Announcement

Collapse
No announcement yet.

كل عام وأنت حبيبي

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • كل عام وأنت حبيبي

    كل عام وأنت حبيبي


    زينب غاصب الحياة - 22/09/07//


    دائماً اسأل نفسي، تُرى ماذا يكون عليه حال الإنسان إذا لم يكن له ذلك الوطن الذي يستقر فيه، ويطمئن به، فينمو ويتناسل، ويعمل ويبدع، ويبتكر، وينام مطمئناً ملء جفنيه؟ ترى كم يساوي رمل هذا الوطن المترامي في الصحاري والدروب، والقفار، والبحار؟ وكم تسوى نخلة تدلت برطبها وظللت بسعفها على هجير الظهيرة حين تلفح الوجوه بحرارتها وتسفي العيون بذراتها؟ ترى كم تساوي قيمة هذا البناء، وهذه الحضارة، وهذا العمران من دون وطن؟ ما فائدة الإنسان إذ أكل وشرب وعمل من دون وطن يعيش فيه مستقراً وآمناً؟ ما الغاية يا تُرى من قيام الرحالين والمستكشفين بداية من «ماجلان وفا سكودي جاما إلى كريستوفر كولومبوس» وغيرهم ممن شقوا عباب البحور، حتى تكسرت سفنهم، وطال سفرهم، فما إن لمحوا بقعة من يابس متسع حتى حطوا رحالهم، ففتحوا آفاقاً وامتلكوا أوطاناً أصبح سكانها من المتسيدين على العالم لامتلاكهم ذاك الوطن؟ ما السبب في قيام الحربين العالميتين الأولى والثانية، واشتعال حمى الاستعمار، وتطاحن الأمم، وتصارع القوى، واستمرار الحروب؟ كل هذه التساؤلات تتلخص إجابتها في ثلاثة أحرف مفادها (وطن) ومصلحة الوطن، واتساع الوطن، وقوة الوطن، بالنسبة للصراع والاستعمار، وماذا يكون عليه حال الإنسان عند فراقه الوطن لظروف معيشته؟
    هذا هو «خير الدين زركلي» يجيب علينا واصفاً حاله فيقول:
    «العين بعد فراقها الوطنا --- لا ساكناً ألفت ولا سكنا»
    وها هو «امرؤ القيس» يركب إلى قيصر الروم مستنجداً به في استعادة وطنه وملكه الذي سلب منه فيقول:
    «بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه --- وأدرك أن لاحقان بقيصرا
    فقلت له لا تبكِ عينك إنما --- نحاول ملكا أو نموت فنعذرا»
    فإما الوطن وإما الموت، أما الشاعر «المتنبي» الذي فرضت عليه طموحاته وتطلعاته التنقل من بلدة إلى أخرى، فيقول:
    «وحيد من الخلان في كل بلدة --- إذا عظم المطلوب قل المساعد
    وتسعدني في غمرة بعد غمرة --- سبوح لها منها عليها شواهد»
    فلا رفيق له سوى الجواد، ولا وطن له سوى الارتحال، وهاهم المهاجرون من قريش مع الرسول صلى الله عليه وسلم «يتشاكون» في بعدهم عن مكة ويتألمون ويشتاقون، فيدعو عليه الصلاة والسلام ربه قائلا (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة)، فالحمد لله الذي أنعم علينا بهذا الوطن، وتفضل علينا بوجود الأماكن المقدسة فيه، فكان هو هوى القلوب، وشوق المسلمين الوافدين إليه من جميع أنحاء العالم.
    ويظل الإنسان متشبثاً بترابه وانتمائه وأمنه واستقراره، فالانتماء للوطن يجب أن يكون فوق الانتماء إلى الحزب، أو السياسة، والطائفية، والقبيلة، لأن الوطن سقف الجميع لا يخضع الانتماء إليه للمزايدة أو المصادمة أو الفتنة أو العبث بأمنه واستقراره ومنجزاته أو قتل أهله ومواطنيه ومقيميه، فيا لبؤس أولئك الذين لا ترف قلوبهم بحبه ويا لبؤس أولئك الذين لم يرضعوا صغارهم محبته والفخر بالانتماء إليه، ويا لبؤس المتقازمين أمام سموق نخله وبالبؤس ذالك الأب والأم والمدرسة والمعلم والمعلمة الذين لم يغرسوا بالقول والفعل مبادئ حب الوطن وصدق المواطنة في عقول وأفكار وقلوب ناشئته. فا لحمد لله الذي أكرمنا بهذا الوطن الجميل الذي وجدنا أنفسنا عليه، فانصهر حبه في دمائنا، ومهرت تأشيراته في أجسامنا، وارتسمت صورته على جباهنا، وسكن في ضمائرنا.
    - فكل عام وأنت يا وطني مساحة للحب والتسامح والإخاء.
    - كل عام وأنت حافزنا للعمل والإبداع والابتكار.
    - كل عام وأنت حصاة وشوكة في حناجر المتربصين والمخربين والجاهلين والخارجين على مبادئ الدين والإنسانية.
    - كل عام وأنت قلعة للأمن وراية للخير ننام وأنت ملء جفوننا، ونصبح نحتسي قهوتنا على حرارة شمسك وهي تشع على امتدادك، فتستدير السنابل كحبات لآلئ تحيط بعقدها على معصمك وتسكب في أفواه أهلك ومحبيك.
    * كل عام وأنت نبض أرواحنا، لأننا من دونك لا حياة لنا، فالإنسان بلا وطن كميت بلا كفن.
    * الأحد إن شاء الله هو يومك يا وطني، فكل عام وأنت حبيبي.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X