فيصل العساف - الحياة

منذ توحيدها على يد مؤسسها الملك عبدالعزيز، مرت السعودية بمراحل ومنعطفات مهمة، كانت مسرحاً لتكهنات تطرح على الدوام رؤى -بمرتبة أمنيات- عن نهايتها.

كان الوقوف في وجه المد القومي العروبي الذي أراد تطويع الأوطان لمصلحة معتقداته، ثم التهامها بداعي الوحدة، واحداً من أبرز هذه التحديات الجسام الذي واجهته الدولة السعودية متمثلة بحزم وحنكة الملك فيصل بكل صلابة.

كان الهدف واضحاً في عيون الواقعية السياسية السعودية، وهو الاستقرار السياسي من أجل النماء، بعيداً عن عنتريات القوم «الكورتيزونية»، التي تعمل على نفخ الذات بمصطلحاتها الرنانة، فتكون النتيجة غيبوبة سياسية لا تلبث أن تستفيق على واقع مرير، يملأ صفحاته الكثير من الخيبات والوعود التي انضمت جراء الهزائم والانتكاسات، إلى أخواتها من أحلام العقل العربي صعبة المنال. تاريخياً -من وجهة نظري-، كانت فترة الملك فيصل مهمة ومفصلية في تاريخ السعودية الحديث، استطاع الراحل مواجهة معطياتها التي هددت أمن الوطن بما تقتضيه، وهو يرفع شعار عدم التنازل أو التفريط، فكان أن أرسى دعائم البناء الوليد.

اليوم، تواجه السعودية تحدياً مشابهاً، فالمزاج العربي لا يزال يكتنفه الربيع، على رغم أعوام الألم التي تتكبدها الأمة بسببه، وبسبب الأيادي الخارجية التي تخوض في إرهاصاته حتى باتت أكثر عدواناً، يعاونها على ذلك بعض مرتزقة المصائب من تجار الوعود الوهمية، لكن باسم الدين هذه المرة. وإذا كانت السعودية قد تجاوزت المراحل الصعبة بالسعوديين جميعاً، بعد أن أصبح التلاحم والاصطفاف خلف الأسرة الحاكمة هو عنوان الربيع السعودي بامتياز. فإن الأصعب الذي يمكن القول بأنه كان يقلق الكثيرين حين يتجه الحديث السياسي في الغالب نحو المستقبل، قد تم حسم أمره على يد الملك سلمان، عندما جعل من أوليات حكمه تفعيل خريطة الطريق التي ستعمل على ضمان استمرارية المملكة.

في كلماته، كثيراً ما كان الملك الخبير سلمان يعود إلى الماضي، أراد دائماً التذكير بالبدايات البسيطة التي عايشها واقعاً، كي لا يظن أحد بأن ما نحن فيه اليوم ليس سوى منحة ربانية أزلية لا تقبل الزوال.

لا أشك في أن الملك سلمان أراد انطلاقاً من إحساسه الكبير بالمسؤولية تجاه مملكته، أن يشرف في شكل مباشر على عملية التدرج في نقل السلطة، من جيل تأسيس استوعب جيداً مشقة الرحلة، وتحفظ ذاكرته أهمية الجد في طلب المجد، إلى مرحلة الأحفاد التي منح لواءها للأمير محمد بن نايف، الاسم المجرب الذي تقدم الصفوف في الذود عن أمن بلاده بكل بسالة، حتى كاد يدفع حياته ثمناً لذلك، والقائد الذي تعامل مع قضية الإرهاب الشائكة التي تتحول معها كثير من الدول إلى معتقلات كبيرة، بمواقف تعكس حنكته ومبادئ الدولة، التي تسبق يد العفو فيها يد العقوبة.

وأمام التحديات العالمية والإقليمية التي تمر بها المنطقة، كان الملك سلمان أعمق في نظرته إلى تثبيت دعائم المستقبل، لذلك قدَّم واحداً من جيل الشباب الذين أشرف بنفسه على صقل موهبته المتجذرة في مدرسة الحكم، ليكون الأمير محمد بن سلمان حلقة الوصل الأهم في سلسلة العبور المحكمة، بكل ما يحظى به اليوم في الأوساط الداخلية والإسلامية من تقدير، نظير دوره الفاعل كقائد ميداني أثبت جدارة في بتر يد التمرد المدعوم إيرانياً في اليمن، وكذلك بالنظر إلى نجاحه السياسي في تحييد الدور الروسي في مجلس الأمن، بخصوص قرار السماح بالتدخل العسكري؛ من أجل دعم شرعية الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي.

راهن حاقدون كثر على فترة ما بعد أبناء عبدالعزيز، حتى صارت ساحةً للتشكيك في كفاءة الدولة، ومن مدى قدرتها على تخطي تداعياتها، التي كانت بحسب تحليلات «منجمي» السياسة القشة التي ستقصم ظهر البعير، لكن تعود هذه الأسرة الحاكمة لأكثر من ثلاثة قرون، لتثبت عبر قرارات الملك سلمان الأخيرة بتعيين الأمير محمد بن نايف ولياً للعهد، والأمير محمد بن سلمان ولياً لولي العهد، أن السعودية في أياد أمينة، بايعت على حفظ أمنها واستقرارها.