إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لأنني مواطن

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لأنني مواطن

    لأنني سعودي
    معاناة تعكر صفو السفر للولايات المتحدة الأمريكية


    أ.د. أحمد بن عبدالرحمن الشميمري

    أعددت حقائبي للسفر إلى أمريكا وأنا أتطلع بكل شوق وأمل إلى الوصول إلى كلية إدارة الأعمال في جامعة هارفرد الشهيرة، وتناسيت معاناة إجراءات الحصول على تأشيرة الدخول إلى أمريكا في مقابل ما أسعى إليه من هدف علمي جليل. وكنت أحسب أن معاناة الحصول على التأشيرة هي آخر المعاناة وأني سأستمتع كثيراً حالما استهل هذه الرحلة العلمية المفيدة. ولكن الأمر لم يكن كذلك، فما أن أقبلت على بوابة الطائرة في مطار الملك خالد بالرياض حتى شعرت بالإجراءات الأمنية غير المعهودة فالتفتيش الدقيق يتم داخل ممر الدخول إلى الطائرة، ويقف الشخص ملياً للتفتيش من عدة مراحل، ثم لم تقف الإجراءات عند ذلك، بل عند وصولنا إلى جدة تم إنزالنا من الطائرة وتفتيشنا عند دخول المطار! و بعد تأخير زاد عن ساعتين تم تفتيشنا مرة أخرى عند عودتنا للطائرة من قبل أجهزة الأمن ، كل هذه الإجراءات لم تكن مثيرة لنا لأنها لم تكن تميز بين أشكالنا أو سحناتنا. فالجميع كان يمر بنفس الإجراء وبروح متسامحة جعلتنا نتقبلها احتراماً للأنظمة والأوضاع الأمنية المتقلبة.
    وصلنا إلى مطار كيندي JFK بنيويورك بعد تأخير زاد عن ساعتين جعل كثيراً منا يقلق على رحلات المواصلة، لكن التطمينات من طاقم الطائرة كانت تبدو مشجعة وأن الأمور ستسير بسلاسة ويسر.. هكذا اعتقدنا أو أوهمونا، لكن الأمور لم تكن باليسر الذي تمنيناه. بل كانت عسراً لم نكن نتوقعه. فبعد هذه الرحلة المنهكة اصطففنا جميعاً أمام مكاتب موظفي الجوازات في صفوف خصصوها لنا فظننا أنها تسهيل ولكنها كانت لغرض آخر. وما أن اصطففت أنا مع هذه الجموع حتى أقبل علي أحدهم من بين الناس وسألني عدة أسئلة ثم طلب مني إكمال نموذج جديد أثناء وقوفي في الصف. فسأل أحدهم: ما هذا النموذج ؟ فأجبته بصوت عال: هذا للمختارين فقط!.

    مضت الدقائق ببطء حتى جاء دوري فكان استفتاح التهجم أن قال لي موظف الجوازات بفظاظة "لا تضع يديك على الطاولة.. ابتعد عنها" فابتعدت قليلاً باستغراب، ثم أجبته عما سأل ثم طلب مني أن أقف أمام الكاميرا وأن أضع جميع أصابعي على قارئ البصمة وفعلت ثم انتهت المقابلة سريعاً..

    ظننت أنني انتهيت.. لكنه أشار إلي بإصبعه الإبهام بأن أذهب إلى غرفة أخرى، فأقبلت إلى تلك الغرفة التي يقف عند بابها أكثر من أربعة رجال أمن لا يسمحون لأحد بحمل حقيبة مهما صغرت،وكل ما يسمح لنا أن نحمله هو جواز السفر.

    دخلت تلك الغرفة ووجدتها مليئة بجنسيات عديدة كلها من الشرق الأوسط سوى عدد قليل من الباكستان. فانتظرنا في تلك الغرفة طويلاً وكان أكثر السعوديين يمرون بتلك الغرفة حتى أن بعض طاقم الطائرة كانوا معنا ولم يشفع لهم ترددهم المتكرر على المطار. وعندما أقبل أحدهم وبدا لي أنه كابتن الطائرة أو مساعده أصر عليه الشرطي المسئول بالجلوس وقال له بفظاظة "أنا لا أحب أن يقف أحد أمامي أثناء العمل.. إما أن تجلس أو أن تخرج خارج الغرفة" فما كان من الكابتن إلا أن خرج من الغرفة لأنه لم يتبق فيها متسع للجلوس. وبعد دقائق أتى أحد رجال الأمن متوسلاً للشخص الوحيد الذي يتعامل مع هذا الجمع الكبير من الناس بأن الطاقم عليهم أن يغادروا، فأقبل الكابتن مرة أخرى إلى الغرفة وأخذ الشرطي المسئول يتهكم به قائلاً: "إنه رجل جيد.. أليس كذلك" فقال أحد صغار موظفيه " نعم إنه رجل جيد" يقولها ضاحكاً. ثم أعطي جوازه ومضى. أما نحن فكنا ننتظر أن يأتينا الفرج بعد أن أمضينا ما يزيد على ساعة ونصف في هذه الغرفة. وكان منا من سيستكمل رحلته إلى واشنطن في الطائرة نفسها ولكن هيهات. فالشخص الذي يعمل كان رجلاً واحداً فقط ومعه مساعدة تلقي بالملفات يميناً وشمالاً وتخرج من موقعها أحياناً وتعود إليه أحياناً أخرى دون أن تؤدي كثير عمل. أما ذلك الرجل المتجهم فلم يجف لسانه عن الضجر والتململ وكان أمامه ألوان مختلفة من الملفات البلاستيكية ذات الألوان الحمراء، والصفراء، والزرقاء، والخضراء. وكان يتعمد أن يبدأ بالملفات الصفراء فقط أما غيرها فكان يدعها في مكانها دون حراك. ومن سوء حظي أن أوراقي قد وضعوها في ملف أزرق حينها كرهت هذا اللون الذي كان يعني لي الصفاء والتفاؤل. أما الملفات الحمراء فكان يخصصها لمن يصب عليه جام غضبه، فقد قام أحدهم فسأله سؤالاً لم يستطع أن يجيب عليه نظراً لضعف لغته الانجليزية فأخذ يشتمه ويتهمه بالجهل والغباء ونادى بصوت عال " أعطوني الملف الأحمر" ليضع أوراق ذلك السعودي المسكين ويلقيه جانباً. ولا أدري ماذا حل به بعد ذلك.

    مضى من الوقت أكثر من ساعتين ونحن ننتظر في هذه الغرفة البئيسة وأقلعت طائرة السعودية إلى واشنطن تاركة بعض ركابها ممن كانوا معنا في ذلك الحجز. نعم.. لقد كان حجزاً أمنياً غريباً فلم يكن يسمح لنا بالأكل ولا الشرب ولا الرجوع إلى حقائبنا اليدوية ولا استخدام الهاتف الجوال. بل عندما طلب أحدهم الذهاب إلى دورة المياه أخذوا يتهكمون ويتغامزون باستهزاء وتجاهلوا طلبه ثم عاد أحدهم بعد مدة قائلاً للجميع "من يريد الذهاب لدورة المياه فليرفع يده" يقولها باستخفاف ويرفع يده بابتسامة مهينة. وكنت ممن رفع يدي وكنا حينها ستة أشخاص فأمرونا أن نصطف صفاً واحداً خارج الغرفة وننتظر حتى يكتمل العدد الكافي في نظرهم للذهاب جماعة لدورة المياه. فانتظرنا على هذه الحال أكثر من عشر دقائق حتى أصبح عددنا سبعة فمشى أمامنا رجل أمن وخلفنا اثنان حتى أوصلونا إلى دورة المياه التي كانت في موقع قبل هذه الغرفة أي أننا لا محالة سنعود إلى نفس المكان فضلاً على أن حقائبنا وجوازاتنا لديهم؟!.

    دخلنا جميعاً إلى دورة المياه وبقي رجال الأمن أمام الباب.. وكنت من أوائل من خرج فقلت لأحد رجال الأمن السود بنبرة حزينة "أنا برفيسور قدير في بلدي وأنتم تعاملوننا كالحيوانات" فتأثر من كلمتي هذه واعتذر قائلاً:" إنها تعليمات.. لم نضعها نحن " ثم أقبل رجل أمن آخر وقال بلكنة الأمريكان السود بنبرة تعزية وتخفيف "هذه سياسة يا رجل". لم يزد تعليقهم عن هاتين الجملتين، ثم حل الصمت والسكون علينا جميعاً وعدنا إلى تلك الغرفة البئيسة مطأطئي الرؤوس مروراً بعشرات من البشر المصطفين لإكمال إجراءات الدخول.

    انتظرت حتى أتى دوري بعد أكثر من ساعتين ووقفت أمام ذلك الرجل المتجهم فقلب أوراقي ثم بادرني بالسؤال لماذا أتيت إلى أمريكا ؟ فأجبته أنني سأحضر برنامجاً علمياً في جامعة هارفرد، فلم يدعني أكمل حتى نادى أحد رجال الأمن وقال له بصوت منخفض وبلكنة متكسرة رغبة في عدم إفهامي: "إن هذا الشخص قد تم معاملته كطاقم الطائرة بالخطأ في حين أنه يجب أن يمر بإجراءات تدقيق أكثر " ثم قال بصوت عال:"اذهب به إلى فلان في الغرفة الأخرى".

    اصطحبني الشرطي إلى غرفة أخرى وجدت فيها حوالي عشرة من السعوديين ينتظرون. فقلت للشرطي: لماذا أنا هنا.. فقال: سنعطيك رقماً خاصاً يسهل لك الدخول مرة أخرى !!. صدقته وجلست وسألت أحد السعوديين: أأنتم هنا لإعطائكم أرقاماً خاصة لتسهيل الدخول ؟ فقال أحدهم: هذه المرة الثالثة التي يقال لي نفس الكلام وفي كل مرة أصل للمطار أمر بنفس الإجراءات المشددة! فقمت إلى الموظف سائلاً: "هل أنا في المكان الصحيح" فأجاب: نعم وعليك الانتظار حتى يأتي دورك.

    انتظرنا كثيراً في هذه الغرفة الكئيبة ذات الكراسي الحديدية الصلبة وبلغ بنا الإعياء والتعب حداً كبيراً من طول الانتظار في الأرض بعد رحلة طويلة في السماء. وكان منا من تنتظره عائلته أو زوجته خارجاً فيختلس الخروج للإشارة إليهم والاطمئنان عليهم من خلف الزجاج. وكان أحد السعوديين يستجديهم بأن يسمحوا له بالحصول على ماء للشرب لكنهم لم يستجيبوا. وبينما نحن على هذه الحالة إذ بأحد الطلبة السعوديين يسقط منهاراً على الأرض قد أغمي عليه من شدة الإنهاك. فأخذ أحد الطلاب يصرخ وضجت القاعة بأكملها، وأصبح الحدث فرجة حتى للموظف المعني بأوراقنا فترك مقعده وذهب للاستمتاع بالفرجة على ضحاياهم. وبعد دقائق أقبل رجال الإسعاف وتجمهر الناس حوله وحملوه على عربة الإسعاف خارج القاعة ولا ندري ماذا حل به بعد ذلك!!

    عاد موظفنا البليد إلى مكانه بعد أن استمتع بمشهد الانهيار وكأنه يستشفي من انهيار برجي التجارة العالمي. فقلت لأحد معاونيه "إنني في حاجة لأخذ دواء ضغط الدم وهو في حقيبتي اليدوية التي احتجزتموها" فقال متهكماً: "لا تقلق عندما تنهار سنحضر لك الإسعاف"!!.

    مضت ساعتان ونحن ننتظر في هذا المكان، وكان الموظف الوحيد الذي يعمل على الحاسب يسأل من يأتيه الدور سؤالاً واحداً ثم يأمره بالرجوع، ثم يناديه مرة أخرى ويسأله سؤالاً آخر ثم يأمره بالعودة، وهكذا حتى يستغرق الواحد منا أكثر من عشرين دقيقة لهذه المقابلة.

    أتى دوري بعد أكثر من ساعتين فأخذ يسألني أسئلة قد سألوني إياها من قبل، ومنها اسم والدتي ووالدي ومكان ميلادهما وتاريخ ذلك الميلاد وبطاقتي الائتمانية ومصدرها إضافة إلى الأسئلة التي كرروها مراراً وتكراراً عن تاريخ تنقلي بين الدول وهل سبق لي زيارة دول معينة !!. ولكون الموظف محدود المهارات لم يكن يحسن استخدام الحاسب الآلي ولا معرفة كيف يقرأ بصمة الأصابع فقد أمضى وقتاً طويلاً يكرر ويعيد ويكرر ويعيد ويطلب في كل مرة بأن أعيد وضع أصابعي على الماسح حتى تمكن من ذلك بعد جهد جهيد ثم أمرني بالذهاب مع الشرطي إلى حيث لا أدري فقلت للشرطي: هل انتهيت؟ فقال: لا.. عليك أن تمر بغرفة أخرى.

    كانت تلك الغرفة هي الثالثة التي أمر بها، وعند وصولي وجدت قبلي من سبقوني بساعات قد أنهكهم الانتظار وبدا على وجوههم الإعياء والتعب. وقد وجدتهم قد ضاقت بهم تلك الإجراءات ذرعاً فلم يعد يستجيبوا للتعليمات فهم يتحدثون بصوت عال ويشتمون بكلمات واضحة كما كانوا يستخدمون الهاتف الجوال دون اعتبار للتعليمات الأمنية فما كان من موظف الأمن إلا أن دخل يصرخ على الجميع قائلاً: "سوف أجعلكم تنتظرون حتى السادسة" وكان زميله الآخر يشير من خلف الزجاج بيده من تحت حلقه (كناية عن الذبح).

    بينما كنت أنتظر في تلك الغرفة، صرخت الموظفة بصوت عال: كيف لي أن أفهم هذا الرجل إنه لا يتكلم الانجليزية.. اللعنة.. ما هذا؟ ثم نظرت إلينا من خلف الزجاج وقالت هل يمكن لأحدكم أن يترجم؟ قمت فوراً وقلت لها: يمكنني أن أساعد. فقالت: أتحسن الانجليزية؟ قلت لها: إلى حد ما ولكني حفظت الأسئلة!! فضحكت بصوت مسموع.. فكانت الضحكة الحقيقية الوحيدة التي شهدتها في المطار لكون المرأة مختلفة عن البقية فهي طالبة جامعية في كلية الهندسة سابقاً وتعرف جامعة هارفرد وتعي معنى أستاذ جامعي.

    قمت بالترجمة لطالبين ثم سألتها إن كان لي أن اقترح اقتراحاً فقالت تفضل: قلت لها: أليس من الأفضل اتباع مبدأ من يأتي أولاً يُخدم أولاً. تنبهت فوراً وقالت للشرطي: لماذا لم ترتب الأوراق بالترتيب؟ يا إلهي لقد اختلطت.. لا نعرف من هو الأول الآن!! فبادرت قائلاً: هناك طالب صغير السن ينتظر الآن أكثر من ساعتين ولم يأته الدور وأشرت إليه.. فطلبت هي منه أن يتقدم فتقدم لها وترجمت أنا لها ثم مضى خلال دقائق. عدت بعدها إلى مقعدي ولاحظتها تبحث عن أوراقي وتنظر في الصور حتى وجدت أوراقي ونادتني على الفور وأخذت تسألني الأسئلة المكررة سريعاً حتى انتهيت وخرجت أخيراً من تلك الغرف الثلاث بعد أن أمضيت فيها أكثر من ست ساعات.

    اتجهت سريعاً إلى مطار لوقوارديا لإكمال رحلتي إلى بوسطن ولم يكن الأمر سهلاً أيضاً، فقد استقبلتني موظفة الخطوط الأمريكية بسيل من الأسئلة الاستفهامية ثم طبعت لي بطاقة وأشارت بالقلم الأصفر على حروف خاصة هي: SSS. وحالما اقتربت من مدخل البوابات إذ يسألني أحدهم عن هويتي ويفحص جواز سفري ثم يضع تأشيرة أخرى بالقلم الأصفر تأكيداً على ما سبق وأمرني أن أمضي إلى منصة التفتيش.

    عند أجهزة التفتيش مررت كغيري في المرحلة الأولى، بالطبع بعد إزالة كل ما هو معدني بما في ذلك حذائي، ثم أمرني رجل الأمن أن أدخل جهازاً خاصاً كجهاز غسيل السيارات الأوتوماتيكي يرش مادة طيارة على الشخص ثم تظهر علامة على الجهاز تعني لهم شيئاً لا أعرف ما هو، وكأنه مطهر أو كاشف للأوباء الخطيرة أو الإشعاعات.. لا أدري! لكن بعد ذلك أمرني أحدهم أن أذهب مع شرطي آخر أوقفني أمامه ثم لبس قفازات يدوية ونهرني عند محاولتي مسك حقيبتي، وطلب مني أن أقف على رسمة لأرجل على الأرض. وقال: بناءً على قوانين الولايات المتحدة الأمريكية فإني سوف أقوم بتفتيشك تفتيشاً دقيقاً ولك الحق بأن يكون هذا التفتيش داخل الغرفة الخاصة. قلت له: لا.. يمكنك أن تفتشني كما تشاء هنا أمام الناس. فأخذ يتحسس بيده أجزاء عديدة من جسمي دون تحفظ. ثم توقف وقال لي: أتدري لماذا نقوم بهذا الإجراء؟ قلت له مبادراً: لأنني سعودي!!. سكت ولم يجب علي واستمر في تفتيشه ثم أكمل التفتيش على حقيبتي وأخرج منها كلما هو سائل كما يقول بما في ذلك معجون الأسنان وغيره مما كان في حقيبة الخطوط السعودية، وكان يضعها في جهاز خاص ثم تظهر له بعد دقيقة أو دقيقتين إشارة خضراء فيخرجها وهكذا كان يمر على كل ما هو سائل أو شبه سائل في حقيبتي. وقال لي سأصادر كل هذه الأشياء ألا تعلم أن حمل هذه الأشياء ممنوع في مطارات أمريكا؟ قلت له: لا.. لا أعلم. ثم أردف قائلاً: "ثم إنني قمت بتفتيشك لكونك قد فاتت عليك الرحلة الأولى !!، كما أن السعوديين هم حلفاؤنا!!. قالها بحزم فقلت له: شكراً على هذه المجاملة ومضيت.

    وصلت إلى بوسطن بعد أن تأخرت الرحلة هي الأخرى ساعة من الزمن لكنني وصلت أخيراً وتنفست الصعداء فقد بلغت محطتي الأخيرة بعد هذا العناء الطويل. وفي صالة الوصول وقفت كغيري من الركاب أمام الحقائب منتظراً حقيبتي فلم تأت. لكنني لم أكن الوحيد الذي لم تأت حقيبته فاطمأننت قليلاً وسألت الموظفة فقالت: "هناك رحلة أخرى بعد ساعة وربما وصلت حقيبتك معها. " وبالفعل وصلت الرحلة الأخرى ووصلت معها حقائب كل من انتظر معي في مطار بوسطن إلا حقيبتي. وبعد يأسي من الانتظار عدت لتلك الموظفة لكنها لم تفدني بشيء سوى أن دونت جميع معلومات إقامتي في جامعة هارفرد وقالت: لا ندري متى تصل لكن يمكنك مراجعتنا عبر الهاتف". وبعد اتصالات متكررة ورجاءات متعددة وصلت حقيبتي بعد يومين.

    هكذا عاملنا الأمريكان عند الدخول، ولم يكن الخروج بأفضل حال من ذلك. فالإجراءات الأمنية تتطلب منا أن نثبت الخروج ونمر بإجراءات هي الأخرى مؤلمة بل ربما كانت أشد إيلاماً من تلك التي عانينا منها في الدخول.

    كان على السعودي حالما ينتهي من إجراءات استلام بطاقة الصعود للطائرة أن يذهب إلى صالة أخرى عبر القطار في مطار كيندي ويتجه إلى مكتب الهجرة والجوازات. ولحسن الحظ كان هناك موظف من الخطوط السعودية -غير سعودي بالطبع - بصحبة أحد الأشخاص المهمين لتسهيل إجراءاته فتبعته حتى لا أضل في هذا المطار الضخم ذي الإحدى عشر صالة. فلما وصلنا للمكتب وجدناه مغلقاً وكان علينا الاتصال عبر الهاتف المعلق بالجدار لطلب من يساعدنا. فقام الموظف بالاتصال وانتظرنا 45دقيقة ولم يتبق للرحلة حينها سوى ساعة واحدة فقط. عندها أقبل شرطي بصحبته شرطية تزبد وترعد وتوجه إلينا الكلام قائلة: ألا يفهم هؤلاء أن هذا موعد غدائي!! ثم أخذت تنظر في جوازاتنا وتقول للواحد بعد الآخر: لديك مشكلة وتغلق الجواز.. لديك مشكلة وتغلق الجواز.. وهكذا.

    جلست هي وزميلها خلف أجهزة الحاسب في غرفة متسخة لا تتسع إلا لمراجع واحد وحالما جلست خلف جهازها لاحظت رسالة استعجال من رئيسها على الجهاز أو هكذا فهمنا ثم صرخت بنا جميعاً: "من الذي اشتكى علينا" والتفتت على موظف السعودية وقالت "أنت فعلتها.. سأجعلك تدفع الثمن" فاعتذر لها كثيراً وتلطف معها طويلاً، لكنها لم ترض وطردته خارج الغرفة وقالت: إذا أراد ركابك أن يدركوا الطائرة عليهم أن يصلوا قبل 3ساعات.

    دخل أحد المواطنين وحده فكان يتلقى أحر بدايات السب والشتم كلما أخفق في فهم سؤال أو اضطرب بالجواب حتى انتهت إجراءاته بسلام مصحوبة بسيل من التهكمات. وأقبلت بعده ثانياً فقالت لزميلها بصوت عال: "هذا شخص آخر يريد أن أركله مع مؤخرته".. ولما رأتني متجهماً من قولها كررته بعنجهية قائلة: "إلا تريد أن أركل مؤخرتك" وكانا وزميلها يضحكان بأعلى صوتهما. قلت لها: "على كل حال" Anyway.. قاطعتني قائلة: إنه يقول على كل حال.. ضاحكة ومكررة نفس الجملة. فالتزمت الصمت حتى انتهت إجراءاتي وقلت لها عند خروجي "على كل حال.. شكراً لك.. هذا ما أستطيع قوله" كنت أقولها وأنا أتحسر على هذه الحال التي وضعنا بها، وأتألم لهذه المعاملة التي عوملنا بها عن غيرنا من الجنسيات. وكان الموظفون العاملون هناك يلوموننا نحن وقالوا كلاماً كان سبباً في تأخر نشر هذا المقال،قد أحسن التعبير عنه الشاعر العربي حين قال:

    ولست بهياب لمن لا يهابني *** ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا.
    @ عميد الدراسات العليا

    جامعة القصيم

    بدون تعليق

    www.alriyadh.com/2007/09/28/article282973.html
    التعديل الأخير تم بواسطة مشرف عام; الساعة 30-09-2007, 03:17 PM.
يعمل...
X