إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

«المنقبتان»

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • «المنقبتان»

    محمد اليامي - الحياة



    قدّمت شابتان سعوديتان دروساً أعتبرها أولاً «إسلامية» لأنها تنشر ثقافة الإسلام الحقيقية، ثم إنسانية لأنها ترسخ معنى عميق لعلاقات البشر، ثم مهنية لارتباط مواقفهما إلى حد ما بطبيعة أو مكان عملهما. عبير العنزي تبرعت بجزء من كبدها لطفلة لا تعرفها ولا تمت لها سوى بصلة «الأخوة» في الإسلام والمشاركة في الإنسانية، وعندما سئلت لماذا تتبرع لطفلة لا تعرفها؟ أجابت: «الله يعرفها والله يعرفني»، وهي إجابة تتعب حتى أهل اللغة والكتابة والإبداع في بلاغتها واختصارها وعمقها ومقدار الإلهام الروحي فيها.


    مسلية الشهري أخصائية أو استشارية العلاج الطبيعي في مدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز الإنسانية -رحمه الله وجعلها في موازين حسناته- ظهرت في مقطع مصور أثناء تدريبها شابا من «ذوي الهمم» على صعود الدرج بالكرسي المتحرك عبر «تكنيك» ينم عن خبرتها، وكانت في المقطع في منتهى المهنية والحنان والحزم وقالت للشاب وهي تمسك كرسيه من الخلف: «لا تخاف أنا وراك»، بعد أن خاف من سقوطه أثناء محاولة الصعود، فأشعلت جملتها قلوب الجماهير التي أجزم أن بعضها اغرورقت عيناه بالدموع لمشهد طبي حضاري إنساني بطلته شابة سعودية.

    الشابتان لم تعلنا عن اسميهما، الناس عرفوهما وعرفوا بهما، وهما كانتا منقبتان لا يرى منهما إلا العينين، لكن الجميع رأى جمال تدينهما، وإيمانهما بما تفعلان، جمال تربيتهما، وروحهما، وكانت القصتان ملهمتان للجميع، ومطمئنتان أن «الروح السعودية» لا تزال وستظل بخير. ربما يكون من التفاصيل الصغيرة في الموضوع أنهما «منقبتان» - ترتديان النقاب- لكن لذلك دلالة تهمني في هذا التوقيت من التاريخ الاجتماعي السعودي الذي يمنح الخيارات وحق الاختيار، وأعرف أنني وكثير من الناس لن يختلف شعورنا وموقفنا من هذا «النبل» والإخلاص والإنسانية لو كانت إحداهما أو كلتاهما محجبتان مثلاً.

    لقد حدث تزامنا مع القصتين أو قبلهما بقليل أن «غرد» شاب يبدو أنه سعودي - أو هكذا يقول حسابه - بكلام تافه وسخيف يعلق فيه على صورة طبيبات أو ممارسات صحيات - لا نعلم تحديداً - يستهزئ فيه من نقابهن ويستنكره على عاملات في القطاع الصحي، ولعل القصتان أعلاه هي أبلغ رد عليه وعلى من يفكر مثله. المرأة السعودية وكذا الرجل السعودي لم ولن يمنعهما الحجاب أو النقاب أو الشماغ والعقال من الإبداع في أي مجال، ولعلي أعتبر النقاب جزءا من «الثقافة» السعودية حتى لو كان هناك اختلاف فقهي عليه واعتبره ممثلا شكليا - لمن اختارته - كما أعتبر الحجاب الاسلامي، أو «الغطوة» من دون نقاب كذلك، وأرى أنه عنصر محايد في الحكم على أداء ومهنية المرأة، كما أن الزي السعودي يجب أن يكون محايدا في الحكم على أداء ومهنية الرجل. لقد أثلجت «المنقبتان» صدور المواطنين والمواطنات الذين أثق أن أغلبهم لن يتغير موقفهم مما صنعوا لو كن ممن اخترن طريقة أخرى للباس الساتر، أما من في قلبه مرض «التشدد والغلو»، أو من قلبه مرض «التفسخ والانحلال» فكلاهما لا يهمنا موقفه حتى لو كنا مهتمين بعلاج أمراضه.





يعمل...
X