساجد المسلمين، ومعابد الهندوس، ودور عبادة للسيخ والبهائيين واليهود. وفي هذه المدينة شارع إدجور رود (الذي تتكلم أرضه العربية)، حيث يمكنك أن تستمتع بالأكل العربي، وأن تشتري صحفا و مجلات عربية.
    ولا يمكن أن تتجول في لندن بحرية دون أن تستخدم أرخص وسائل مواصلاتها، وأسرعها، وهي (الأندرقراوند) أو قطار الأنفاق. فكم من مرة نزلت في (الكنجز كورس) التي كانت هي المحطة التي أنزل فيها قادمة من مقر إقامتي في ضواحي لندن. وكم من مرة نزلت في محطات (رسل سكوير، فيكتوريا، أيوستن، بيكاديلي، بادنتجتون، هايد بارك كورنر، ماربل آرش)؟ مما يعني أنه لو وقعت الحوادث المأساوية التي صدمتنا يوم الخميس الماضي قبل صيفين فقط، لكان من غير المستبعد أن أكون في إحدى قطارات (الموت) التي انفجرت. ولهذا كانت صدمتي كبيرة، وحزني أكبر.
    في أبريل من العام الماضي، كنت بصحبة والدي في كنجز كروس، وحصل إخلاء مفاجئ في المحطة فأخذنا نركض. وحين توقفنا، حدثته قائلة بأنه كم سيكون جبانا هذا الذي يثير الرعب في مكان عام كهذا؟ لم أكن أعرف حينئذ أنه وفي هذه المحطة بالذات ستصبح أسوأ مخاوفي حقيقة.
    لندن مدينة لها تاريخها الأسود مع قضايانا، فتلك القرارات والطبخات والمؤامرات سُجل على أوراقها توقيع العاصمة العجوز. إلا أن الذنب ليس ذنبها، ولا ذنب أهلها، بل ذنب أولئك الساسة الانتهازيين من بلفور إلى بلير.
    فلندن مدينة هتفت بأعلى صوتها في ثلاث مظاهرات مليونية قبل وأثناء وبعد الحرب على العراق: ( لا للحرب على العراق)، و( لا لحرب من أجل النفط)، و( لا لحرب تحت اسمي). وكنت آنذاك شاهدة عيان على هذه المظاهرات الحضارية التي رأيتها لأول مرة في حياتي أيضا.
    ولندن مدينة تظاهرت فيها الدنيا قبل أيام ضد العولمة، وضد سرقة خيرات الشعوب، وضد الفروق الهائلة بين الجنوب والشمال، وأطلقت حملة (لنجعل الفقر شيئا من الماضي) التي أرتدي الآن وأنا أكتب مقالي، أحد أساورها المطاطية، التي يذهب ريعها لمكافحة الفقر في إفريقيا. فبالرغم من تاريخها الاستعماري الطويل كعاصمة الإمبراطورية البريطانية، فإن شعبها هتف بأعلى صوته بأنه ضد الاستعمار الجديد.
    كما أن بريطانيا عموما من أكثر دول العالم الغربي تسامحا وعدالة مع المسلمين في الداخل، فالنقاب (وليس فقط الحجاب) مسموح به، وفي مدن كليستر وبرمنجهام يُسمح برفع آذان الفجر. ومعظم اللاجئين الذين تستقبلهم بريطانيا وتعلم أطفالهم مجانا في مدارسها، وتمنحهم راتبا وسكنا وعملا هم من المسلمين.
    حتى لحظة كتابة هذه الكلمات، لا أحد يعرف بالضبط كيف جرى ما جرى في عاصمة الضباب، ولا من قام بذلك على وجه الدقة. نعم وُجهت أصابع الاتهام إلى المسلمين كما هي العادة، باعتبارهم أصحاب سوابق، حتى إن أول المتهمين للمسلمين هم المسلمين أنفسهم، وكالعادة علينا تجهيز أنفسنا لما بعد الكارثة، الذي قد يكون أكثر إيلاما وسلبية على المدى البعيد، و هناك ابتداء ردات الفعل الغاضبة المتوقعة من الجمهور.
    عندما وصلت لمكتبي صباح الخميس، تصفحت الإنترنت فعلمت بالكارثة وكدت أبكي، حزنا على الضحايا، وعلى لندن التي أهوى، وعلى نفسي التي أعرف أنها ستكون في وضع صعب بسبب الأحداث رغم بعد مدينتنا نسبيا عن لندن. حين عدت إلى البيت، ألقيت نظرة على المرآة، وتساءلت إن كانت ثمة حيلة تنجح في جعلي أنتسب إلى غير قومي مؤقتا، فجاءني ردها سريعا (سجل.. هنا عربية). ثم ألقيت نظرة على غطاء رأسي الذي كان يصرخ بوضوح (هنا مسلمة)، فعرفت بأن الأيام القادمة لن تكون سهلة وأنا أحمل هاتين التهمتين، عروبة وإسلام.
    بعد صلاة الجمعة، كنت أتحدث مع الأخوات المسلمات حول الأحداث. قالت لي سيدة مصرية إنها شعرت برغبة في البكاء حين دخلت مكتبها يوم الحدث، فلم يسلم عليها أحد كالعادة، بل ولم يتجاوب مع تحيتها الصباحية أحد. وأخبرتني أختٌ ولدت وتربت هنا، بأنها تعرضت يوم الخميس حين نزلت إلى قلب المدينة لصرخات أحد المارة الذي ردد (إرهابية). ولأول مرة شعرت بالخوف من الخروج من الحرم الجامعي وحدي، وكنت محقة في ذلك. فحين سرت مع شقيقي خارج أسوار الجامعة، ألقى أحدهم علينا لعبة بلاستيكية من نافذة السيارة. تجاهلناه وواصلنا المشي، وحين وصلت باب البقالة، تفاديت بصعوبة تلك النظرات الممتلئة بالكراهية التي نظر بها إليّ رجلان كانا واقفين عند الباب. وتملكني إحساس عارم بالظلم، فما أسوأ أن يحاسبك شخص ما على ما قام به شخص لا علاقة لك به، إلا في أنه قد يشبهك من الخارج، حتى لو كنت تختلف معه كليا من الداخل. إنها إحدى اللحظات التي تتمنى فيها أن تهرب من أعين الناس وأنت تعرف أنك بريء، بل قد تشعر برغبة أن تهرب حتى من نفسك، التي تحمل وشما يوحي بأنك من القوم إياهم. فمن يستطيع أن يهرب من لعنات التاريخ وحقائق الجغرافيا؟
    لو ثبت أن بعض المنتسبين لأمتنا هم السبب في أحداث الخميس الحزين، فإن ثمة أيادي أخرى ستكون ملطخة بدماء ضحايا لندن الخمسين. تلك هي أيادي توني بلير وحكومته التي تصرفت كحكومة دكتاتورية ولم تسمع لصوت شعبها، ولا أصوات الأحرار في العالم، فدفعت عاصمته وأهلها وزوارها ثمن مجاراة الجنون الأمريكي.
    أخيرا.. إلى مدينتنا المجروحة، قلوبنا معك ولكننا نعرف في الوقت نفسه بأنك أقوى وستنهضين من كبوتك هذه. كل ما نخشاه ألا تعودي مدينة لكل محبيك، مدينة لكل الألوان والأعراق والديانات والثقافات، مدينة الطلبة والفنانين والشعراء والمضطهدين والفارين والفقراء واللاجئين والبؤساء الذين فتحت لهم أذرعك ذات يوم، وكنت لهم وطنا يوم عز الوطن، وبيتا يوم أن هُدم البيت، عندها لن تكوني لندن التي نُحب. مع أنني واثقة بأنكِ وإن بدوت غريبة علينا بعد أيام من الحادث، إلا أن محبيك سرعان ما سيعيدون لكِ شكلك الأول.. فانهضي وكفكفي دموعك.. سيدتي الجميلة.

    * كاتبة سعودية وطالبة دراسات عليا، المملكة المتحدة



    الوطن 13/07/2005

يعمل...
X