غازي العريضي - الاتحاد الاماراتية


قرار الملك سلمان بن عبد العزيز بتنفيذ العملية العسكرية في اليمن وإنشاء تحالف عربي إسلامي تقوده السعودية في هذا الاتجاه، فاجأ كل مراكز القرار السياسي وخصوصاً في أميركا وإيران. لم يكن يتوقع أحد مثل هذه المبادرة والسرعة في التنفيذ. تصرف الجميع على أساس أن أمراً واقعاً ما فرضه الإيراني في المنطقة من اليمن إلى بغداد وسوريا ولبنان وفلسطين، وعلى أساسه يفاوض الأميركي حول مشروعه النووي ودوره ونفوذه في المنطقة مستقبلاً، في ظل غياب عربي كامل شامل وخيبة أمل كبيرة من تخلي الأميركي عن حلفائه الأساسيين التاريخيين واستعداده لتركيب شرق أوسط جديد بشراكة تامة مع إيران، بعد أن كان هذا الأميركي قد دمّر العراق، تحت ذريعة التخلص من أسلحة الدمار الشامل، الكذبة التي فضحت أميركا وسياستها، وإقامة شرق أوسط جديد مبني على الديمقراطية، فإذا بالخراب والدمار يعمّان كل المنطقة، وديمقراطية الذبح والقتل والفقر والتهجير وتغيير وجه المنطقة بالفرز الديموغرافي على قاعدة مذهبية هنا وطائفية هناك، وقومية هنالك، وإذلال وتهديد الأقليات، وإشعال الفتن، ورهن خيرات المنطقة وثرواتها لسنوات طويلة، النتيجة الواضحة حتى الآن ولمّا تنته العملية بعد!

الطرف الإيراني أصيب بمفاجأة وصدمة وهو يشاهد «عاصفة الحزم» تقودها السعودية ضد «الحوثيين» وحلفائه ومن معهم، وهو يدخل إلى طاولة المفاوضات مع الأميركي وامتداداً الـ 5+1 حول برنامجه النووي. لم يعلّق، كل تركيزه هو على هذا الموضوع الاستراتيجي، ثم دعا إلى حوار كان له دور في إسقاطه مع نشوة تقدم «الحوثيين» وسيطرتهم على مفاصل القرار في اليمن بالتحالف مع علي عبدالله صالح. ولم يقف عند قرارات مجلس الأمن التي دعت إلى انسحاب المسلحين وإعادة السلاح إلى الدولة وتكريس شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي. اليوم تغيرت المعادلة، ضربات جوية متتالية لمواقع حلفائه، حصار جوي وبحري، صعوبة في تقديم العون للحلفاء. تولى الحلفاء غير اليمنيين الرّد، في لبنان خصوصاً بلسان السيد حسن نصر الله، الذي قال كلاماً كبيراً انفعالياً ضد السعودية لم تقله إيران مرة. وفي غير لبنان وتزامن ذلك مع موافقة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف على قرار اعتبر فيه ممارسات «حزب الله» إرهابية!

الطرف الأميركي أخذ علماً بالعملية العسكرية. لم يغطها بالكامل، يريد الاستمرار في الحوار مع إيران، لا يريد مواجهتها. مستعد للمساندة اللوجيستية، يستفيد من العملية للضغط على إيران، ولكن دون المشاركة فيها، ويؤكد على ضرورة الحل السياسي في آن معاً. يحاول استثمار القرار السعودي، بل الحرب السعودية في مفاوضاته مع إيران لحسابه الخاص. وأعطى إيران ضربات جوية ساعدت على « تحرير» تكريت دون أن يتمكن من إسقاط دور«الحشد الشعبي» المدعوم منها في «التحرير»، والذي سيكرس الانقسام المذهبي هناك أكثر فأكثر. فوجئ الأميركي بالغضب السعودي والمبادرة السعودية الاستثنائية الكبيرة التي تجاوزت الإذن أو الموافقة المسبقة.

ناقش السعوديون مع الأميركيين الوضع ثم اتخذوا القرار بمفردهم. نحن اليوم أمام مرحلة جديدة في كل المنطقة، لا السعودية بإمكانها التراجع، ولا إيران بإمكانها التقدم! وأميركا تتراجع وتتقدم حيث تقتضي مصلحتها، وذلك على حسابنا جميعاً! وعامل الوقت مهم، العملية السعودية حققت أهدافاً عسكرية كثيرة ومهمة أثرت على إيران وحلفائها. وباب المندب قضية دولية وليست سعودية فقط لضمان حركة الملاحة البحرية الدولية وأمنها ونقل النفط، مسألة استراتيجية يقف العالم كله مع السعودية وحلفائها فيما تقوم به على هذا الصعيد. لكن الواقع الميداني اليمني في الداخل مختلف، الحلفاء يضربون المواقع العسكرية الاستراتيجية للحوثيين وشركائهم، ولكن هؤلاء يتقدمون بشرياً على الأرض ويسيطرون على مواقع كثيرة. سيعانون من الحصار بالتأكيد، لكنهم يراهنون على الوقت. وإذا لم يتكون مناخ شعبي سياسي وتشكل قوات عسكرية شعبية ورسمية تواجه هذا التمدد «الحوثي- الصالحي»، ويكون التزاما بتنفيذ القرارات الدولية واحتضان دولي للموقف السعودي، وهو أمر غير متوفر حتى الآن – سنكون أمام حرب أهلية طويلة الأمد ومدمرة لأن خصوم السعودية واضحون فيما يسعون إليه اليوم، سيمنعونها من تثمير نتائج العملية العسكرية أياً تكن الكلفة، ويجب أن نتوقع تطورات سياسية وعسكرية وأمنية في أكثر من موقع في المنطقة ضد السعودية ومصالحها وحلفائها. وعلى هذا الأساس يجب بناء كل الحسابات!

غلّب الله الحكمة والعقل في كل مكان في منطقتنا - وخصوصاً في لبنان - والتي تحولت ساحاتها إلى مسارح حروب داخلية تستفيد منها إسرائيل وتستثمرها في مجالات معينة أميركا.