إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لماذا يحرم شبابنا من التعليم؟!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لماذا يحرم شبابنا من التعليم؟!

    محمد المزيني - الحياة

    قديما يقولون فاتها أو فاته قطار الزواج، اليوم لم يعد الزواج هو الهم الأكبر، بل يفوت شبابنا قطار التعليم رغما عن أنوفهم، ليسوا لأن حظوظهم عاثرة، أو أنهم قد توانوا في اللحاق بهذا القطار، السبب بسيط جدا ومعقد في الوقت نفسه، كثرة خريجي الثانوية العامة وتفاوت معدلاتهم، وعدم قدرة الجامعات على استيعابهم، فإن انتفى سبب منها حضر السبب الآخر، وقد علقت المسؤولية كاملة بالنظام المبرمج وفق معايير صارمة، لا تفهم البعد الإنساني والوطني ولا تراعي التفاصيل الجانبية الأخرى لأبناء المواطنين، نحن نعلم جميعا أن من يمتك الثروة والمنصب يستطيع أن يعلم أولاده جيدا يدخلهم مدارس خاصة، ويأتي لهم بمعلمين خصوصيين، ويسخر أوقاتهم كلها للتعليم، مع مكافآت جزلة من رحلة سياحية صيفية شرقا وغربا، أما ذوو المناصب العليا فلديهم كل الفرص في استغلال المقاعد التي سلموا أمانتها ليعلموا أولادهم على حساب الدولة من خلال ما يعرف بالابتعاث الداخلي، ما يمكنهم من مواصلة دراستهم على ضعفهم بـ(الدف وأشياء أخرى) حتى لو أرادوا الحصول على شهادة الدكتوراه فلا شيء يمنعهم، وكله بالنظام، الذي استخدم كـ «الحمار الصموت» لتحقيق مآربهم الخاصة.


    أما المجتمع المتوسط الحال ممن ينسبون إلى الطبقة المتوسطة، فلا تؤخذ إلا غلابا، متى سهلت لهم أسباب التعليم كان ينتمي لأسرة متعلمة، تضع عينها على التعليم، وتحرض أبناءها عليه، وتجلس معهم ولهم ليل نهار حتى يحرزوا معدلات ممتازة تؤهلهم الالتحاق بتخصصات مناسبة، طبعا لن أتحدث عن المواهب الخاصة لدى الشباب ممن وهبهم الله سبحانه ذكاء استثنائيا تجاوزوا به كل معوقات التعليم الأخرى، هناك أسر تمر بظروف قسرية قاهرة جدا تكاد تتعطل فيها قدرتها على مجاراة متطلبات الحياة، ومن أهمها التعليم، إذ يصبح التعليم بحد ذاته لهم إنجازا عظيما، ولكن ومع شديد الأسف «السيستم» لا يفهم كل هذا الجوانب الإنسانية، ومن وضع هذا «السيستم» لا يعنيه ما سيخلفه من أضرار على نفسيات الشباب الذين غلقت دونهم كل طرق الوصول إلى التعليم الذي هو من أقل حقوق المواطن. ماذا سيفعل شاب كان يحلم بمستقبل زاهر يحققه في وطنة كي يخدم أيضا وطنه ثم يرى أبواب الحلم تغلق دونه، ليتحول أداة تستغلها شركات التوظيف من (أبو ألف وألفين ريال)؟!

    هناك شباب يئسوا اليوم من اقتناص فرصة الالتحاق بالتعليم الجامعي، وحتى الديبلومات التي غصت مقاعدها بالطلاب هذه السنة تحديدا، بدت الصرامة في القبول علامة فارقة في تاريخ التعليم الجامعي في السعودية، لتضاعف أعداد الطلاب الذين يصلح وصفهم بالمعاقين عن التعليم، وأنا أسأل هنا: هل قدّر المسؤولون عن التعليم الجامعي خطورة هذا الإجراءات الصارمة في القبول، أليست هناك آلية أخرى تتبع قبل فرض هذه الأنظمة الصارمة كأن يلحق الشباب بدورات تأهيلية حتى لو بأجور رمزية تدعم قدراتهم، وتجعلهم مؤهلين للحاق بزملائهم، عوضا عن أن يجلس الشاب مأزوما مع نفسه ومجتمعه، مستشعرا حالة الفشل التي انتهى إليها؟ كنا نحذر ولا نزال من انقياد شبابنا إلى حماة الإرهاب والسقوط في شباك الإرهابيين، فلو نظرنا إلى كثير من أولئك الذين تورطوا بحبال الجماعات الإرهابية لوجدناهم من ذوي التعليم المتدني أو ممن لم يجدوا فرصا كافية للتعليم، ولو أمعنا النظر أيضا لاكتشفنا أن بعضهم يعانون أيضا من تفكك أسري وفقدان الهوية الوطنية الصغرى المتمثلة في المنزل ومعها فقدوا الهوية الوطنية الأوسع التي دفعتهم إلى جرثومة الكراهية الفتاكة، وباتوا خطرا يتهدد الوطن.

    السؤال: أليس القطاع الخاص مسؤولا أيضا عن تحمل جزء من التعليم؟ أليست هناك برامج تعليمية تنتهي بالتوظيف تتبناها الشركات والبنوك، كما يحدث في كل دول العالم؟ إذ تقوم مثلا البنوك بتعليم الراغبين على نفقاتها بعقود تمويلية يقوم الطالب بعد التخرج بسدادها من راتبه الذي يتقاضاه من الشركة في سنوات محددة، ثم لنسأل: أليست هناك برامج تشغيلية ضخمة للمشاريع العملاقة كنيوم والقدية مستقبلا؟ أليست بحاجة إلى شباب متعلمين في تخصصات نوعية مختلفة حتى الآن لم تتوافر بشكل كاف؟ هل ننتظر حتى نفاجأ أننا بنينا هذه الصروح ولم نؤهل لها من يعمل فيها لنضطر إلى الاعتماد على ذوي الخبرات من الشرق والغرب؟ لم لا يتم طرح تخصصات جديدة وفتح كليات نوعية مختلفة كالسياحة والفنادق والتخصصات ذات العلاقة بالمهن والصناعات التحويلية التي تواكب طبيعة التحول الاقتصادي الذي تمر به بلادنا، وكذلك المهن الأخرى التي مع شديد السف معبأة بالأيدي العاملة الأجنبية كمهنة التمريض، فيكفي أن تذهب لأي مستشفى لدينا لترى أنه يعج بالعمالة، ووزارة الصحة لا تزال توقع العقود مع شركات أجنبية كي تضخ الممرضين والممرضات، فلم لا تتاح هذه الفرصة لشبابنا ويكون هذا التخصص تحديدا من أولويات أي جامعة، لتعليمهم أصول هذه المهنة التي أراها من أشرف المهن الإنسانية.

    ليس من حق أي أحد مصادرة طموح وأحلام شبابنا، لأنهم ليس لديهم سوى هذا الوطن، فإن لم يعيشوا فيه حياة كريمة فلن يجدوا من يمنحهم هذه الكرامة.

    * كاتب وروائي سعودي.


يعمل...
X