إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ولادة السعودية الجديدة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ولادة السعودية الجديدة

    ولادة السعودية الجديدة


    منذ عدة سنوات قريبة خلت، والمملكة العربية السعودية تتغير بسرعة، وإن لم تكن هذه السرعة مرضية للجميع. وربما لا يشعر من يعيش داخل السعودية بأن هذا البلد يتغير، ويتغير بسرعة، ليست سرعة العصر الإلكتروني الذي نعيشه، بقدر ما هي سرعة الصحراء العربية عامة.

    ضوابط وكوابح التغيير

    وما يجب أن نعلمه وندركه ونتفهمه، أن سرعة تغير المملكة لها ضوابطها ولها كوابحها كذلك. ومن هذه الضوابط والكوابح، الموقع الجغرافي والديني للمملكة، والتشكيل الاجتماعي، وبُعد المملكة عن المؤثرات الخارجية فترة طويلة، وعدم خضوعها للاستعمار الأجنبي، وعدم اختلاط شعبها بشعوب وقيم الغرب، مما جعل الانفتاح على العالم بطيئاً، على العكس من دول الخليج الأخرى التي استُعمرت من قبل بريطانيا خاصة، وكان فيها قواعد عسكرية وجاليات أجنبية، واختلطت شعوبها بشعوب الدول المستعمِرة، فاكتسبت بعضاً من ثقافتها وبعضاً من قيمها. كما نلاحظ بأن الشعب العربي السعودي كان من أقل الشعوب العربية سفراً وترحالاً إلى الغرب. وأن معظم الشباب السعودي في الخمسينات والستينات درس في معاهد وجامعات العالم العربي (القاهرة وبيروت بالدرجة الأولى) وليس في معاهد غربية، ما عدا قلة قليلة منتخبة. والاختلاط بالشعوب الأخرى له أثره الكبير على انفتاح الشعوب المختلِطة. فوجدنا في داخل المملكة أن الجزء من الشعب السعودي الذي يسكن المنطقة الغربية عموماً منفتح على العالم الخارجي، ومتسامح مع الآخر، بسبب اختلاط هذا الجزء بشعوب مختلفة من شتى أنحاء آسيا، نتيجة للمواسم والمناسبات الدينية، ونتيجة لكون مدينة جدة كانت العاصمة التجارية والديبلوماسية للمملكة، مما أتاح لسكانها ولباقي سكان المنطقة الغربية من المملكة المزيد من الاختلاط بالشعوب الأخرى المختلفة.

    الوسطية هي الأمثل

    ومن خلال تجارب التاريخ البشري، يتبين لنا أن طريق التدرج، وعدم حرق المراحل، والدخول في كل مرحلة وممارستها والخروج منها بالنتائج الايجابية والسلبية، هو الطريق المؤدي إلى الوسطية العامة، وليست الوسطية الدينية فقط، وهو الذي يرسي التغير الاجتماعي والسياسي على قاعدة راسخة، بفضل التدرج في التغيير. فالعجلة في التغيير لن توصل إلى أي هدف. وقد أثبتت تجارب الشعوب ومنها الشعب العربي خاصة، أن التغيير "الثوري"، والتغيير "الانقلابي"، والتغيير بالعنف والتغيير المفاجئ على غير أسس راسخة، لن يؤدي إلا إلى مزيد من العثرات والنكبات والكوارث. ولنا في بعض من الدول العربية أمثلة واضحة وصارخة على ذلك.
    ويقول الباحث العراقي فالح عبد الجبار "إن الوسطية اكتسبت تعبيرات شتى باختلاف العصور والبلدان. ففي أوروبا القرن الثامن عشر، كانت تعني التسويات والتدرجات في الانتقال السياسي والاقتصادي والاجتماعي إلى العصر الحديث القائم على الحريات السياسية، وحرية السوق، وإلغاء الامتيازات القائمة على النسب، وإعلان المساواة القانونية والسياسية لكل المواطنين. وفي أوروبا أوائل القرن العشرين اكتسبت الوسطية معنى الطريق الثالث بين البنية السياسية الواحدية والاقتصاد المركزي، من جهة، واقتصاد السوق المنفلت من جهة أخرى. وكانت التيارات الديمقراطية الاجتماعية هي التعبير عن هذه التسويات، رغم تشوهها بفعل الحرب البادرة".

    آثار الوسطية ونتائجها

    والمملكة اتخذت من الوسطية منهاجاً في السياسة الخارجية والاقتصاد والاجتماع، رغم كل ما يقال في الخارج والغرب خاصة عن الوسطية الاجتماعية، التي توصف في الغرب في معظم الأحيان، بأنها ليست وسطية بقدر ما هي دينية متشددة. في حين أن المملكة حققت الوسطية في السياسة الخارجية والاقتصاد دون أدنى شك. وقد أمكنتها هذه الوسطية من بناء الإنسان السعودي الجديد رغم كل العقبات الاجتماعية التي تعترضها. ونظرة سريعة وخاطفة للإنسان السعودي قبل عشرين عاماً؛ أي في الثمانينات - ولا نقول قبل خمسين عاماً - وتفحُّص مقدار ما عرفه وأدركه وحصّله من معارف وعلوم ودرجات علمية سواء كان رجلاً أو امرأة ومقارنته بالوضع الحاضر، ونظرة أخرى إلى المكانة العلمية والتربوية والإدارية التي كان يحتلها الفرد السعودي رجلاً كان أم امرأة، مقارنة بالمكانة الحاضرة، ونظرة ثالثة إلى المكانة الثقافية التي كان يحتلها الكاتب والروائي والشاعر والصحفي السعودي رجلاً كان أم امرأة على خارطة الأدب العربي المعاصر مقارنة بالمكانة الحاضرة، نخلص إلى أن هناك "سعودية جديدة" قد تكوّنت وتشكّلت، دون أن نشعر بها نحن الذين في الداخل، لأن من ينظر إلى الشجرة المزروعة في حديقته كل صباح، لا يشعر، ولا يدرك أنها تكبر وتورق أكثر. أما من هم في الخارج، أو من يراقبون تقدم المملكة بين فترة وأخرى، فهم الذين يدركون ذلك، رغم أن هناك تقصيراً واضحاً في نشر البيانات والأرقام والحقائق الدالة على هذا التقدم الجديد. فالحقائق في هذا العصر يصنعها الإعلام. وتضاف إلى بناء الإنسان في السعودية الجديدة، مظاهر التنمية الشاملة التي غيّرت وجه المملكة تغييراً كلياً، ومنها تلك الطرق والمطارات وتلك المستشفيات والمدارس والجامعات، والمدن الجديدة والمدن القديمة التي توسعت وأصبحت بحجمها ومبانيها أضعاف ما كانت عليه في الماضي.. إلخ.

    منصفون وظالمون

    في الغرب هناك منصفون وهناك ظالمون لرصد مظاهر "السعودية الجديدة". ففي الغرب هناك فئة تنظر إلى السعودية من خلال تموضع المرأة السعودية مقارنة مع المرأة الخليجية ومقارنة مع المرأة العربية، ومقارنة مع المرأة الغربية أخيراً. ورغم ما أصاب تموضع المرأة من رقي وتقدم وانفتاح، نتيجة للاهتمام الشديد بتعليم المرأة منذ عام 1962 وحتى الآن، ونتيجة لإصرار المرأة على أن ترقى وتتقدم في تموضعها الاجتماعي ليس من خلال البيانات، والخطابات، والابتهالات، والمقالات، والتوسلات، ولكن من خلال العمل والاشتغال على نفسها لكي ترقي هي بنفسها وتتقدم هي بنفسها، وتدفع هي بنفسها تقدمها ورقيها إلى الأمام، وذلك عن طريق واحد وهو التعليم. بحيث أصبحت المرأة السعودية مقارنة بحقب زمنية سابقة هي التي تقود جزءاً من قطاعات المجتمع المهمة كالتربية والتعليم بشتى مراحله، والطب والعلوم والتجارة والاقتصاد وخلاف ذلك. ولقد سبق واستعرضنا على صفحات "الوطن" في عدة مقالات سابقة نماذج النساء السعوديات اللائي قرأن الكُتب، واخترقن الحُجب، وحلّقن في سماء العمل بشتى صنوفه وقطاعاته، وارتقين أعلى المناصب في هذه المجالات. ولكن الظالمين لا يرون في تموضع المرأة السعودية الجديدة غير عدم سياقتها للسيارة، وعدم كشفها لوجهها، وعدم اختلاطها بالذكور في المدرسة والمعهد والمكتب، وقول بعض الدُعاة إنها "الدرة المصونة والجوهرة المكنونة" كرشوة للمرأة، لكي تبقى محفوظة في البيت، لا تغادره، ولا تعمل خارجه. ولا يعلمون أن هذه القيم هي قيم اجتماعية خاصة، قبل أن تكون أي شيء آخر. ويوم يُجمع المجتمع السعودي على قيم اجتماعية مختلفة عما هو قائم الآن، فسوف تتغير هذه القيم، والتي لن يغيرها مجرد صدور مرسوم رسمي، بقدر ما يغيرها مزيد من التعليم، والإقبال عليه، ومزيد من المعرفة، لكي يصبح المجتمع في حاجة ملحة لجهود وعمل المرأة، وليست رخصة عمل المرأة مكرمة، أو منحة، أو هبة لنساء جاهلات ومتخلفات.

    هذا مثال واحد. أما المثال الثاني لظلم بعض فئات الغرب للسعودية الجديدة، فهو أن الظالمين الغربيين يلقون بهذا الكم الهائل من النتاج الفكري والثقافي السعودي الجديد، الذي ظهر في السنوات الأخيرة، وتصدّر أكثر الكتب مبيعاً في مكتبات العالم العربي وراء ظهورهم. ولا يقرأون غير كتاب (الحداثة في ميزان الإسلام) لعوض القرني، ويلوكون صبحاً ومساءً فتاوى تكفير الليبرالية والليبراليين، وتجريم العلمانية والعَلْمانيين، وسبِّ الحداثة والحداثيين. ويستغربون من عدم صدور فتاوى أو عدة فتاوى بالمقابل بقتل "زعماء القاعدة" رغم فظاعة الجرائم التي ارتكبوها داخل المملكة وخارجها. ويتساءلون: لماذا ما زال بعض الدُعاة يُطلقون على زعيم عصابة "القاعدة" الإرهابية سراً وجهراً: "شيخ الإسلام"، و"المجاهد الأكبر"، و"سيف الإسـلام"، و"شيخ المجاهدين".. إلخ. ويدعون له بالنصر المبين، وسلامة اليمين، وصدق اليقين؟
    ولماذا لا يزال قرار قتل زعماء "القاعدة" الإرهابيين قراراً سياسياً بالدرجة الأولى، ولم يصبح بعد قراراً دينياً شرعياً مانعاً وجامعاً؟

    أما المنصفون لـ "السعودية الجديدة" فلنا موعد معهم، في الأسبوع القادم.

    الوطن
يعمل...
X