إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

تشكيل «اللوبي».. الضرورات والدوافع

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تشكيل «اللوبي».. الضرورات والدوافع

    ابراهيم بن عبدالله المطرف - الحياة

    مقالتنا هذه تتصدى لقضية أصبحت تزداد أهميتها، وأكّدتها العديد من «المتغيّرات» الدولية والإقليمية في الأشهر القليلة الأخيرة، خصوصاً ما طرأ من أحداث في الساحتين الإقليمية والدولية منذ أكتوبر 2018، إذ تصاعدَت وبشكل ملحوظ جداً لهجة الحديث «العدائي» ضد المملكة من بعض الأطراف الإقليمية والدولية، وصاحبتها موجة عداء وحقد استهدفت شعب المملكة، موجة عداء حاولت النيل من قادتها والهجوم الحاقد على موقعها الروحي والديني، مستهدفةً زعامتها في محيطيها العربي والخليجي، وفي مجالها الإقليمي، وفي ساحتها الإسلامية.


    الحملة «العدائية» تعكس رغبة دفينة منذ أيلول (سبتمبر) 2001، باتت واضحة في شعاراتها واستخدامها «الخطاب» نفسه واللهجة التي سادت في ذلك الوقت، والتي حاولت إلصاقَ تهمة الإرهاب بالمملكة وشعبها، على رغم فشل كل الدعاوى السابقة وفشل كل الحملات «الهجومية» التي تعرّضت لها المملكة عقب أحداث سبتمبر.

    الحملة «الهجومية» تعكس عداءً مزمناً وثابتاً لدى جماعات بعضها صهيوني الهُويّة وآخر طائفي ومذهبي، وكلاهما يتخذ من المملكة خصماً وعدوّاً، ويتخذ منها هدفاً لأحقاده واستراتيجياته التاريخية، وعلى نحو لا يمكن التعويل على تغييره، وإلى حد كبير، بل يستدعي مواجهته ومقاومة أساليبه وأدواته، فضلاً عن أطروحاته الفكرية والسياسية.

    على أنه ليس من اللافت للنظر هنا أي إشارات إلى العلاقات «الاقتصادية»، خصوصاً العلاقات التجارية بين المملكة والولايات المتحدة، والحديث في هذا الإطار عن الصفقات التجارية الكبيرة التي عقدتها أو تعقدها المملكة في هذا المجال، لاسيما صفقات السلاح، إذ تقدّر مبيعات الأسلحة بأكبر المبالغ التي رصدتها المملكة في هذا الشأن، بحيث أعلنت المملكة أنها قد غيّرت استراتيجيتَها في مجال التسليح، على نحو يجعل الولايات المتحدة الطرف الرئيس في هذا المجال، بالنسبة لمصادر السلاح التي تعتمدها المملكة.

    وعلى رغم تأكيد الإدارة الأميركية أهمية السعودية كشريك تجاري كبير، وأهمية الصفقات التجارية التي تعقدها المملكة مع الولايات المتحدة، باعتبارها عقوداً تتفوّق على ما تعقده الولايات المتحدة مع أيّ طرف دولي، إلا أنه لا يمكنُ قصر العلاقة بين الجانبين على الشراكة التجارية أو وضعها في إطار اقتصادي على نحو أو آخر، وبشكل يعكسُ تحولاً إلى «تحجيم» الشركة الاستراتيجية بين البلدين في هذه النظرة «الأحادية».

    اللافت للنظر هنا أيضاً هو، أن الأصوات الأميركية والإقليمية التي سعت إلى مهاجمة المملكة والنيل منها، والهبوط بمستوى «الشراكة» الاستراتيجية بين البلدين إلى مستوى التبادل التجاري فحسب، هي الأصوات ذاتها التي بادرت إلى الهجوم على المملكة، شعباً وهُويّة وقيادة، في مطلع الألفية الجديدة، وفي أعقاب حادثة سبتمبر 2001، ساعية في الوقت نفسه، ليس إلى مجرد إحداث توتر أو اضطراب في علاقة البلدين، بل إلى تخريب العلاقة وإحداث قطيعة كاملة وتحويلها إلى علاقة «عداء»!

    ويمكن ملاحظة «مشترك» بين هذه الحملات العدائية التي استهدفت المملكة وفشلت في السابق، وتلك التي تعرّضت ولا تزال تتعرّض لها المملكة وستفشل حتماً، ويتجسّد ذلك المشترك في مدخل هذه الحملات من تحجيم العلاقة ومحاولة قصرها على الاقتصاد، أو وضعها في سلة واحدة لا تتسع إلا للتجارة، تقليلاً من شأن العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وفي محاولة للنيل من الأهمية الاستراتيجية للمملكة في موازين السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

    ولا شك في أن تحول الموقف الأميركي من اعتبار الرياض مجرد شريك تجاري، والتحول عن دعمها لكونها شريكاً استراتيجياً كبيراً في أيّ مواجهات وفي أيّ تحالفات دولية أو إقليمية، إلى تبرير ذلك بأهمية العقود العسكرية وصفقات السلاح المبرمة بين البلدين، هو منطق «خبيث» يسعى إلى ضرب الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في القلب.

    إن الحديث فقط عن حاجة الولايات المتحدة للعلاقات الاقتصادية مع المملكة، ممثلة في صفقات السلاح، أو بما توفره من فرص عمل للشركات الأميركية، هو حديث مُريب ولا يخلو من غرض، وهو يكشف عن نوايا تستهدف في الأساس إثارة نعرة «متعصبة» ضد المملكة العربية السعودية، إذ إنه حديث يستفز مشاعر العديد من الأميركيين، فضلاً عن أعضاء مجلس النواب وأعضاء الكونغرس الأميركي، الذين يرون في ذلك إهانة لأميركا كقوة عظمى يمكن شراؤها ببضعة بليونات من الدولارات، الأمر الذى يطرح على الديبلوماسية السعودية و«اللوبي» السعودي، بمختلف تكويناته، الانتباه إلى ضرورة الابتعاد عن هذه اللهجة في الحديث عن العلاقات بين البلدين، وتجنب الوقوع في «فخ» تحجيم العلاقة والهبوط بمستواها والتقليل من أهميتها، بحيث يجري «تقزيمُها» في صورة التبادل التجاري، وحصرُها في صفقات «البيع والشراء».

    ذلك أن الشراكة السعودية - الأميركية تعكس، وبحق، «وزنَ» المملكة وحجمها وموقعها في محيطها الخليجي والعربي والإقليمي، وفي عالمها الإسلامي وعلى الصعيد الدولي، وتلك «دوائر» حركتها الديبلوماسية، ومجال أداء سياستها الخارجية التي حققت فيها جميعاً نجاحاً ملحوظاً في التأثير «الناعم»، كما حققت الكثير في مجال تأثيرها «الروحي» بين مختلف شعوب العالم وحكوماته.

    ولم تكن الولايات المتحدة لتحرص على علاقتها «الاستراتيجية» بالمملكة من دون إدراك قوي لأهمية المملكة وتأثيرها في دوائر حركتها، وفي المجالات «الحيوية» لسياستها الخارجية وديبلوماسيتها، بحيث تحكم «المصالح» أداء السياسة الخارجية للولايات المتحدة في كل مكان من العالم، خصوصاً في الشرق الأوسط والمنطقة العربية.

    وقد بات من الضروري «استثمار» الموقع الروحي والمكانة الدينية و«الوزن» الكبير للمملكة في هذه الدوائر كافة، عبر آليات جديدة تعتمد على الإنسان السعودي، وتستند إلى ما تمتلكه المملكة من الموارد البشرية والثروة الإنسانية.

    هنا، تستدعي القضية تناول جانب على قدر كبير من الأهمية، يتعلّق بأبناء الوطن الذين يعيشون في الولايات المتحدة، إذ يعرف المبتعَثون في الولايات المتحدة طبيعة البلد الذي يعيشون فيه وطرق الحوار مع الأميركيين، بل وسبل التأثير في هذا المجتمع الذي وإن بدا غريباً عنهم إلا أنهم اقتربوا منه وأصبحوا بصورة أو بأخرى جزءاً من نسيجه الذي يُتيح لمختلف الأعراق والأصول أن تندمج

    وتتواصلَ وتتفاعل.

    ويمكننا أن نتفهم هذه الحقيقة، وأن نُدركَ تأثيرَها الحقيقي في ضوء الحقائق والمتغيّرات التي طرأت على بيئة «الاتصال» الجديدة في العالم، إذ كان من أبرز نتائج تطور تكنولوجيا الاتصال ظهور أشكال عدّة من الديبلوماسية، من أهمها الديبلوماسية الرقمية، والديبلوماسية الإلكترونية، ما يعني ظهور ديبلوماسية عالمية جديدة يستخدم فيها النشطاء وتويتر والمنظمات الخاصة والعامة والقادة السياسيون والجمهور العام، وسائل التواصل الاجتماعي مثل: فيسبوك وتويتر، إضافة إلى كل الإمكانات التي يوفرها «الإنترنت» لنشر الأفكار وبناء العلاقات الثقافية على المستوى العالمي وتشكيل الصور الذهنية والتأثير على الجماهير.

    «لذلك، ظهرت مفاهيم جديدة منها الديبلوماسية على تويتر (twiplomacy)، والديبلوماسية باستخدام الفيسبوك (facebook diplomacy)، وهذه المصطلحات تعني أن هناك مجالات جديدة لممارسة الديبلوماسية، وأن كل دولة لا بد أن تبحث عن كيفية استغلال أدوات الإنترنت مثل وسائل التواصل الاجتماعي في ممارسة الديبلوماسية».

    (سليمان صالح - استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الدبلوماسية العامة – من دون تاريخ- متاح على الرابط:

    https://units.imamu.edu.sa/Conferenc...9%84%D8%AD.pdf).

    ولا شك في أن اهتمامنا بدور وسائل التواصل الاجتماعي في دعم نظم الديبلوماسية الوطنية ينبع من أهميتها الحيوية في دعم أداء «اللوبي» السعودي، الذي يمكنه الاعتماد عليها في تطوير توجهاته وتحسين آليات خطابه وأساليب إدارة حواراته، سواء في المجتمع الأميركي أم غيره من المجتمعات، إذ باتت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم تلعب دوراً متعاظماً في تطوير ما يُسمّيه كثير من الباحثين «ديبلوماسية المواطن» و«الديبلوماسية الثقافية» وبناء صورتها الذهنية وتشكيل علاقاتها طويلة المدى مع الشعوب.

    لقد واجهت الديبلوماسية التقليدية خلال العقود الثلاثة الأخيرة تحديات مستمرة، أهمها ظهور فاعلين جدد في تشكيل العلاقات بين الشعوب والدول. فـ «الديبلوماسية التقليدية يمارسها ديبلوماسيون محترفون ومؤهلون ومهنيون، وتقوم على السرية، وتركز على العلاقات الثنائية بين الدول». (المصدر السابق)، إلا أن الديبلوماسية التقليدية لم تعد قادرة على التفاعل مع العديد من القضايا، مع تزايد دور النخب الثقافية والسياسية وفئات عدة داخل المجتمعات، إضافة إلى ضغوط وسائل الاتصال الجماهيري منذ أواخر الثمانينات، وتزايد دور الشعوب في الضغط على الحكومات، خصوصاً في القضايا ذات الطابع العالمي، ما فتح المجال لشكل جديد من الديبلوماسية، وهو الديبلوماسية العالمية (Global diplomacy)، كما ظهر دور مجموعات المواطنين التي جمعتها الكثير من الجمعيات والمنظمات تحت عناوين وأسماء مختلفة، والتي شكلت ضغطاً على الحكومات وأثرت على الرأي العام.

    إذن، لا بد أن يبرز هنا دور «المواطن» في ديبلوماسية المستقبل، كما يبرز دور الوسائط أو الوسائل الحديثة التي يتم استخدامها في تلك الديبلوماسية، وهو ما سنحاول أن نتناوله بتفصيل أكبر، وفي مساحة أكثر اتّساعاً.

    * أستاذ العلاقات والمنظمات الدولية المشارك الأسبق بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
يعمل...
X