إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

التقسيم هو الحل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التقسيم هو الحل

    فهد الدغيثر - الحياة



    المقصود بـ «التقسيم» هنا تحويل المساحة الكبيرة إلى أجزاء يسهل التعامل معها والسيطرة عليها. ينطبق ذلك على العمل الإداري والتنظيمي أيضاً، إذ إنه كلما كانت أهداف الإدارة أصغر كلما اقتربت هذه الإدارة من تحقيق أهدافها بتمكن ودقة وإبداع. كمثال على هذه المقدمة الحال التي عليها معظم عواصمنا العربية الكبرى التي تعاني من فقدان السيطرة على الخدمات والمتابعة والصيانة والتطوير المستمر والمحافظة على التراث. سبب ذلك، إضافة إلى سوء التخطيط والمركزية القاتلة، يعود إلى تضخم تلك المدن مع الجمود في الإدارة والقدرات البشرية والإمكانات اللوجستية والمادية ووسائل المراقبة التي يفترض أن تواكب هذا التضخم الهائل، لهذا السبب قلما تجد عاصمة عربية في قائمة المدن الأجمل والأكثر جذباً للزوار في العالم.


    من أهم أسباب تطور المدن والعواصم في العوالم المتقدمة التنظيم الإداري الذي أراه غائباً عن خططنا في الوطن العربي، فمدينة لندن على سبيل المثال تتكون من ٣٣ منطقة يدير كل واحدة منها مسؤول وإدارة مستقلة ومسؤولة في ما يتعلق بالخدمات العامة والصيانة والصحة والتشريعات، علماً أن شرطة لندن وخلافاً لما هو معمول به في الولايات المتحدة يشرف على كل المدينة بجميع مقاطعاتها. في الجهة الأخرى لوس أنجليس التي تتكون مما يقرب من ٩٠ مقاطعة أو (county) أكبرها مقاطعة «لوس أنجليس» وهي الأكبر (٣.٥ مليون نسمة) نفسها ومقاطعات «باسادينا» و «انجل وود» و «بيفرلي هيلز» وغيرها. نحن لا نتحدث عن حدود جغرافية بارزة تفصل ما بين هذه المقاطعات، ومن يزور هذه المدينة قد لا يلاحظ أنه دخل مقاطعة وخرج منها، معتقداً أنه في مدينة واحدة. إدارة الشرطة في هذه المدينة تتبع لكل مقاطعة كبرى، فمثلاً تشاهد سيارة شرطة مكتوباً عليها «بوليس بيفرلي هيلز» وهو مختلف عن «بوليس باسادينا» كإدارة وإشراف وموازنة مالية. من هنا فالسر في الإبقاء على هاتين المدينتين وغيرها حول العالم المتقدم نظيفة ومرتبة وتملك مناطقها عناصر الاستمرار هو التنظيم والمتابعة والصيانة تحت إدارات مستقلة بصلاحيات واسعة مع بسط القوانين الفيدرالية والمحلية وتطبيقها.

    في المقابل، الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية تمددت بشكل مرعب، مساحة وعدد سكان، من دون أن يواكب ذلك تطور إداري قادر على متابعة هذا التمدد والمحافظة على رقي المناطق ومستوى المعيشة وجودة الحياة، من يقود سيارته في عدد من الأحياء هذه الأيام لا بد أن يدرك حجم المعاناة في الطريق بسبب الصيانة المتدنية جداً ورداءة الأرصفة والمباني المهملة والفتحات التجارية الرديئة المشوهة لجمال الشوارع وإهمال التشجير والزراعة بلا رقيب. نعم، يوجد ما يسمى البلديات الفرعية، لكنها غير قادرة على النهوض بالمسؤوليات الكبرى كونها مكاتب ضعيفة ومحدودة في إمكاناتها. نعم، توجد الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، لكنها لا تتدخل في التفاصيل اليومية للمدينة ومناطقها السكنية. من هنا والحديث عن الرياض ويمكن تطبيقه على مدن وعواصم في منطقتنا، فالحل يكمن في ضرورة تقسيم مثل هذه المدن ووضع اللوائح والأنظمة الجديدة والمرونة الكافية للقائمين عليها لتحمل المسؤوليات الجديدة. قد تحتاج الرياض إلى تقسيمها لـ10 أو حتى 20 منطقة، تتنافس في ما بينها على الأفضل سواء في التنظيم أم الصيانة، حتى في ما يتعلق بالأمن والسلامة والصحة والتعليم سيكون التركيز على الجودة والإتقان أسهل، طالما أن المهمة أصبحت تغطي مناطق أصغر بكثير من ذي قبل تمكن السيطرة عليها وإدارتها بالمستويات المطلوبة.

    السؤال: هل لدينا الكفاءات القادرة على إدارة هذه الأقسام لو تم الأخذ بهذا الاقتراح؟ نعم، توجد الكفاءات، لكنها في حاجة إلى الدورات المناسبة لمثل هذه المهمات، كما لا يوجد مانع من ابتعاث بضع مئات من المؤهلين لدراسة التخصص المناسب في الدول المتقدمة والعودة لقيادة هذه المدن ومقاطعاتها والإبحار بها إلى مصاف المدن العالمية ولو بعد حين، كما لا ننسى أن تطويراً من هذا النوع سيولد مهناً ووظائف جديدة، نحن بأمس الحاجة إليها من دون أن يشكل ذلك عبئاً كبيراً على بنود الرواتب والتشغيل عندما نعتبر أن المقاطعة مركز مالي مستقل له مداخيل مالية مستقلة، في ما بعد سنختار المجالس البلدية لمناطق «العليا» و «النسيم» و «الروضة» وغيرها بدلاً من المجلس البلدي الواحد للرياض، وستشرف أمانة المدينة وقد أصبحت جهازاً إشرافياً أكثر من كونه إدارياً بيروقراطياً على هذه المناطق، بل حتى القضاء والتعليم والصحة والأمن العام كما أشرت، ستتطور للأفضل عندما نطبق مفهوم المناطق الأصغر ونكثف الإشراف ونصمم برامج التحفيز. قد نتفاجأ في ما بعد بقراءة إحصاءات تقول إن منطقة «السويدي» غرب الرياض هي الأكثر نظافة أو الأقوى في مخرجات التعليم ربما بسبب همة ونشاط وكفاءة القائمين على خدمات تلك المنطقة وهكذا. وقد نكتشف أن أجمل حديقة في الرياض هي حديقة منطقة «الروضة» شرق الرياض للأسباب ذاتها. المركزية الغارقة في البيروقراطية في الإدارة مفهوم لا يتفق مع العلوم الحديثة في هذا التخصص، حتى في أجهزة الاستخبارات والأمن، ولا يتفق مع برامج التحول الوطني التي باشرت الحكومة السعودية بتطبيقه قبل عام ونصف العام، ولا تساعد هذه المركزية على تحقيق رؤية المملكة بسبب ما تحمله من أعباء هائلة تصعب معها خفة الحركة وسرعة القرار ودقة التنفيذ التي تتطلبها المرحلة.

    * كاتب سعودي
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X