إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

رجل الهيئة في صالة البولينج.. الرجل القدوة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • رجل الهيئة في صالة البولينج.. الرجل القدوة

    رجل الهيئة في صالة البولينج.. الرجل القدوة




    الوطن

    ليلى أحمد الأحدب

    أوردت صحيفة الوطن يوم الثلاثاء الماضي خبراً عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتميز بتفوقه على كثير من الأخبار السارة عن الهيئة في حملاتها التي تداهم فيها أماكن الشر من بيوت دعارة ومصانع للشراب الخبيث وما شابه, وهي حملات ضرورية للحفاظ على أمن المجتمع وسلامة أفراده, كما أنه يدلّ على كثير من الإيجابية في التعاطي مع قضايا المجتمع, خصوصاً قضايا الشباب والاقتراب منهم والتحدث إليهم بلسانهم, وهو الأمر الذي يعجز عنه كثير من الآباء والمربين.
    ملخص الخبر - لمن لم يطلّع عليه - هو أن سيارة الهيئة توجّهت صوب مركز الألعاب الموجود في سوق المساعدية, وللوهلة الأولى اعتقد المتسوقون أن شيئاً مريباً قد حصل داخل مركز البولينج والبلياردو, ما دفع غالبيتهم للانتظار ريثما يخرج أعضاء الهيئة مع بعض المخالفين, وخاب أمل الجميع عندما ترجّل رئيس هيئة محافظة جدة ومعه شيخان آخران تعلو وجوههم البسمة وقد دخلوا في حوار ودّي مع ثلة من الشباب, ولم تنته المفاجأة عند هذا الحد بل توجّه الشيخ علي آل حيان نحو صالة البولينج معلناً تحديه للشباب, وكانت نتيجة اللعب فوز الشيخ وزملائه على الفريق المحترف, وأخذت البهجة بقلوب الشباب وهم يرون الشيخ يطيح بالكرات ثلاث مرات Strike وأربع مرات Split ليهتف الشباب وسط تصفيق حاد: يا سلام عليك يا شيخ!
    إذا قرأنا بعض الكلمات أو العبارات التي جاءت في الخبر نستطيع أن نستنج ما هو الانطباع الذي يحمله الشخص العادي عن الهيئة, على سبيل المثال مشاهدة البسمة على وجوه مشايخ الدين هو أمر غير مألوف, لأن الانطباع الغالب عن الدين أنه أمر جدي, ولذلك يجب ألا تعرف الابتسامة طريقاً إلى وجوه المشتغلين به, وهذا الانطباع الخاطئ موجود بين المتدينين وغيرهم, رغم كثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي تحثّ على الابتسام مثل: (تبّسمك في وجه أخيك صدقة), و (لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق).
    رب سائل يسأل: وهل الدين أمر هزل؟ لا أقصد ذلك بالطبع, ولكن عندما نفصل الدين عن مباهج الدنيا, فإننا في الحقيقة نفصل الدين عن الدنيا, وهذا عكس ما هو مطلوب من المسلم الذي ينبغي أن ترتبط أعماله الدنيوية بالنية الصالحة كي يكون له أجرها العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة, ومما هو معلوم عن الصالحين الأوائل أنه إذا خلا أحدهم بعبادته تلبسته الخشية من الله, والرسول عليه الصلاة والسلام عندما كان يقوم الليل كان يسمع له صوت كأزيز المرجل من البكاء, أما عندما يلقى أصحابه فكان البشر يقطر من وجهه, لذلك فلكل مقام مقال.
    سيارة الهيئة تعني للناس أن أمراً مخلاً بالآداب قد حصل, وهذا ما تفسره كلمة "المخالفين" أيضاً, وحين نسأل عن معنى هذه الكلمة الأخيرة نجد أنه يقصد بها المخالفات الشرعية مثل قصات الشعر الغريبة وكذلك الأزياء المستوردة؛ وهنا يجب لفت نظر المربين والمهتمين بالشأن العام أن هذه القصات والأزياء في الحقيقة لا تعني سوى شيء واحد بالنسبة للمراهق وهي حب الخروج عن النسق الاجتماعي والأسري وذلك بغاية إثبات الذات, ولا ريب أن كثيراً من رجال اليوم كان لديهم حب إثبات الذات في مراهقتهم بشكل من الأشكال.
    بما أن الشيء بالشيء يذكر, أذكر أن مشكلة لباس الشباب غير اللائق اجتماعياً تكاد تكون ظاهرة في بلادنا العربية, ولكنها حتى في أمريكا مزعجة لكثير من البالغين, وقد دارت إحدى الحلقات التي عرضت حديثاً في برنامج د. فيل حول السراويل العريضة المنزلقة لما تحت الوركين, والتي تظهر اللباس الداخلي أحياناً, حيث من غير اللائق أن يظهر الإنسان ملابسه الداخلية للآخرين, ووافق رجل دين مسيحي مشارك في البرنامج على سماجة هذا الزيّ لكنه سأل الدكتور فيل قائلا: أنا وأنت من نفس الجيل وقد كنا نلبس سراويل الشارلستون التي اشتهر بها المغني ألفس بريسلي على عكس رغبة آبائنا الذين كانوا يخشون علينا الخنوثة, ولم تكن خشيتهم في محلها, لذلك أعتقد أنه لا يحق لنا الاعتراض على هؤلاء الشباب.
    لا نريد أن تتحول مجتمعاتنا العربية كالمجتمع الأمريكي بالطبع لكني قصدت بالمثال السابق أن أقول إن اختلاف اللباس من جيل إلى جيل هو أمر عادي, فمثلا كان الشروال هو السائد منذ مئة عام في غالبية البلاد العربية, وها هي صحيفة تبشرنا بأنه موضة هذا العام للشباب والفتيات, فهل إذا لبسه الفتى الآن يكون متمسّكاً بإرثه من جده أو جد جده الذي لم يره ولا يعرفه؟ لا طبعاً, لذا يمكننا أن نعتبر الاختلافات بين الجيل القديم والجيل الجديد مجرد اختلافات بسيطة, مع العمل على تضييق الفجوة بين الأجيال, ولا يكون ذلك إلا باستخدام لغة الحوار المتسامح أحياناً والحازم أحياناً أخرى, وكل ذلك يقتضي منا ذكاء تربوياً بدواخل نفوس أولادنا وبناتنا لتحرّي أقرب الطرق لإقناعهم.
    عودة إلى فعل المشايخ الأفاضل رجال هيئة جدة, فإن ما قاموا به يدخل تحت بند التحبب إلى خلق الله, وتحبيبهم في دينه, ولا أعتقد أنه يخفى على المراقب بُعد كثير من الشباب عن الدين, والسبب يعزى في كثير من الأحيان إلى قدوة خاطئة في الصغر, كتحرش جنسي من قبل شخص ظاهره الورع والتقى وباطنه الشر والفحش, أو إجبار على الصلاة وضرب على حفظ القرآن الكريم, وإكراه على لبس الحجاب قبل أن تبلغ الفتاة سن التمييز, مع إشعارها بأنها ممنوعة من كل شيء لأنها أنثى, ولذلك يجب عليها أن تمتنع عن اللعب, وقد حكت لي فتاة صغيرة أن المشرفة تقول لها ولزميلاتها: يا بنات.. لا تركضن مثل الأولاد!
    يبدو أن السيدة المشرفة لا تعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام سابق عائشة فسبقته مرة وسبقها مرة, وفي حديث عائشة عن لعب الأحباش أمامها والنبي يسترها قالتفاقدروا حق الجارية المحبة للّهو) أي اسمحوا لها باللعب واللهو؛ كما أن بعض المتشددين لا يعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام صارع ركانة فصرعه, وأنه كان يستمع إلى قصص نسائه وأحاديثهن, ومن يقرأ حديث عائشة وقصتها عن أبي زرع والنبي يستمع إليها, يتساءل عن القدوة الكريمة التي تركها لنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حول ملاطفة الزوجة رغم أنه هو المحمّل بأعباء الرسالة والمهموم بسرّ الدعوة والمناجي ربه وهو الذي رأى ما لم يره بشر من جنة ونار, وهي الرؤية التي تجعل أي بشر آخر يعزف عن الدنيا ويشتغل للآخرة, ولكنه الرسول عليه الصلاة والسلام الذي علّمنا فقالإن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً ولربك عليك حقاً فآت كل ذي حق حقه).
    النزول إلى مستوى الشباب لنستطيع أن نرفعهم إلى مستوانا هو ما يحتاجه أي شاب, وهو ما تحتاجه أية فتاة, فإذا كان الشيخ الكريم رئيس هيئة جدة أثار إعجاب الشباب بمدى إتقانه للعبة البولنيج فلنتخيّل كم يكون الشاب فخوراً بوالده إذا أظهر مهارة من مهاراته أمام أولاده أو أصدقائهم؛ ونفس الشيء ينطبق على الأم وابنتها, لذلك يجب علينا الاقتراب من أولادنا وبناتنا واعتبارهم أصدقاء لنا, وللأسف فإن ما يحصل هو انشغال الأب بعمله, ولا تملك المرأة دائماً ما يخفّف عنها وحدتها في غياب الأب, فينعكس هذا على الأولاد والبنات ولذا تراهم معزولين كل واحد في غرفة ولكل منهم اهتماماته الخاصة, مما يجعل الترابط العائلي مجرد حلم في غالبية بيوتنا.
    الإشكال نفسه يطرح على الصعيد الاجتماعي, وقد طرحه رئيس هيئة جدة بأسلوب غير مباشر, فعندما تحدّث مع الشباب بلغتهم الشبابية ضمّهم تحت جناحه وكسبهم في صفه باعتدال واقتدار, وذلك كي يستطيع ملء قلوبهم بالحكمة, ولا يمكن أن تنفتح القلوب للحكمة إذا كانت النفوس نافرة, ولا يروّض القلوب والنفوس شيء كالخلق الحسن من محبة وتواضع ورحمة ورفق.
    * طبيبة وكاتبة ومستشارة اجتماعية

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




يعمل...
X