إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

بالقوانين نصوغ مجتمعنا الجديد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • بالقوانين نصوغ مجتمعنا الجديد

    محمد المزيني - الحياة

    مرّ المجتمع السعودي خلال أكثر من 40 سنة، وهو ما يسمى بـ«زمن الصحوة»، بتجريف للهوية الدينية الحقيقية الطبيعية التي جاءت من عندالله سبحانه وتعالى، فنقل المجتمع من تلقائيته الأخلاقية الطبيعية، إلى مجتمع يتعامل مع ذاته بكثير من العدوانية التي ركّب لها أدوات استشعار مسكونة بالخوف ومحفوفة بـ«عسكر» جدد يلاحقون الناس ويتصيدونهم في كل مكان، وقد نصب هؤلاء الحرس الذين كانت مهمتهم ربط المجتمع بسلاسل غليظة وقيادته إلى مصدر اتجاه واحد بشعار: «أناس يجرون إلى الجنة بسلاسل». تغلغلوا في عمق المجتمع بأصوات حرشاء منذرة متوعدة تقول وتفعل بقوة نظام غير مكتوب، وأي خارج عن ربقتهم هو شاذ، ومن شاذ شذ في النار.


    صنّفوا انفسهم «حماة» الدين، وصوّروا المرأة كما كان يراها فلاسفة اليونان «محض شيطان لا يليق بها مخالطة الشيطان» وأن تنزوي داخل البيوت كالحبيسة التي ارتكبت جريمة، فقط لطبيعتها الأنثوية، وقد مارسوا عليها «وأداً» لا يشبهه سوى «وأد الجاهلية» الأولى لها، لأنها مصدر الشرور ودالة على العار والخزي.

    نمت وتجذرّت هذه النبتة السامة داخل كثير من البيوت حتى ظهرت في مجتمعنا أزمات كثيرة، أولها الصراع الداخلي بين مظاهر الحياة الجديدة ومتطلباتها، وبين ما يحاول أولئك تكريسه داخل المجتمع من تخويف وتهديد وملاحقة، حتى برزت إلى السطح حالات نفسية، و«كان الصيد في جوف الفراء»، فهم كمن يصنع السحر ويفك عقده، إذ نصبوا أنفسهم رقاةً وفتحوا لهم دوراً يفد إليها مئات، لا بل ألوف، من الناس الذي يعانون من أزمات نفسية وعقلية تتبدى في تصرفات جنونية، حتى زاحموا أطباء النفس العالمين بهذه الحالات من اكتئاب وقلق وهوس اكتئابي وفصام، وقد أثْروا من «نفحاتهم» التي ينفثونها في وجوه الناس ويلوّثون بها الماء الذي يعطونه لمرضاهم مئات الآلاف من الريالات، وقد شهدنا في فترة «التألق» الصحوي كيف كان الناس يحجون إلى بعض الرقاة «زرافات ووحدانا»، وبما أنهم هم من حل ضفيرة عقول الناس وعقدها بطريقتهم الخاصة، فهم الأقدر في قناعاتهم على إعادة ترتيبها، ومع قيم التحول الجديدة استطاع بعض الناس تشذيبها وتهذيبها، وبعضهم تمكّن بجرأة وشجاعة من اقتلاعها من جذورها. ما بقي اليوم داخل مجتمعنا السعودي هو من متروكات «حماة» الدين والفضيلة السابقين، لا تزال أفكارهم متلبثة حتى اليوم في أخلاقهم وسلوكهم، فالمرأة يجب أن توضع في صندوق يحميها من التلوث، كما وصفوها بـ«الألماسة» التي تحفظ عن الأعين كي لا يفسد جمالها، وأعجب أنها لا توصف بالتفاحة الجميلة اللذيذة التي حرم منها آدم، تلك الفاكهة التي لو وضعت في صندوق وأغلق عليها لفسدت، ولم لا تكون إنساناً طبيعياً يمكن أن يستوحش ويتحول إلى كائن حاد الطباع فيما لو أغلقت دونه الأبواب وحرم متعة الحياة الطبيعية التي وهبه الله إياها وحمله أمانة الحفاظ على نفسه دون غيره «كل إنسان الزمناه طائره في عنقه»، «ولا تزر وازرة وزر أخرى».

    الـ40 سنة الماضية فترة سدنة الأخلاق والفضيلة والمتحدثين نيابة عن الله والمتحكمون بمصائر حياة الناس، تركت ظواهر سيئة داخل المجتمع ولدى بعض الأسر حتى اليوم، وقد خلفت ظواهَر وعقداً نفسيةً عميقة تحتاج علاجاً أو إعادة تأهيل شامل من خلال قوانين تنهض بها مؤسسات المجتمع المدني للرفع من الضغط الذي تعاني منه المرأة، وأنا متأكد تماماً أن كثيراً من أولئك النساء اللاتي تعرضن لعمليات التجريف الجائرة نفسياً وجسدياً باسم الدين وما لحق بهن من قمع ووأد لقدراتهم الإنسانية في أمس الحاجة إلى زيارة المصحات النفسية لـ«كشط» ما «ران» على عقولهن ونفسياتهن وإعادة تأهيلهن تماماً، أما أولئك اللاتي عانين ظروفاً صعبةً داخل أسر متخلفة حرمتهن من أبسط حقوقهن في الحياة كالتعليم مثلاً وحق العيش الكريم فلا أقل من استخلاصهن من براثن القمع، خصوصاً تلك القادرات على تحمل مسؤولية أنفسهن، وصياغتهن صياغة جديدة من خلال دورات تعيد تأهيلهن ليصبحن صالحات لحياة جديدة ومختلفة، وتحقق لهن المواطنة الكاملة مثلهن مثل النساء الأخريات.

    تقول الفتاة الصغيرة التي تفوقت بدراستها ومنعها والدها (المتخلف) من التعليم بحجج واهية ينسبها إلى الدين ظلماً وعدواناً وجهلاً، كلما تذكرت أنني عسفت ومنعت عن التعليم أغلقت على نفسي غرفتي وبكيت، وهي لا تزال تعيش تداعيات هذه النكسة الوجودية، ومثله يحدث لغيرها داخل كثير من الأسر التي استبدت بها قيم الصحوة الخارجة عن المفهوم والمنطوق الإسلامي الصحيح الذي عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «رفقاً بالقوارير»، و«أوصيكم بالنساء خيراً»، «خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء» متغزلا بعائشة رضي الله عنها، والتي لو قال أحدنا عن أخته أو امراته مثل هذا لوصم بعبارة تنقص من رجولته من أسر يصعب الوصول إليها.

    اليوم مع القيم الجديدة التي جاء به «التحول» وبرنامج «جودة الحياة» علينا إعادة النظر في كينونة المرأة السعودية داخل المجتمع السعودي وتحديد مسؤولياتها من خلال أطر محددة تخولها وتعطيها الصلاحية كاملة في مشاركة الرجل جنباً إلى جنب في بناء الوطن وحمايته، فالدولة ليست مسؤولة عن تربية الناس وملاحقتهم وضبط أخلاقهم إلا بالقوانين والتشريعات التي تمنح المسؤولية وتحاسب عليها، والأسرة من حقها وواجبها أن تعلّم الطفل كي يكون عنصراً فاعلاً ومتفاعلاً داخل المجتمع، وليس من حقها مصادرة حريته في الاختيار وطريقة العيش وفق القوانين ذاتها التي ننتظر أن تسنها الدولة لأجل إعادة تشكيل وبناء المسؤوليات وفق قواعد راسخة من الدين الصحيح والعادات والتقاليد النيرة.

يعمل...
X