إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

على قدرِ أهلِ اللؤمِ تأتي الشتائمُ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • على قدرِ أهلِ اللؤمِ تأتي الشتائمُ

    د. حسناء عبدالعزيز القنيعير - الرياض

    يقول أحد الكتاب الغربيين: "في أيامنا هذه كثيراً ما يُنظَر إلى الكلمات باعتبارها مصدراً لعدم الاستقرار بين الشعوب، إنها حرب الكلمات؛ فقد تحولت الكلمات الآن وبصورة واضحة إلى ساحة معارك في إطار تصفية الحسابات، والتعبير عن الأحقاد المتغلغلة في نفوس بعضهم، وعلى هذا نستطيع أن نقول إن الموقف الليبرالي التقليدي الداعم لتوسيع نطاق حرية التعبير، بدأ يخسر مصداقيته في كل مكان".

    إن أبرز نتائج الأحداث التي عمت المنطقة العربية في السنوات الأخيرة هي زيادة حدة الخلافات والانقسامات العربية، التي تعمل على تعميقها وسائل إعلامية كثيرة لاسيما اللبنانية المحسوبة على الفرس، بدعوة شخصيات معروفة بتحالفاتها وارتهانها لخطط إيران التي تهدف لإشعال الفتن وزيادة بؤر التوتر في أكثر من منطقة عربية، ولعل أهم ما يتصف به أولئك المتحالفون، لؤم وجرأة وتكاذب دون حياء ودون أن يرف لهم جفن، لأنهم يوقنون أن المستهدفين يربؤون بأنفسهم عن النزول إلى مستنقعهم النتن الذي يتغذى على الأحقاد مدفوعة الثمن.

    تجدهم في القنوات الفضائية والصحف الإلكترونية والتجمعات الحزبية والنقابية العربية، فيعتري المتابع العجب، هل يدرك هؤلاء ما يفعلون؟ وهل نزعوا قناع الحياء فلم يعد يخيفهم أن يكتشف الناس حقيقة كونهم مجرد عملاء، يُدفع بهم ليبثوا سمومهم في أرجاء الوطن العربي، وليمارسوا موهبة الشتم وحملات الاتهامات التي تورطوا فيها بشكل مبتذل لا يخدم المصالح القومية العربية، بل مصالح إيران التي لم يعد يكفيها اللعب بأوراق لبنان والعراق وسورية المتاجرة بقضية فلسطين، بل السعي لاحتلال تلك الدول، إضافة لليمن وغيرها، في عمل أشد فحشاً مما فعلته إسرائيل التي وضعت يدها على دولة واحدة فقط بمساعدة دول الغرب، في زمن لم تكن أمة العرب تملك لنفسها من الأمر شيئاً، أما إيران المجوسية فهي تتمدد فوق الخارطة العربية، مدفوعة بثأر القادسية وأحقادها.

    لقد أصبح الخطاب الأكثر بروزا هو الهجوم على الدول الخليجية وخصوصاً بلادنا والتحريض عليها! بواسطة عملاء من المكابرين والغلاة الذين يعيثون في الأرض العربية تزويراً وتخويناً، تماهياً مع الإستراتيجيات التي عمقت الشقاق بتحميلنا مسؤولية تمادي إسرائيل في الحرب على لبنان ثم غزة، ويستسهل أولئك ما يتفوهون به من أكاذيب وأضاليل، يتلقاها الشارع العربي المغيب الذي لا يقدر على تحريكه سوى الغوغاء الذين يستغلون انكساراته ليلعبوا على وترها، فليس من أمة في الأرض يعتريها ما يعتري بعض أبناء الأمة العربية من اختلال فكري وانعدام في الرؤية السليمة واختلاط في المفاهيم، ففي كل كارثة تنزل بالأمة تزداد أمراضهم وتستفحل عللهم وتكثر خلافاتهم التي تؤكد أن لا شفاء لهم! ظاهرة بعض العرب المرضية تحتاج في هذا الزمن إلى دراسات عميقة يقوم بها علماء نفس واجتماع وسياسة وأخلاق ودين؛ لتحليل الظاهرة المرضية وتشخيصها والبحث عن سبل علاجها، إن كان ثمة علاج!

    إن تشويه مواقف بلادنا، لعبة أتقنها القوميون والثوريون ووجدوا في القنوات خير معين على تثبيت هذا الزيف وترويجه في الوطن العربي، عبر برامجها الحوارية التي تستضيف فيها كل لئيم وحاقد وكاذب وخائن لوطنه وللأخلاق العامة. ففي كل أزمة عربية وما أكثر أزمات العرب، يجري البحث عن موقف ما حتى يُحمل جريرة ما يحدث، وليس هذا بمستغرب على أمة امتهن بعض أفرادها تشويه الحقائق، فمن منا لا يذكر المواقف المتخاذلة والعدائية لتي صاحبت مبادرة الملك عبدالله - رحمه الله - للسلام في قمة بيروت 2002، وحرب لبنان عام 2006 التي تسبب بها المغامر حسن نصر اللات، حين زعموا كذباً وبهتاناً أن تحذير الملك عبدالله من المغامرات غير المحسوبة وفّر غطاء للهجمات الإسرائيلية، إضافة إلى ذلك فهناك من حاول أن يجعل لموقف بلادنا من الأزمة منطلقات عنصرية ضد شيعة لبنان، كما اتخذوا من مؤتمر حوار الحضارات والأديان الذي دعت إليه الأمم المتحدة وحضره الملك عبدالله، سبباً آخر من أسبابهم الكثيرة للهجوم على بلادنا؛ مدعين أن المؤتمر يشكل مدخلاً لتطبيع علاقات المملكة مع إسرائيل والاصطفاف ضد إيران! بسبب حضور شيمون بيريس، الذي لم تدعُه المملكة، بل دعاه الأمين العام للأمم المتحدة الذي رد على هذه الادعاءات قائلاً: "إننا هنا لنواجه العدو الأول وهو الجهل، أي جهل الآخر وليس لبناء جبهات ضد أي طرف أو دولة".

    ولم تكف آلة الردح الصفوية في لبنان عن مواصلة أدوارها المشبوهة وحملاتها اليومية ضد بلادنا إلى يومنا هذا، مستغلة حربنا ضد المجوس في اليمن، إذ شكّل الموقف السعودي في هذه الحرب صدمة للمرتزقة والتجار والمتباكين على القومية والكرامة العربية المهدورة وكأنها لم تهدر على أيدي المجوس منذ ثورة الخميني المقبور!

    هذا التكتل العدائي أشبه ما يكون بتكتل عصابات يفلت زمامها كلما التفتت، ووجدت من يهدد وجودها واستمرارها في عبثها وتلاعبها! فهل يستحق هؤلاء العتب والبعض منهم لم يتوانَ عن التآمر على وطنه حرباً وإرهاباً لحسابات أجنبية ومصالح خاصة؟ هذا عدا عمّا يقوم به المرتزقة الذين باعوا ضمائرهم وعرضوا أقلامهم وحناجرهم في سوق الصراع الذي تعمل على تأجيجه دولة المجوس العنصرية التي تصدر أزماتها للخارج، تغطية لإخفاقاتها في الداخل الإيراني الذي يعاني من أزمات داخلية وبطالة وضعف البنى التحتية وغير ذلك، لأنها تنفق على مؤامراتها ضد العرب مليارات الدولارات سنوياً على حساب الشعب الإيراني. إيران دولة مريضة، والدولة المريضة لا يحقق طموحاتها إلا مرضى مثلها.

    كان بعض العرب وما يزالون يحمّلون العربي الآخر مسؤولية إخفاقاتهم وهزائمهم ومغامراتهم غير المحسوبة حدّ التواطؤ مع العدو ضدهم، فلا مجال عندهم لصوت العقل الذي يقتضي محاسبة المسؤولين عن الهزيمة، هذا المنهج هو الذي جعل حسن نصر اللات يحول الهزيمة المروعة في الحرب مع إسرائيل نصراً إلهياً، ومثله فعلت حماس رغم القتلى والدمار المروع الذي أصاب غزة وأهلها، لذلك تساءلت كاتبة لبنانية بمرارة قائلة: "أين أشداق المثقفين العرب الذين يريدون مقاتلة إسرائيل؟ أم أن ذلك لا يتم إلا عبر لحمنا فقط وعبر أعصابنا؟ هل نحن بشر ونستحق الحياة؟ أم نحن مجرد حجارة تتقاذفها أرجل مصلحة أنظمة الاستبداد والعملاء". لقد تكاثر الغلاة والمتاجرون، ولن يكفوا مادام هناك من يستفيد من هذا التأجيج ويروج له ويدفع أثمانه، والمثير للعجب أن الذين يرفضون الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، يتغاضون عن الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية، ويستنكرون صد قوات الردع العربية لإيران في البحرين، بل ويدعون لإطلاق أيدي الحوثيين في اليمن ليكونوا وكلاء الولي الفقيه هنالك، ما يؤكد ازدواج المعايير التي كلما تصلبت كان العطاء أكثر!

    هذا هو حال الشعوب المأزومة تظل كالسائمة تمشي على غير هدى مستسلمة لقدرها تحت سلطة من يسلب كرامتها ويسخرها لخدمة أهدافه الشريرة، سحقاً لكرامتها وإنسانيتها، فتقبل كل هذا خانعة خاضعة، وعندما تعجز عن مواجهته تصب جام سخطها وحقدها وغضبها على الآخر تعبيراً عن فشلها في مواجهة واقعها، فما تعانيه الطائفة الشيعية في لبنان من زجّ بها في صراع لحساب أجندة الملالي، الذي يأتي في مقدمته الدفع بأبنائها في أتون حرب لا علاقة لهم بها، كحربهم ضد السوريين دعماً للطاغية بشار، ما جعلهم مكروهين في المنطقة العربية، إن الشعب الذي يغفر للزعيم الملهم خطاياه وهزائمه، الشعب الذي يستسهل خراب الأوطان وضياعها، الشعب الذي يرفض محاسبة الزعيم على مغامراته، الشعب الذي يحوّل الهزيمة إلى نكسة، الشعب الذي يهتف للزعيم فيما هو يقودهم إلى التهلكة، الشعب الذي لا يراه الزعيم مستحقاً لكلمة اعتذار واحدة أو اعتراف بخطأ، ليس غريباً عليه قلب الحقائق فيحوّل صوت العقل إلى خيانة وتفريط بحقوقه، فمن أبجديات السياسة أن القيادة الواعية الحكيمة هي التي تسعى لتجنيب شعبها ويلات الحرب وتعريض أمنه ومكاسبه وإنجازاته للدمار والتضحية بالأنفس البريئة، والدخول بالوطن في مغامرات نتائجها الخاسرة معروفة مسبقاً، القيادة الحكيمة هي التي تعرف إمكانياتها جيداً وتعرف قدرات عدوها المتقدمة والمتفوقة فلا تزج ببلادها في معارك مدمرة، وهذا ما لم يفعله الثائرون والممانعون من المتاجرين بالفضايا العربية، كبشار الأسد، وحسن نصر اللات نزيل السراديب.

    تجرعت إيران مرارة الهزيمة في البحرين، عندما أربكت قوات درع الجزيرة مخططاتها هنالك، بل وفي منطقة الخليج العربي كله، وعزّز شعورها بالهزيمة ما يحدث في سورية من ثورة شعبية توشك على إسقاط النظام، ذلك أن سقوطه يعني سقوط المخطط الإيراني الذي يهدف إلى بسط سيطرتها على المنطقة، لهذا شرعت في إكمال مشروعها في اليمن بدعم المتمردين الحوثيين، الذين أخذت في إعدادهم منذ سنوات ليقوموا بالدور نفسه الذي يقوم به حسن نصر اللات في لبنان، فكان الموقف الحازم الذي اتخذته بلادنا حيال تدخلها السافر في اليمن موقفاً حكيماً وعقلانياً وشجاعاً، إذ لم يعد التروي يجدي نفعاً مع الذين يريدون فرض واقع جديد في منطقة الجزيرة العربية، كذلك لم تبالِ بما يقوله من لديهم حسابات خاصة تناغماً مع مواقف قبضوا أثمانها، إنْ على صعيد بعض الدول المتخاذلة في منطقتنا، أم على صعيد الأفراد، وأعني بهم تلك الأبواق التي يعج بها الفضاء الفارسي انطلاقاً من لبنان والعراق. إن تلك الأبواق وهي تعلن دعمها للملالي في مساندة بشار والحوثيين، لتؤكد أن ما دأبت هي والبوق الأكبر حسن حزب اللات على المناداة به، من قيم العدالة ونضال الشعوب والدفاع عن المظلومين ودعم الفلسطينيين، ليس إلا شعارات زائفة لم تعد تنطلي على عقلاء الأمة، أما حسن نصر اللات فلقد فهم من مبادرة بلادنا لصد أحلام إيران في اليمن، بأن زمن إطلاق التهديدات من داخل السراديب والأقبية ولّى إلى غير رجعة، وعليه أن يعد العدة للرحيل غير مأسوف عليه إلى حيث ألقت رحْلها أمُّ قشعم!

    أخيراً ماذا عن إعلامنا في هذه الحملة الشرسة؟ فإذا استثنينا ما تقوم به قناة العربية من بعض برامج تكشف ذلك الزيف، فإننا لا نكاد نجد خطاباً إعلامياً داخلياً يوازي تلك الحملة الموبوءة، عدا ما يقوم به كتاب الرأي في معظم صحفنا من جهد واضح في هذا الصدد، أما الإعلام المرئي فأظن أنه بحاجة إلى جرعات منشطة ليفيق من سباته العميق، الذي إن قبلنا به في الأوضاع المعتادة، فإنه من غير اللائق بقاؤه في صورة لا أرى لا أسمع ولا أتكلم! نحن بلا ريب في حرب ينبغي أن نجند لها كل أسلحتنا، ولن يتقاعس إلا من يعاني نقصاً في حسه الوطني.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X