إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

تحليل سيميلوجي لخطاب خادم الحرمين الشريفين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تحليل سيميلوجي لخطاب خادم الحرمين الشريفين

    ماجد الشليل - الحياة


    إذا كان موضوع الإشارة أو ما يعرف سيميا عند الفرنسيين بالسيميولوجيا، وعند الإنكليز والأميركيين بالسيميوطيقيا هو أساس علم السيميولوجيا؛ فإن خطابات الملوك والرؤساء عادةً ما تُصاحب أو تُرفق بفيض من العلامات والرموز (سنركز في هذه الحالة على العلامات غير اللغوية، ودورها في تعزيز الخطاب)، من هنا تُولي الدراسات الحديثة أهمية كبيرة لتحليل الخطاب سيميولوجياً، أي الاهتمام بدراسات سيميولوجيا الخطاب، من خلال العلاقة بين السيميولوجيا واللسانيات.

    في هذا السياق أفردت مجلة الاتصال الفرنسية عام 1964 عدداً خاصاً، أسهم فيه باحثون وضعوا الأسس الأولية لمشروع تحليل الخطاب، ويرجح القول بأن محاولاتهم انصبت على وضع أسس تحليل الخطاب سيميولوجياً، أو بعبارة أخرى تحليل الخطاب من منظور سيميولوجي فقط.

    الواقع أن لكل خطاب قواعدَه وضوابطَه، أي المعطيات التي يقوم على إنتاجها، ويدخل في هذا المجال العامل اللغوي، والعامل غير اللغوي؛ ليسهما في إنتاج الخطاب اللغوي، وهذا ما يطلق عليه بـ»القرائن السياقية»، التي تعد فروعاً من أدوات الخطاب.

    إن الإيماءات علم يخص جميع القنوات غبر اللفظية التي تصدر عن الجسم، فالإيماءة هي حركة العين والأطراف ووضعية الجسد وحركاته المختلفة والمسافة بين المتحدثين، ونغمة الصوت وسرعته، وحتى مدة الصمت توصف على أنها نظام لغوي.

    بدا الملك سلمان بن عبدالعزيز من خلال الكلمة التي ألقاها هادئاً -وهي سمة الملوك- واثقاً جداً من خطابة، من خلال تحكمه وسيطرته على الحديث، إذ إنه لم يكثر من توظيف العلامات غير اللغوية ما عدا بعضها، وسنحاول التفصيل فيها لاحقاً، بالتركيز على دلالتها السيميولوجية.

    خاطب الملك سلمان مواطنيه، وهو ينظر مباشرة إليهم، إذ إنه غلَّب توظيف النظرة المباشرة في خطابه؛ وهو ما يفسر الاحترام والحب اللذين يكنهما الملك سلمان للشعب السعودي. سيميولوجياً، تفسر النظرة المباشرة بأنه شخص قوي، معتدل، نزيه، وصريح في خطابه، يمسك الملك سلمان الخطاب بين بيديه بطريقة جيدة؛ مما يفسر قدرته على إدارة شؤون المملكة، تظهر أصابع الملك وهو يمسك بالخطاب، وهو ما يفسر قوته بالمسك بزمام الأمور، فضلاً عن أنها توحي باحتضان الملك للمواطن السعودي، إذ إن الملك وهو يمسك بالخطاب لم ترتعش يداه؛ وهو ما يوحي بأن أمور المملكة تسير على ما يرام. يَقْلِب الملك سلمان الورقة الأولى من الخطاب، في هذه المرة يمسك الخطاب بيد واحدة، وهي الفقرة التي تحدث فيها الملك قائلاً: (وضعت نصب عيني مواصلة العمل على الأسس الثابتة، التي قامت عليها هذه البلاد)، تظهر قوة الملك هنا من خلال توظيف يد واحدة؛ وهو ما يفسر قوته، وهو يتحدث عن تمسك السعودية بالأسس التي قامت عليها.

    يُدْرَج هذا الخطاب ضمن ما يسمى «الخطاب المقنع»، الذي تتحدد قوته من خلال تحكم المتكلم وسيطرته على الحديث، ولاسيما من الجانب غير اللغوي، ويتسم خطاب الملك سلمان بضبط الحركات أثناء الكلام، وهي صفة يتمتع بها الملوك، فالهدوء والرزانة من صفات الأقوياء، فضلاً عن أنها صفة يتمتع بها الشرقيون.

    اقترن بعض خطاب الملك سلمان بالإيماءة، ولاسيما في فقرات منه؛ للتشديد والتأكيد، كما تم توظيف هذه الإيماءات؛ لغايات الشرح والإيضاح، فعلى سبيل المثال يعيد الملك الإمساك بورقة الخطاب عند الحديث عن أهمية الإعلام، واضعاً السبابة فوق الخطاب للتأكيد والتشديد على ضرورة إيلاء موضوع الإعلام عناية خاصة؛ لدوره المتعاظم في ظل التقنيات الحديثة للإعلام والاتصال، فمن يملك الوسيلة يملك المعلومة، في حين أنه حرَّك أوراق الخطاب عند الحديث عن اقتصاد المملكة، الذي يعد العصب الحيوي لأي دولة أرادت الازدهار والنمو، أو عند الحديث عن سياسة المملكة الخارجية، وهي علامة استمرار المملكة في سياستها المتبناة منذ التأسيس، وعلى رفض أي محاولة لزعزعة أمن المملكة أو محاولة التدخل في شؤونها.

    حافظ الملك سلمان على نبرة الصوت نفسها تقريباً طوال الكلمة كلها؛ لترتفع أحياناً خاصة عند الحديث على ثوابت المملكة، والتي تعد عوامل مصيرية، لتنخفض نبرة الصوت عند الحديث عن الدعوة إلى الحوار، وهكذا ينسجم خطاب الملك بين اللغوي منه وغير اللغوي. فالدعوة إلى الحوار تتناقض إذا ما اقترنت بنبرة صوت مرتفعة.

    خلال الكلمة التي ألقاها الملك سلمان، والتي دامت 12 دقيقة بقي الملك هادئاً، إذ لم يوظف إلا القليل من الإيماءات، وقد سبق أن شرحت لماذا ذلك، كما تميز بقصر الوقفات، إذ تفسر هذه العلامة سيميولوجياً على أنها مؤشر إيجابي على أن المتكلم متلهف للحديث مع المواطن السعودي، وهو ما يدل على أن الملك سلمان بن عبدالعزيز مستعد للاستماع إلى كل المواطنين، والوقوف شخصياً على انشغالاتهم، وتلك ميزة عرفت عنه منذ أن كان أميراً للرياض.


    * كاتب سعودي.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X