Announcement

Collapse
No announcement yet.

يصرف للمذكور معاش شهري قدره 1420ريالاً

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • يصرف للمذكور معاش شهري قدره 1420ريالاً

    يصرف للمذكور معاش شهري قدره 1420ريالاً


    عبدالله المغلوث - الوطن


    في الأول من رمضان الماضي استقبلت اتصالاً من رقم لا أعرفه. كان صوت المتصل مثيراً، مثيراً للشفقة والأسئلة معاً. كان المتحدث يتنفس بصعوبة كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. سألته عن اسمه فأجابني على الفور:"اسمي عبدالله عناد شامس الرويلي، وعمري (55 عاما)، وأسكن حي الزهور بمدينة سكاكا في الجوف". رحبت به بعد أن ملأني بإجابته وأنفاسه الطويلة. ثم سألته عن سبب اتصاله فرد عليّ بأنه يحتاج إلى مساعدتي لإعادة التيار الكهربائي إلى منزله و شرايينه بعد أن انقطعت الحياة عنهما قبل 8 أشهر إثر عدم تسديده للفاتورة المتراكمة عليه. أخبرني أنه يقيم وعائلته في السطح بعد أن استوطنت الفئران والقطط والعقارب غرفه وسرح الظلام في أرجاء منزله. فأجبته سائلا: ماذا عساني أن أفعل؟

    فقال:"ساعدني في كتابة خطاب أوجهه إلى رئيس شركة الكهرباء لعله يعيد التيار إلى منزلي". لم أفكر طويلاً. رفضت؛ لأني لا أثق بجدوى الخطابات. رفضت؛ لأني لا أعرف عبدالله ومدى صحة كلامه. بعد أقل من ساعة من رفضي أرسل لي رسالة نصية كتب فيها: "أشكرك على حسن استماعك. تشرفت بمعرفتك وسماع صوتك". رسالته هزتني، وأشعرتني أنني كنت فظا غليظ القلب معه. هاتفته دون تفكير وطلبت منه أن يصف لي معاناته بالتفصيل. وصفها بدقة. صعدت معه إلى السطح. وتسابقت مع الظلام والقطط في أرجاء منزله. بكيت مع ابنيه الجائعين. ثم أجريت اتصالا بشركة الكهرباء. تحدثت طويلا مع الأخ الكريم حمود الشمري، الموظف في مكتب خدمات سكاكا وتحققت من سلامة موقف الرويلي وصحة انقطاع التيار الكهربائي عن منزله. وحصلت على صورة من تقرير طبي يعكس معاناته مع القلب و ضيق التنفس وارتفاع هرمون الغدة الدرقية والذي يجعله يلهث ويستغيث كلما مشى خطوتين أو ارتكب جملتين. إزاء ما سمعت وتصفحت وجدتني لا إراديا أمام لوحة المفاتيح أنزف وأرجف.

    ابتهجت فور أن نشر مقالي عنه يوم الجمعة 12 رمضان 1429، الموافق 12 سبتمبر 2008 في "الوطن" لأنني تلقيت اتصالا مبكراً من معالي الدكتور يوسف العثيمين، وزير الشؤون الاجتماعية. ابتهجت جدا لأن صوته جاء شهيا، وعدني أن يدرس ملف عبدالله جيداً، ثم غادر وتركني بمعية صوته ولطفه تركني أتحدث عن سرعة تفاعله وتجاوبه مع كل من ألتقيه.

    وتضاعفت بهجتي عندما أخبرني عبدالله أن الكهرباء عادت إلى منزله بعد أيام قليلة من نشر المقال بواسطة فاعل خير، عادت بكامل أناقتها وتبرجها. ظللت مبتهجاً حتى الأسبوع قبل الماضي عندما تلقيت من رئيس التحرير، الزميل الأستاذ جمال خاشقجي خطابا ورده من وزارة الشؤون الاجتماعية ممهورا بتوقيع وكيل الوزارة للضمان الاجتماعي، الأستاذ محمد بن عبدالله العقلا كتب فيه:

    أشير إلى ماورد بصحيفتكم الغراء بعددها الصادر برقم 2905 وتاريخ 12/9/1429 بعنوان: (عبدالله عناد الرويلي بين الظلام وجمعيات التمر) بقلم الكاتب عبدالله المغلوث المتضمن أن المواطن المذكور يعيش هو وزوجته وأبناؤه في منزل بدون كهرباء بسبب عدم مقدرته على الوفاء بالتزاماته مع الشركة البالغ قدرها(21000)ريال إضافة إلى أن التبرعات التي تصله من الجمعية الخيرية عبارة عن التمر فقط.

    يطيب لي إفادة سعادتكم بأنه تم تشكيل فريق لزيارة المذكور في منزله وكانت نتيجة الزيارة الآتي:

    1- المذكور يبلغ من العمر (56 عاما) ويسكن في حي الزهور بمدينة سكاكا بمنطقة الجوف وليس لديه أسرة كما ذكر بالخبر حيث اتضح طلاقه لزوجته منذ (11) عاما وتزوجت بعده ولديه ابنة تقيم مع والدتها المتزوجة من رجل آخر وأيضا لديه ابن يقيم بمحافظة حفر الباطن لدى أولاد عمه.

    2- المذكور وضعه الاجتماعي سيئ حيث تبين سوء إدارته للأسرة وأن كل ما قدم له من مساعدات من أقاربه لا يقوم بصرفها على الوجه المطلوب.

    3- من واقع المشاهدة لمنزله تبين أنه شبه مهجور وعند سؤاله عن الأسرة أفاد بأن زوجته وأبناءه في زيارة بالمنطقة الشرقية وعند استجوابه أفاد بأن الزوجة مطلقة وأن الأبناء يقيمون معها.

    4- يصرف للمذكور معاش شهري من الضمان الاجتماعي قدره(1420)ريالاً.

    5- ماورد بالخبر أنه لا يستفيد من الجمعية سوى التمور فهذا لا أساس له من الصحة، فالجمعيات الخيرية تقوم بتقديم المساعدات العينية والنقدية للأسر المحتاجة كما تقوم برعاية الأسر وتقديم المساعدات الطارئة والصحية والسكنية وتحسين وترميم المساكن وكفالة الأيتام ورعايتهم ولا يقتصر عملها على توزيع التمور وفق ما ورد بالخبر.

    أحببت إحاطة سعادتكم مشيرا إلى أن ماورد بالخبر كان غير دقيق اعتمادا على مصدر غير موثوق.
    ولسعادتكم تحياتي وتقديري،،

    انتهى تعقيب الأستاذ العقلا، ولكن لم ينته الكلام، بل للتو بدأ، فقد أطفأت كلماته كل الأعراس والكهرباء التي اشتعلت في أعماقي. لم أكن أتصور أن تتعامل الوزارة مع موضوع الرويلي على هذا النحو، وتستخدم هذه اللغة. لماذا تشكك؟ لماذا تستجوب؟ أليس من الأولى أن تصوب وتصحح وتحتضن؟

    فكيف تقول الوزارة: "المذكور وضعه الاجتماعي سيئ، حيث تبين سوء إدارته للأسرة وأن كل ما قدم له من مساعدات من أقاربه لا يقوم بصرفها على الوجه المطلوب"، وتصمت؟. أين دور الوزارة الاجتماعي والتوجيهي والتدريبي والتأهيلي لانتشال الرجل من السوء الذي يقبع فيه. أليس هذا جزءا من مسؤولياتها؟ وكيف نفهم أن الرجل سيئا في إدارته ووضعه في حين يقول الأستاذ زياد بن إبراهيم الشبيب، عضو المجلس البلدي في أمانة منطقة الجوف، ورئيس هيئة الإغاثة في المنطقة إن عبدالله عناد الرويلي "رجل طيب ومحتاج ويستحق كل خير. فهو مريض ويعول أسرة". ويوافقه فؤاد خميس مناور الغدير وحمود كريشان النصيري الرأي ويقولان عبر رسالة كتباها بخط يدهما "نشهد أن عبدالله عناد الرويلي جارنا. ولم نشاهد منه أي شيء مسيء. وهو حسن السيرة والسلوك".

    وأحزنني أيضا إشارة الأستاذ العقلا إلى أن فريق التحقيق زار (المذكور) ولم يجد ابنيه. فرغم تحفظي على لقب (المذكور)، كأنه لا يملك اسما، إلا أن تعليقي ينصب على توقيت الزيارة كونه كان خلال إجازة الصيف، حيث كان ابناه خارج منزلهما وقتئذ. وأحب أن أؤكد لوكيل الوزارة أن تركي عبدالله عناد الرويلي يدرس في ثانوية الأمير عبدالإله بن عبدالعزيز الليلية بسكاكا ويستطيع أن يكتشف عبر اتصال قصير بمدير المدرسة، الأستاذ موسى الفهيقي بأن تركي يدرس حاليا فيها، ولم يدرس خارج الجوف سوى فصل دراسي واحد، مما يؤكد أنه يعيش مع والده الذي يعوله هو وشقيقته لينا. وأود أيضا أن أؤكد للأستاذ العقلا أن الرويلي تزوج مرة أخرى بعد طلاقه من الأولى.

    وقبل أن أذهب سأسأل وكيل الوزارة نفس السؤال الذي يسألني إياه عبدالله الرويلي منذ رمضان الماضي: "كيف أصرف مبلغ 1420 ريالا الذي أتلقاه من الضمان؟ هل أنفقه على أدويتي أم على طعام أسرتي، فالمبلغ لا يحتملهما معاً؟!".


    *كاتب سعودي
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X