إتقان الدس

علي بن طلال الجهني

الحياة - 18/09/07//

بينما كنت في نيويورك في أوائل شهر آب (أغسطس)، قرأت مقالتين مسيئتين للسعودية في أسبوع واحد. حينما قرأت الأولى في "وول ستريت جورنال"، وكانت مقالة طويلة جداً أخذت عموداً في الأولى وثلاثة أرباع صفحة داخلية، ملخصها أن شركة مالية سعودية ومسؤوليها يموّلون الإرهاب. بل ويموّلونه بعلم الحكومة السعودية ومعرفتها.

ومنذ لمحت المقالة وقبل إتمام قراءتها شبه تأكدت أن مصدر المقالة رجل اسمه "ليفي" من داعمي أقصى اليمين الإسرائيلي، ومسؤول عن شؤون تمويل الإرهاب في وزارة الخزانة الأميركية.
وبالطبع ليس هناك مصرفي سعودي واحد، ولا مصرفي محايد آخر غير سعودي، يُصَّدِقْ ما جاء في تلك المقالة من افتراءات وتلفيق وكذب.

والذي قد لا يعرفه أغلب العرب، أن "جميع" المشرفين على مطبخ تحرير هذه الصحيفة ليسوا من فرسان ما يسمى "المحافظون الجدد" فحسب، وإنما من أشد أنصار اليمين الإسرائيلي تطرفاً. ومعظمهم انحاز إلى صالح "نتنياهو" ضد الجنرال "شارون"، لأن "شارون" في نظرهم ليس معادياً بما يكفي للفلسطينيين والعرب.

أما المشرف على تحرير ما تسميه الصحيفة "الشؤون الدولية"، مع أنها في الحقيقة "شؤون المصالح الإسرائيلية"، فهو رجل يُدعى "برت ستيفين"، سبق أن انتدبه "كونراد بلاك" لرئاسة تحرير "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية.

والمؤسف أن كثيراً من الصحف العربية أبدت شيئاً من الأسف لأن "روبرت مردوخ" اشترى هذه الصحيفة. ومع أن "روبرت مردوخ" من أصول اسكتلندية، وجده كان قسيساً مسيحياً، فإن الصحف التي يملكها في أميركا وشبكة "فوكس نيوز" من أشد المتعاطفين مع أقصى اليمين الإسرائيلي وأنصاره من اليهود الأميركيين. وكما قال أميركي مطّلع: "روبرت مردوخ ووول ستريت جورنال يستحقان بعضهما".

وهل هناك عاقل مطّلع، سعودياً أو غير سعودي في أي مكان من العالم، يصدق هذا التلفيق، بأن شركة مصرفية مساهمة تشرف عليها السلطات السعودية النقدية والمالية والأمنية تموّل الإرهاب؟

بل إن أولى أولويات الإرهابيين وغير الإرهابيين من الحركيين الذين يرفعون الإسلام غطاءً لنشاطاتهم الإرهابية، هو زعزعة الأمن ونشر الفوضى والرعب في السعودية، سعياً وراء السلطة بالطبع.

أما المقالة الثانية التي نشرت في صحيفة "نيويورك تايمز" في الأسبوع ذاته، وبعد يومين من نشر الأولى في "وول ستريت جورنال"، فقد ركزت على شيء واحد، هو دعم السعودية، قيادة ومواطنين، الانتحاريين القتلة في العراق.

وكل من يلمح مواقع الإرهابيين في الانترنت يعرف أن كثيراً من الانتحاريين الأجانب في العراق سعوديون. ولكنهم لا يتسللون إلى العراق لا عن طريق الحدود السعودية ولا بمعرفة السلطات الأمنية السعودية. وما هو مصدر هذه المقالة "المزعومة" في صحيفة محترمة كـ "نيويورك تايمز"؟

إنه رجل اسمه "أبرامز" يعمل في البيت الأبيض.

ولماذا يتفق اثنان من الليكوديين اليهود الأميركيين، مع أن كلاً منهما موظف حكومي رسمي، على دس مقالتين معاديتين وكاذبتين جملة وتفصيلاً ضد السعودية؟

بإيجاز لأن كلاً منهما يعرف وأراد إفشال قرار الحكومة الأميركية قبل إعلانه عن بيع معدات عسكرية إلى دول الخليج بنحو عشرين بليون دولار. وبعد أن تم الإعلان عن بيع الأسلحة كتب رئيس تحرير الصحيفة الإسرائيلية سابقاً "برت ستيفن" مقالة طويلة في صفحة الرأي في "وول ستريت جورنال" تحت عنوان "لب الشر". أي أن السعودية هي مصدر الشر في العالم.

ومهما كانت درجة تحيز الحكومة الأميركية، دع عنك الكونغرس، إلى جانب إسرائيل، ولأسباب انتهازية سياسية داخلية بحتة، فإنها تعرف أن ما يربطها بالسعودية صداقة قديمة متجذّرة قبل وجود إسرائيل، وَبُنِيَتْ على تبادل المصالح، أهم وأدوم بالنسبة إلى المصالح الوطنية الأميركية العليا من تحقيق مكاسب سياسية آنية داخلية موقتة، أياً كان ما يقوله المتطرفون العرب من أقصى اليمين وأقصى اليسار.

وقد يفاجأ الكثيرون من العرب، من المؤدلجين المتطرفين إلى اليمين أو إلى اليسار، بأنهم يلتقون من دون أن يدروا، في معظم الأحيان وليس في كل الأحيان، مع اليمين اليهودي من أنصار الليكود في مهاجمة السعودية. ومن الواضح أن اليساريين العرب والحركيين من الطرف الآخر يهاجمون السعودية بسبب علاقاتها الطيبة القديمة مع أميركا، أما سبب عداء الليكوديين للسعودية فهو مكانتها وأهميتها الاستراتيجية بالنسبة إلى مصالح أميركا الوطنية العليا.

ولذلك فـ "ايباك" وأصدقاؤها، من يهود ومسيحيين متطرفين متصهينين أو ما يسمى بـ "الأصوليين"، فمثلهم مثل زعماء "القاعدة" يريدون قطع كل أواصر الصداقة بين أميركا والسعودية.

والله من وراء القصد
* أكاديمي سعودي.