إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

في ذكرى القصيبي.. ألا يستحق الاعتذار؟!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • في ذكرى القصيبي.. ألا يستحق الاعتذار؟!

    محمد المزيني - الحياة



    غازي القصيبي الذي لا أدري كيف أصفه، الدكتور أم الشاعر أم الروائي أم الفيلسوف أم السياسي أم الإنسان أم المواطن المختلف، كلها تجتمع في ذات رجل واحد رحل عنا قبل سبع سنوات وما زلنا نتذكر تفاصيل محطات حياته، من الوزارات التي تقلدها والمسؤوليات الجسام التي حملها والصراعات الفكرية والأدبية التي واجهها بابتسامة عريضة لم تغرب عن وجهه حتى واراه الثرى.


    أنا لا أتحدث بما سمعتُ عنه أو قرأتُ له، ولم أنقل حرفاً واحداً من غوغل، بل من معايشة قريبة منه أتاحها لي التحاقي باكراً بعالم الصحافة، التي كانت آنذاك المتحدث الرسمي عن الدول والمجتمعات والناقل الحصري المتفرد بالإبداع والصراع، خرج من عباءة جلالتها كثير من الكتاب بمختلف اتجاهاتهم وتنوع مشاربهم، الأمر الذي تعجز عنه صحافة اليوم.

    غازي القصيبي كان آنذاك قد خطّ لها وسماً متميزاً ذاع صيته في كل الأصقاع، وارتفع سهمه بين كل المحافل، وداعب شغاف متذوقي الأدب شعراً ونثراً، وفي المقابل كان صادماً بقوة «فولتيّة» عالية هزّت قلوب وعقول أولئك المستحوذين على المشهد الديني والاجتماعي وحتى الفكري، فقذفوه بكل عبارات التفسيق والتجهيل وحتى التكفير. اليوم، نرى كثيرين منهم يستعيدون ذكراه من ذاكرته التي تركها لنا في كتبه ومقولاته، ماذا تغير؟ هل هو انقلاب على المعايير السابقة أم هو اعتذار مبطن لرجل استثنائي في تاريخنا السياسي والأدبي، وهل يكفي هذا؟ لأعود من حيث ابتدأت وأقول: تعرفت على الدكتور غازي القصيبي يوم كان سفيراً في دولة البحرين، حملنا حقائبنا أنا وزميلي الذي شاركني متعة الرحلة إلى الدولة التي مُد لها جسر يصلها بالبر، وكان هدفنا أن نكون أول العابرين من فوق «الجسر» بسيارتنا، لإجراء بعض اللقاءات والتحقيقات بهذا الإنجاز التاريخي، لم يكن حينها قد أطلق عليه جسر الملك فهد، ولم يكن الطريق قد انتهى تماماً ليفتح للعابرين، أخذنا إذناً بالمرور عبر الجسر الذي لا يزال خاضعاً لوضع اللمسات الأخيرة، من أمير المنطقة الشرقية -آنذاك- الأمير محمد بن فهد، الذي استقبلنا بروحه الطيبة، فلم يؤخرنا؛ فأعطينا الإذن، وصلنا الجسر ليلاً، ثم انتظرنا طويلاً حتى تحضر الاختام وتمهر على جوازاتنا كأول طلائع العابرين من فوق الجسر، كان هدفنا الأول سفارة المملكة وتحديداً سفيرها الدكتور غازي القصيبي، لم يكن لدينا موعد مسبق معه، إلا أنه خرج آنذاك بنفسه ليستقبلنا لدى باب المكتب بابتسامته الرائقة، سألنا عن بغيتنا، فقلنا بتلقائية شابين صغيرين لم يتخطيا عتبات الجامعة بعد: نريد موعداً لإجراء حوار صحافي معك، سألنا: هل أنتم جاهزون، قلنا بارتباك، نحن جاهزون، فانطلقنا معه في رحلة حوارية ممتعة، لا تخلو من النكات والممازحات ذكر لنا أشياء من أسرار الشعر والشعراء، منها ما ذكره عن الأمير الشاعر خالد الفيصل قائلاً: «إنه شاعر بامتياز، سبقنا إلى الرسم وزاحمنا على الشعر فتفوق علينا، لو كتب الشعر العربي بأوزانه وبحوره وبصوره وأخيلته لأبدع كشعراء المعلقات»، ثم تحدث عن سعاد الصباح التي كانت لا تلقي الشعر إلا بملازمة دائمة من نزار قباني (رحمه الله)، فكانت كلما تعثرت في كلمة أو جملة شعرية صوب لها، بصوت علي نسمعه جميعاً، جلسنا معه تقريبا ثلاث ساعات متواصلة، متغافلاً عن كل المنتظرين في مكتب مدير مكتبه، وقبل أن نرحل أهدانا مجموعة من إصداراته الشعرية، لم يلبث حوارنا أن نشر على صفحات ملحق الخميس في جريدة الرياض على جزأين.

    لم تنتهِ رحلتنا مع الدكتور النبيل غازي القصيبي، فقد ظل متواصلاً معنا يرسل لنا إصداراته حتى انتقل إلى لندن، التقيته ليلة افتتاح الجنادرية تحت رعاية الملك فهد -رحمه الله- وقد انتقلت من صحيفة الرياض إلى الجزيرة، وكلفت بتغطية «المهرجان»، فأخذني إلى بعض الوزراء يعرفهم بي، ويطلب منهم ممازحاً الإجابة على كل أسئلتي، فلم أخرج تلك الليلة إلا وقد عبأت جعبتي بما يملأ الصفحات المخصصة بـ «المهرجان» بأسماء كبيرة ولامعة أياما عدة. ما لا يعرفه الكثير عنه أنه يتسم -عدا التواضع الجم- بخفة الدم وتعليقاته سريعة البديهة، فكان لا يشق له غبار في المحاورة أو المحاجة، لا يضيع فيها صوته ولا يفقد توازنه، لطيف المعشر حسن التصرف، سريع البديهة، واسع الاطلاع، غزير المعرفة، لا يرد سائلاً، ولا يعتذر لمتسائل، وكأنه قد ملك زمام الوقت، لينصفه بما عجز الناس عنه، ليخرج لنا وللمكتبة العربية والعالمية بما يقرب من الـ40 مصنفا في الشعر والرواية والإدارة والسياسة، وهو الرجل متعدد المهام، وكأنك تسأل كيف يأتي بالوقت، وهو الذي أتاح لكل الناس فرصة اللقاء به بلا من أو تأجيل!

    هذا الوقت المشمول بالزمن أنصفه اليوم من كل أعدائه الذين ناصبوه العداء وناصبهم العفو، تربصوا به وعفا عنهم، لم يجترح كلمة نابية في حق كل معارضيه، بينما كانوا يكنون له البغضاء، يكيلون له الشتائم، ويصمونه بكل الألفاظ القبيحة، نسوا كل إنجازاته، وغضوا أبصارهم أنه أول من علق الآيات القرآنية في كل مستشفيات المملكة، لتصبح سنة متداولة في كثير من مستشفيات العالم العربي إلى يومنا هذا، بعضهم اليوم يتراسلون بأقواله، ويستشهدون بآرائه النيرة على كثير من القضايا التي تشنجوا لها سابقا.

    السؤال: هل يكفي هذا، أم أن من حقه وهو في الدار الآخرة أن يُعتذر له إبراء للذمة، وليتعلموا الدرس ويكفوا شتائمهم عن المفكرين والأدباء الأحياء اليوم وتكفيرهم؟ سيأتي يوم تنضج فيه هذه العقول، ويصل إليهم الضوء المفقود داخل ظلاميتهم.


    * كاتب وروائي سعودي.
يعمل...
X