إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

في اليوم الوطني: المواطن أولاً

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • في اليوم الوطني: المواطن أولاً


    في اليوم الوطني: المواطن أولاً


    شتيوي الغيثي


    الوطن


    كان اليوم الوطني بالنسبة للمجتمع السعودي ليس إلا مناسبة وطنية تمر كل سنة ليس للمواطن أي دور في الشعور الوطني تجاهه، ولربما مرّ هذا اليوم من غير أن يعرف أنه قد مرّ، وذلك ناتج عن أن دور اليوم الوطني لم يكن فاعلاً في دفع الشعور بالوطنية تجاه هذا البلد في ثقافة لا تعرف أن تحتفل بأعيادها الوطنية، في حين نرى الآخرين في الكثير من الدول يكون يومها الوطني مناسبة كبرى لتفعيل الشعور بالانتماء لهذا الكيان الوطني الذي يشترك فيه جميع الشعب من كافة أشكالهم الدينية أو الإثنية، ولا يجمعهم إلا انتماؤهم الوطني بعيداً عن كل أشكال التعصب الشبيه بالورم السرطاني الذي ينخر في جسد الكيانات الوطنية. الجامع المشترك هنا هو ما يتحقق من انتماء حقيقي لهذا الكيان دون اعتبارات أخرى قد تضر بهذا الانتماء فما بين أفراد المجتمع هو تحقيق المواطنة ليس أكثر.
    لم تكن مثل هذه المشاعر إلى وقت قريب هي الفاعل في الوجدان السعودي، كان الانتماء للقبيلة أو الفخذ أو المصلحة الذاتية هو المحرك للانتماء وقد رأينا كيف تتم عمليات التنمية أو تحويلها إلى وجهات أخرى من أجل مصلحة أفراد من القبيلة أو مصلحة ذاتية كما هي الحال في المناقصات التي تذهب لأناس دون آخرين في بعض المشاريع دون أدنى حس بالمسؤولية. الانتماء الوطني ليس له وجود في فترة سابقة أو هو على الأقل كان شكلياً مما يجعل مفهوم المواطنة غائباً عن الكثير من أفراد الشعب.
    وإذا أضفنا إلى ذلك الفتاوى التي جاء بها بعض ممثلي الخطاب الديني في تحريم الاحتفال باليوم الوطني قبل سنوات على أنه تشبه بالكافرين، أو أن الإسلام قد حدد الأعياد والمناسبات بالأعياد الدينية فقط، وهذا مبرر للكثير من الناس على ألا يكون لليوم الوطني أية فاعلية أو أن يكون له حضور في الشعور بالمسؤولية الوطنية أو الانتماء. وإذا كان الإسلام قد حدد يومين فقط للاحتفال الديني فإنه قد سكت عن غير ما هو ديني، لكونه شأنا دنيوياً خاصة أنه لا يتقاطع أبداً مع الأعياد الدينية ولا يقوم كبديل عنها، فما المانع أن يحتفل الناس بغير أعيادهم الدينية، خاصة إذا كان هذا الاحتفال يعزز الشعور بالتقارب والاندماج والتعايش.
    هذه الفتاوى لم تجعل للشعور الوطني أية أهمية، بل هي على العكس من ذلك، تشرعن النفور من الاحتفال بمثل هذه المناسبة التي تمس أفراد الشعب عامة، وربما استفادت بعض حركات الإسلام السياسي من مثل هذه الفتاوى، لكي تقوم بضرب شرعية الدولة وإثبات أن هذه الدولة أو تلك ليست دولة إسلامية تقوم على تطبيق الشريعة، لكي يضمن لها هذا الوضع فيما بعد الولاء المطلق من قبل المنتمين إليها من شباب أصبحوا فيما بعد وقوداً لعمليات إجرامية ضد بلادهم ووطنهم وناسهم.
    تغيّرَ هذا الشعور تجاه اليوم الوطني من يوم أقل من عادي إلى يوم ذي قيمة كبيرة في الوجدان الجمعي السعودي لكونه يمسهم مباشرة ويحقق لديهم الرضا ليصبح يوماً احتفالياً ينتظره أفراد الشعب كافة كما رأينا في السنة الماضية، ولكون هذا اليوم أصبح يمس الناس مباشرة أصبح الاهتمام به أكبر من ذي قبل ذلك أن ما يهم المواطن بالدرجة الأولى هو ما تتحقق فيه بعض مصالحه أو انعدامها. هذا الشعور الجديد جاء نتيجة الاهتمام بالمواطن وإشراكه شراكة مباشرة مع الحدث، شراكة جعلت المواطن البسيط يحس أنه ينتمي فعلاً إلى هذا الكيان، وحدث هذا الكيان هو حدثه في المقام الأول، بل إن يوم هذا البلد هو يومه أيضا تتحقق فيه واحدة من حقوق المواطنة لديه، ومن هنا كان اهتمامه حقيقياً ليس كاهتمامه فيما سبق الذي كان يؤدي فيه وظيفة طلبت منه ليس إلا، تنقطع صلته مع أداء المهمة في شعور آلي رتيب تجاه هذا اليوم.
    لكن ومع هذا الشعور الجديد والحس بالانتماء لهذا الوطن فإن مفهوم المواطنة مازال يحتاج إلى وضوح، المفهوم الذي يجعل المواطن يعمل من أجل صالح هذا الوطن، ومجتمع هذا الوطن دون أية اعتبارات أخرى، تحقيق هذا المفهوم هو في الأساس التحدي الأكبر لوجود مثل هذا اليوم وليس فقط مجرد احتفالية عامة يقوم بها الشعب كافة تنتهي بانتهائه.
    وحتى لا يرتبط مفهوم المواطنة بيوم واحد فقط خلال السنة وينتهي بغروب ذلك اليوم، فإن العمل على تعزيز الحس الوطني تجاه هذا البلد وناسه هو ما يمكن تحقيقه انطلاقاً من اليوم الوطني أي أن يكون اليوم الوطني هو بداية الشرارة لحس وطني حقيقي يتقاطع مع مصالح البشرية الذين هم داخل حدود هذا الوطن، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا بتحقيق الكثير من المصالح المباشرة لعموم المواطنين، أي أن يصبح المواطن هو المحور الذي تدور حوله كافة المناشط التنموية.
    المواطن هو الإنسان المباشر الذي تتحقق من خلاله المواطنة، ولذلك فإن الاهتمام بالمواطن هو اهتمام بالوطن كافة. وعكس ذلك فإن غياب الاهتمام بالمواطن يعني غياب الاهتمام بالوطن، ولذلك فإن المواطن الذي لم يتحقق له الكثير من الحقوق فإن حسه الوطني يقل تدريجياً كلما ضاع الكثير من الحقوق. هذه الحقوق التي تضيع من قبل أشخاص ليس لهم هم إلا تحقيق راحتهم الذاتية، وكل تأثير على حقوق المواطن هو تأثير على المواطنة في ذاته وتأثيرها في ذاته هو تأثير على الوطن عامة، فحين يحاول مواطن ما أن يتقدم إلى جهة حكومية ما بطلب حق شرعي له ثم لا يجد القبول أو يصطدم بطابور من التعقيدات والقرارات التي تحد من حقوقه المدنية أو أن يسمع بعض الألفاظ التي تجرح كرامته الإنسانية من مسؤول ما، أو موظف عادي فإن ذلك يؤثر سلباً على انتمائه الوطني، وحين تضيع حقوق الناس المادية في وزارة من الوزارات فإن ذلك أيضاً تأثير على المواطنة في ذوات المتضررين، وحين لا تتحقق للآلاف من الشباب (وهم وقود الأمة كما نكرر دائما) الالتحاق بوظيفة محترمة تحقق له الكرامة الإنسانية فإن ذلك يضر بالحس الوطني، وحين يخسر الملايين من الناس أموالهم في عبث العابثين في سوق الأسهم ثم لا يجد من يردها له، فإن ذلك يؤثر أيضاً، وحين ترتفع الأسعار ولا يجد المواطن من يوقف المتلاعبين بهذه الأسعار عند حدهم فإن ذلك أيضا يؤثر على حس المواطنة، وحين تخترق حرية الكثير من أفراد المجتمع بحجج واهية فإن تأثير ذلك يكون شديدا على مفهوم المواطنة لديهم ، وحين.. وحين... إلخ.

    إن المواطنة عملية ديناميكية مبدؤها الأول هو مصلحة المواطن، وما لم تتحقق هذه المصلحة كما في اليوم الوطني، فإن غياب المواطنة سوف يطول، ولن يتحقق إلا في يوم أو يومين من السنة، وهذا ضد الهدف من وجود يوم بمسمى اليوم الوطني يحاول أن يعزز من الشعور بالمواطنة لدى مواطني هذا الوطن.

    * كاتب سعودي
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X