محمد اليامي - الحياة

حولت موتها إلى «حياة» بما فعلته في حياتها قبل الموت، لم تجعل السعوديين فقط يتذكرون محاسنها، لكنها أحد من يمكن أن يقال عنهم بعد رحيلهم انهم حفزوا الأحياء لمزيد من العطاء والمحاسن، وفي حالتها «الإحسان» بطريقة نوعية وعلمية، جعلتها رائدة سعودية في العمل الخيري «غير التقليدي»، ومثالا يحتذى في كيف يكون القائد الملهم لإحدى أهم مؤسسات القطاع الثالث في السعودية.


غادرت هذه الدنيا الفانية في قمة عطائها وشبابها، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الملك خالد الخيرية الأميرة البندري بنت عبدالرحمن الفيصل المواطنة التي شغلت عضوية العديد من منظمات القطاع غير الربحي في السعودية، أبرزها جمعية النهضة النسائية الخيرية، وجمعية «إفتا» لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وعضوية مجلس تحكيم جائزة «تكريم»، وعضوية لجنة التحكيم لجائزة المرأة السعودية المسؤولة – راعية.

تركت كثيرا من المقاعد شاغرة، لكن مقعدها «العملي» الوطني الأهم كان رئاستها لواحدة من أهم مؤسسات القطاع غير الربحي في العالم العربي، مؤسسة الملك خالد التي طالما أبهرتنا بعملها النوعي، وطالما كانت «مختلفة» عن السائد لتأتلف مع احلام سعودية أفضل، وتتسق مع رؤية سعودية أعظم، وتحقق شعارها لـ «نترك أثرا»، وبالفعل فعلت المؤسسة في كثير من الابحاث والدراسات التي وقفنا عليها، ووفقنا أحيانا في الأخذ بها، وبالفعل «فعلت» البندري وتركت أثرها الإنساني الخالد في وجدان جميع أبناء بلادها، وأثرها «المهني» في عقول كثيرين ممن يعملون في هذا القطاع.

لا أنسى أبدا تقرير مؤسسة الملك خالد الخيرية في السعودية المعنون بـ «تحديد خط الفقر وخط الكفاية»، ضمن جهودها وإسهامها في تطوير منظومة الدعم الحكومي في السعودية، كيف كان واضحا وعمليا ومركزا، ولا أشك أنه ألهم المهتمين في القطاعين الحكومي والثالث كثيرا من أنظمتهم وطرق تفكيرهم.

كأنه بالأمس يوم جلسنا في مقر مؤسسة الملك خالد الخيرية، الواقع في قصر الخالد ذكراً الملك خالد بن عبدالعزيز رحمه الله والأميرة وفريقها يزفون للمجتمع السعودي قيادات نسائية ورجالية شابة تم تأهيلهم وابتعاثهم، وتعليمهم أسس إدارة المؤسسات غير الربحية والخيرية في أعرق الجامعات الأميركية، كيف كانت المؤسسة وكأنها أم رؤوم يشبه قلبها قلب من حملت اسمه تحتفي بأبنائها وبناتها وكأنهم في يوم عرسهم أو تخرجهم أو حصولهم على وظيفتهم الأولى.

سبحان العزيز الحكيم ما أحكمه وأعدله وما أرحمه بعباده، أحيانا يزيد سيل العواطف الهادرة من الناس تجاه من نفقد من حزن وألم من يحبونه، ومن سيكونون أكثر من سينهش الفقد أرواحهم ويدمي قلوبهم، لكن مع الوقت تصبح هذه العواطف وهذه الدعوات وهذه الاقرارات بأفضال ومآثر الفقيد/ة هي زاد الصبر والسلوان، وفي الحقيقة أن «لا سلوان عن فقد من نحب».

قدمت ابنة السعودية الأميرة البندري نماذج لن ينساها تاريخ المجتمع السعودي، وسطية المنهج، والاعتداد بالوطن ومواطنيه، واستشراف تمكين المرأة وتحقيقه في أروع صوره، والأهم تمكين القطاع الثالث من موارد بشرية وأدوات وخبرات مستواها عالمي، وأثرها سيبقى ما بقي ذكرها العاطر في وجدان أسرتها وأحبتها وأبناء بلدها.