Announcement

Collapse
No announcement yet.

التناسل الثقافي هو المعضلة الإنسانية المستعصية

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • التناسل الثقافي هو المعضلة الإنسانية المستعصية

    التناسل الثقافي هو المعضلة الإنسانية المستعصية


    إبراهيم البليهي - الرياض


    إن الحواجز الثقافية بين الأمم هي المعضلة الانسانية الكبرى المستعصية إنها معضلة الأفراد في سجونهم الثقافية ومعضلة المجتمعات في غبطتها بما تعيشه من أوهام ثقافية وما تعانيه من تخلف لا تريد أن تعرف سببه الحقيقي فتكابر وتعزوه للآخرين، ومعضلة الجنس البشري كله في عجزه عن التفاهم والتعايش..

    ان المفارقة أو المأزق الذي يعيشه كل فرد في كل زمان ومكان ويعيشه معه العالم كله بسبب ما ينجم عنه من تنافر وصدام ينبغي إبرازه وتأكيده وتكرار الحديث عنه ليكون في بؤرة الاهتمام فمن أكبر المعضلات الإنسانية أن كل فرد لابد أن يعيش مأزق احتياجه في طفولته إلى الثقافة وإلى اللغة لينتقل بهما من عمى الطبيعة الى نوع من الوعي رغم أنه في الكثير من الحالات يكون وعياً زائفاِ لكنه في كل الاحوال ينقل الفرد الى وعي يعيش به فهو بهذا الانتقال يغنم ويغرم انه يدخل عالم الثقافة لكنه يبقى سجيناً لها فالبيئة الثقافية التي ينشأ فيها الفرد هي التي تمنحه تلقائياً بطاقة الدخول الى عالم الانسان العاقل بعد ان تخرجه من عالم الطبيعة العمياء لكنها بهذا الانقاذ أو بهذا التطبيع تحصر عقله في نمطها السائد فما تمنحه له ليس عقلاً مفتوحاً مطلقاً متحرراً وإنما هو نوع من العقل مقولب ومغلق ومقيد ومحصور إنه عقل مستمد من العقل السائد ومشروط به ومحدود بإطاره .. ان لكل أمة ثقافة تختلف عن ثقافات الأمم الاخرى وبذلك تتباين طرق التفكير ومنظومة القيم ونسق الاهتمامات وبسبب التمايز النوعي للثقافات وامتلائها بالحواجز وسوء الفهم المتبادل تفاوتت الأمم كل هذا التفاوت وتنافرت كل هذا التنافر واستمرت الصدامات كل هذا الاستمرار واستحكمت الاحقاد والعداوات كل هذا الاستحكام..

    ان كل ثقافة تستقبل المواليد من ابنائها فتبرمجهم تلقائياً بالتشرب والامتصاص والمحاكاة وبذلك يتحدد وضعهم واسلوب حياتهم ومصيرهم فمن البداهات المتفق عليها في كل الثقافات ان الطفل لا مسؤولية عليه حتى يبلغ سن الرشد لأنه لا خيار له في شيء اثناء طفولته فغيره يقرر له كل شؤونه ومع ذلك فإن هذه الفترة هي أهم فترات عمره واشدها حسماً في تحديد دينه واسلوب حياته ونوع لغته وطريقة تفكيره وتشكيل عقله وصياغة عواطفه وتأسيس اهتماماته وتثبيت منظومة قيمه فهو يتشرب ما تعج به البيئة التي ينشأ فيها مهما كان الاتجاه السائد فينقاد تلقائياً لأسرته ويتطبع بما هو مألوف في مجتمعه ويحاكي من هم اكبر منه ويتأثر بمن يحيطون به ويمتص تلقائياً ما يصادفه في البيئة دون شك ولا فحص ولا تمحيص انه يعتاد تصديق كل ما هو متداول في البيئة والثقة المطلقة به فيتقبل المألوف دون تردد ويثق بما يرى وبما يسمع ثقة مطلقة فيتحدد عنده المقبول والممنوع والحسن والقبيح والجيد والرديء فيمتنع اقتناعاً عما هو ممنوع ويستقبح ما هو مستقبَح ويستحسن ما يستحسنه المجتمع ويفضل ما يشيع تفضيله في بيئته فهو مجرد وعاء أو صدى لما هو سائد انه يشبه مادة طرية وضعت في قالب فهي تتشكل به، وحين يكبر الفرد يكون قد تبرمج وتقولب وتشبع عفوياً اقتناعاً بما وجد نفسه عليه مهما كان نوع المحتوى الذي تطبع به فينقلب من مستقبل أعمى الى مرسل اصم فلا يصغي إلا لمن يزكي ما تطبعت به نفسه وما امتلأ به عقله وما تحدد به وجدانه ولو كان هذا التحديد الحتمي مشكلة فردية لهان الامر ولكنها معضلة كل الافراد وكل الاجيال وكل الأمم فالتناسل الثقافي التلقائي هو المعضلة الانسانية المستعصية.

    ان الفرد يتشكل بالتنشئة الاولى تلقائياً فليس له أي خيار في ذلك ان البيئة هي التي تصوغه وتقولبه وتحدد خياراته فتختار هي اسمه وتقرر دينه ولغته وجنسيته وقيمه وتحدد اهتماماته ومكان نشأته وشكل تربيته وموضوعات تعليمه كما انه يُسلم قياده تلقائياً للأسبق من المعلومات الخاطئة أو الصحيحة ويتشكل بالانطباعات الاولى سواء طابقت الحقيقة أم خالفتها ..

    ان المؤثرات الاولى من الخبرات والمعلومات والانطباعات والمعايير والتصورات والقيم هي التي تشكل الذهن والوجدان وترسم اتجاه الفرد ومسار حياته فهي التي تصوغ قوالب العقل وتصنع اطر التفكير وتعود الفرد على انماط تخصها من السلوك وتحدد له انواعاً تهمها من الاهتمامات وبذلك ترسم البيئة في ذهن الفرد مسارات محددة تجعله يتطبع تلقائياً بما هو سائد ثم انه من النادر ان يتأثر في كبره بما يخالف هذا التطبيع بل يبقى متحفزاً للرفض أو القبول طبقاً لما تطبع به في طفولته ان الفرد يصل سن الرشد بخربطة ذهنية وعاطفية واخلاقية شاملة ومغلقة ويظل طول حياته مغتبطاً بها ومدافعاً عنها ومخلصاً لها ومقتنعاً بأنها خريطة كاملة ومثالية وانها وحدها الخريطة الصحيحة فلا يعتريه الشك ولا يخطر في باله التساؤل إلا في حالات فردية استثنائية يخترق فيها المتميزون أطر الخرائط المغلقة ويقتحمون مجالات جديدة وبذلك يستعيدون فردياتهم المسلوبة ويخففون من البرمجة العنيدة الآسرة.

    إن هذا التربمج ليس مجرد معلومات يتذكرها الفرد وإنما هو صياغة وقولبة وبناء وتشييد وحفر وتحديد إنها برمجة تتأسس مادياً في الجهاز العصبي بالامتصاص وتكرار الفعل فالتعود هو جريان مع مسارات مادية محددة .. إن البرمجة الثقافية في الطفولة لا تنضاف سطحياً لعقل يقظ وإنما تأتي لعقل فارغ ومتلهف ولين قابل للتشكل ومتهيء للصياغة إنه يستقبل المؤثرات بتلقائية جائعة فتغور البرمجة في أعماق النفس وتخالط الذات وتقولب الإنسان إنها النفس ذاتها والعقل ذاته فكل مؤثر متكرر غير مسبوق ببرمجة مضادة يحفر أخدوداً في الجهاز العصبي المركزي فيصبح به السلوك محدداً سلفاً وتلقائياً ينساب بسهولة من أعماق النفس إن الفرد يصير مرتبطاً عاطفياً بهذه البرمجة لأنها هي التي تكون ذاته وتصوغ شخصيته ومنها يستمد آماله وطموحاته وبها يعرف نفسه إنها تلون رؤيته وأحكامه على الأشخاص والأعمال والأشياء والأفكار والمواقف.

    إن سلوك الإنسان في الغالب ليس نتاج التعقل والتدبر إنه يعي ويعقل ما يفعله لكنه يعيه ويعقله بعقل مبرمج بطريقة تفكير معينة وبرؤية محددة مسبقاً إن تعقله إنما هو فيضان تلقائي لما تبرمج به في طفولته إنه وعي مبرمج إنه امتداد للوعي السائد في البيئة مهما كانت طبيعة هذا الوعي ومحتواه واتجاهه واهتماماته لكن الأفراد في أي مجتمع لا يعلمون ذلك بل يتوهمون أنهم واعون وعياً فردياً وأنهم يتصرفون بملء إرادتهم الحرة اليقظة إنهم لا يدركون أن وعيهم مشروط ومتشكل بالوعي السائد في بيئتهم وأنهم مبرمجون بالتفضيلات وطريقة التفكير والمعايير والقيم والاهتمامات التي تشرّبوها من البيئة.

    إن استجابات الناس للمواقف والأحداث والمؤثرات تختلف باختلاف الثقافات فما يراه الأوربي حسناً قد يراه العربي قبيحا وما يعتبره الياباني مهماً قد يراه العربي تافهاً لأن التقييم ورد الفعل هو نتاج البرمجة وليس نتاج التحليل الدقيق والرؤية الموضوعية فهو يفيض تلقائياً مع المسارات المحددة والمحفورة في الجهاز العصبي بالتكرار أو الامتصاص العفوي إن المرء في الغالب يكون مقتنعا بصواب سلوكه الذي تبرمج به ويظل مغتبطاً بما وجد نفسه عليه فالإنسان كائن تلقائي وهذه التلقائية هي أهم خصائص الإنسان إن هذه التلقائية ذات ضرر كبير كما أنها ذات نفع عظيم إنها تجعل الإنسان مرتهنا بالبيئة ومصاغاً بفعل غيره إلا أنها تنقل الفرد في الصغر من حالة الطبيعة إلى مستوى الثقافة وتدخله إلى عالم العقل والوعي كما أنها تتيح له بعد أن يكبر إذا وعاها أن يعبئ ذاته بأدق المعلومات وأنضج الخبرات وأعلى المهارات ..

    إن تلقائية الإنسان هي التي تضمن انتظام حياته بسلوك تلقائي وهي التي تفتح المجال لمن يعيها لتعبئة الذات حتى درجة الامتلاء والاكتظاظ بالأنقى والأنفع والأجمل والأكمل والأسرع ليكون عتاداً ذاتياً جاهزاً يتدفق تلقائياً كلما احتاج إليه إن هذه القابلية المطواعة هي مصدر المهارات العالية ولكنها أيضاً سبب البرمجة بالانغلاق والتعصب والعقم والعمى العقلي.

    إن حياة الإنسان لا تنتظم إلا بالتطبع لينساب السلوك تلقائياً ولولا ذلك لكانت الحياة فوق طاقة الإنسان: مشقة وإرهاقاً وتوتراً وارتباكاً وعجزاً لكن قابلية الإنسان للبرمجة جعلت حياته المتطورة ممكنة فصار الأداء الماهر والمتقن ميسراً فقد أتاحت له هذه القابلية المرنة إمكانات عظيمة لتعبئة نفسه بالمهارات العالية والامتلاء بالمعلومات الدقيقة فإذا أجاد برمجة ذاته فإنه يصير إنساناً خارقاً في فكره وعلمه ومهارته وأدائه ولكن من النادر أن يكتشف الفرد في الثقافات المغلقة سوءات ثقافة أمته التي تبرمج بها وأندر من ذلك أن يعيد برمجة نفسه وأن يجيد هذه البرمجة فالناس في الغالب يبقون مأسورين بالبرمجة التلقائية الأولى التي تتأسس وتغلق وتُختم في مرحلة الطفولة ..

    إن الامتصاص التلقائي يخالط النفس ويجري من الإنسان مجرى الدم ويسري فيه سريان الحياة لذلك يستحيل الإفلات منه بل ان المبرمَج لا يريد الخلاص من البرمجة التي سلبته فرديته لأنه يجهل طبيعتها وينشأ على وهم اكتمالها وتفردها فهي في نظره الثقافة الوحيدة الصحيحة إنه مقتنع بعظمتها ومثاليتها والاغتباط بها إلا في حالات استثنائية يستطيع فيها الفرد أن يكتشف هذا الوهم فيعيد تكوين ذاته.

    ولأن الإنسان كائن تلقائي فإن طريية تفكيره ونمط سلوكه وأنواع اهتماماته وتأسيسه الذهني والعاطفي كلها يتطبع بها في طفولته أما المعارف والمهارات التي يكتسبها بعد أن يتجاوز مرحلة الطفولة فإنه لا يتطبع بها فتتحول إلى أداء تلقائي حتى تصير عادات راسخة ينساب منها الأداء تلقائياً إنها نتاج تكرار الفعل فلا قيمة للأقوال والمعلومات والحقائق والمحفوظات والمبادئ والقيم التي لا تتحول إلى أفعال تتخلق بتكرارها عادات منتظمة فالأفعال المتكررة تشق مسارات حقيقية في الجهاز العصبي المركزي فيصير الأداء انسياباً تلقائياً بفعل التعود أما المعلومات وحدها فلا تترك أي أثر إلا بمقدار ما ينتج عنها من تكرار للأفعال يترتب عليه تكوين عادة فالأداء الماهر والمعرفة الحقيقية والسلوك النمطي التلقائي ما هي إلا سلسلة من الأفعال المعتادة المتكررة.

    إن تكرار الفعل يحفر أخدوداً في الجهاز العصبي المركزي فيتحول الأداء او المعرفة أو المهارة أو السلوك إلى عادة ينساب منها الأداء تلقائياً .. ان السلوك هو جريان تلقائي مع مسارات جرى حفرها في الذات بتكرار الفعل لذلك فإنه كلما كان استقبال الفرد للمؤثرات استقبالاً تلقائيا جاءت الاستجابة تلقائية وصار التأثر حاسماً ودائماً وكلما صاحبت الرغبة واللذة المؤثر صار العقل مفتوحاً لاستقباله والاستجابة له والتأثر الدائم به ويمكن إجمالاً تصنيف المؤثرات التي يتلقاها الفرد في حياته كما يلي:

    @ مرحلة الطفولة المبكرة وهي مرحلة التأسيس العقلي والمعرفي والعاطفي والأخلاقي إنها مرحلة حاسمة ففيها يكتمل التأسيس ويتحدد الاتجاه تلقائياً بواسطة الامتصاص والتشرب والمحاكاة .. إنها برمجة آلية محضة فالطفل يتشرب ما يتلقاه من البيئة تشرباً تلقائياً فيتشكل به: عقلاً ولغة وعاطفة وأخلاقاً إنه في هذه المرحلة يتكون عقله وتتشكل عواطفه وتتحدد أخلاقه وتتعين لغته فيكتسب تلقائياً أسلوب حياته وطريقة تفكيره ومنظومة قيمه وأنواع اهتماماته طبقاً لما هو سائد في البيئة التي ينشأ فيها وحتى بعد أن يكبر يبقى عقله امتداداً للعقل السائد في المجتمع فهو حسب اهتمامات و قيم البيئة يهتم بهذا ولا يكترث بذاك، ويحب أو يكره ويصادق أو يعادي ويرفض أو يقبل ويستحسن أو يستهجن ويحترم أو يحتقر وكل ذلك يجري تلقائياً طبقاً للمعايير التي تبرمج بها تشرباً عفوياً وهذه البرمجة تخالط العقل والنفس والوجدان فتلازم الفرد طول عمره فهو معجون بها لذلك لا ينفك منها ولا ينساها لأنها هي ذاته إن ما يمتصه الفرد في طفولته يندمج في كيانه فيحدد طريقة تفكيره ويصوغ شخصيته ويلازمه من المهد إلى اللحد..

    @ النوع الثاني من المؤثرات ما يأتي في الكبر امتداداً لبرمجة الطفولة وتأكيداً لها وهذه المؤثرات لها حكم البرمجة الأساسية فالفرد بعد أن يكبر يقبل كل ما يتفق مع البرمجة الأولى دون فحص ولا تمحيص ومن غير شك ولا مناقشة فكل ثقافة تبرمج الأطفال تلقائياً بأن يغتبطوا بها وبتراثها وتملؤهم اقتناعاً بتعظيم أسلافها فإذا كبر أحدهم ودرس تاريخ أمته فإنه يصدق دون مراجعة كل ما يُنسب لأمته من تفرد وامتياز وعظمة وأمجاد وانتصارات كما يتقبل من غير شك تفاهة تاريخ وتراث الأمم الأخرى وأنه ليس إلا سلسلة من الضلال والوهم والقبائح ويسري هذا التصديق الساذج التلقائي على كل ما تهتم به البيئة وتحترمه وتعتز به وتقدسه..

    @ النوع الثالث من المؤثرات ما يتلقاه الفرد مكرهاً أو مضطراً من غير رغبة ولا لذة مثل الدراسة النظامية بشتى مراحلها فالكثير من الدارسين لا تدفعهم رغبة ذاتية في العلم وإنما يلتحقون بالتعليم من أجل الحصول على شهادة بوصفها مدخلاً للوظيفة ومصدراً للرزق وسبباً للوجاهة والنفوذ والمكانة الاجتماعية وهذا النوع ضعيف الاثر بل إنه ما لم يتحول بالممارسة الممتعة إلى تعبئة تلقائية حاشدة فإنه لا يؤثر في التفكير ولا يثير الوجدان ولا يدفع إلى سلوك .. إن ما يكتسبه الفرد من المعارف والمهارات والعادات من غير شغف بواسطة التعليم الرتيب والتلقين الثقيل يُنسى بسرعة ولا يترك أثراً في النفس ولا في الفكر أو الفعل فما يتعلمه الفرد مضطراً يبقى خارج بنيته الذهنية والعاطفية..

    @ النوع الرابع من المؤثرات ما يتلقاه الفرد في كبره مما ليس له أساس في برمجة الطفولة لا نفياً ولا إثباتاً ولكنه حين يأتي مصحوباً بلذة وابتهاج فإنه ينفتح له العقل وتستجيب له العواطف فينغرس في الذات ويؤثر في التفكير والسلوك فإن كان مؤثراً جيداً كالأفكار والحقائق والعلوم والفنون والمهارات فإنه يرتقي بمستوى الإنسان فكراً ومعرفة وحكمة ومهارة وأداء لأنه جاء مدفوعاً برغبة ومصحوباً بلذة فما يتلقاه المرء بشغف وما يمارسه بابتهاج ولذة يقترب في ثباته وديمومته من مستوى البرمجة ..

    إن الإنسان ينقاد لما هو لذيذ ويسعى لما هو مبهج فإذا أقبل على التعلم أو العمل بابتهاج ولذة فإنه يستوعب بسهولة ويكتسب المهارة بسرعة ولا يعتريه النفور والملل فتذوب المعلومات والمهارات في بنيته العقلية لأنها معززة عاطفياً ولكن لابد من التأكيد بأن ما ينضاف في الكبر من العادات حتى لو كان مصدره ممتعاً ليس راسخاً رسوخ برمجة الطفولة فرغم أن الفرد يتبرمج به لكنه يتطلب استمرار التجديد والمعايشة والمران والتثبيت كما في المهارات الرياضية وغيرها أما إذا أُهملت فإنها تضعف ثم تندثر..

    ولكن المؤثرات اللذيذة ليست دائماً نافعة وإنما قد تكون ضارة فإدمان المخدرات مصدره اللذة الآنية فإذا اعتاد الفرد على فعل ضار مقرون بلذة فإنه يصبح عاجزاً عن الانفكاك من هذه العادة ومن أوضح الأمثلة محاولات الكثيرين الإقلاع عن التدخين وإخفاقهم في هذه المحاولات رغم أنهم يدركون الضرر الفادح الذي يسببه التدخين لهم مما يؤكد أن الإنسان كائن تلقائي وأنه يتبرمج بتكرار الفعل وأن العادة المستحكمة تهزم الإرادة الواعية فالعقل يحتله الأسبق إليه ..

    إن العادة الراسخة حقيقة مادية لأنها ذات مسارات ثابتة في الجهاز العصبي المركزي أما الإرادة فهي مجرد محاولة لخلق عادة جديدة فالصراع هنا بين وجود راسخ، وبين مجرد رغبة في التغيير..

    @ النوع الخامس من المؤثرات ما يأتي معارضاً لما تبرمج به الفرد في طفولته سواء كان التعارض حقيقياً أو متوهماً فالفرد في الغالب يرفض هذا النوع من الحقائق رفضاً قاطعاً وتلقائياً دون تقييم ولا فحص وإنما بحكم مسبق لأنه يتعارض مع ما تبرمج به ..

    إن الإنسان يكون مبرمجاً على الثقة المطلقة بما تلقاه من البيئة وتكذيب ما يأتيه من خارجها إذا ماكان يتعارض معها وهو بطبعه ينفُر من المجهول ويميل للمعلوم ويتمسك بالمألوف ويؤثر الراحة ويخاف المجازفة لذلك فإنه في الغالب يبقى مأسوراً بما هو سائد ولا يخرجه من أسءره سوى صدمة مزلزلة أو لذة جارفة..
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X